عندما تنحّى رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر عن مقعده البرلماني في دائرة هولبورن وسانت بانكراس هذا الأسبوع، يكون قد أنهى أكثر من عقد من تمثيل دائرة لم تنتخب سوى مرشّحي حزب العمال منذ تأسيسها عام 1983.
والانتخابات الفرعية التي ستُجرى بسبب هذا التنحي، والمتوقع أن تكون في وقت لاحق من هذا العام، كانت في العادة مجرد إجراء شكلي. لكنها أصبحت الآن أكثر المنافسات متابعة خلال هذه الدورة البرلمانية.
والسبب هو أن زاك بولانسكي، زعيم حزب الخضر، الذي يصف نفسه بأنه “شعبوي بيئي”، والذي انتشل حزبه من الهامش إلى نسبة أرقام تفوق العشرة بالمئة في استطلاعات الرأي خلال عام واحد، أعلن الخميس أنه سيسعى للترشح عن هذه الدائرة. ويبقى عليه الآن أن يحصل على اختيار أعضاء الحزب المحليين ليكون مرشحهم.
وتقدم سجلات التصويت لهذا الرجل مزيجاً من التشجيع والتحذير معاً.
ففي انتخابات 2024، فاز ستارمر بنسبة 48.9 بالمئة من الأصوات، بينما جاء حزب الخضر في المركز الثالث بنسبة 10.4 بالمئة، خلف المرشح المستقل المؤيد للفلسطينيين أندرو فاينشتاين.
غير أنه في انتخابات مجلس كامدن المحلية في مايو/أيار الماضي، وهي المنطقة التي تقع فيها الدائرة، حصل الخضر على 28.8 بالمئة من الأصوات مقابل 38.8 بالمئة لحزب العمال. كما فازوا بمقاعد في مناطق كانت تُعتبر معقلاً لستارمر نفسه للمرة الأولى.
تحدثت الجزيرة إلى علماء سياسيين ومحللين في الشؤون الانتخابية لمعرفة ما إذا كان لدى بولانسكي طريق واقعي نحو البرلمان.
فوز الخضر سيكون “مفاجأة”
منذ أصبح بولانسكي زعيمًا لحزب الخضر قبل عام، حقق الحزب بعض النجاح في اجتذاب ناخبين من الجناح اليساري داخل حزب العمال.
وكان من بين ذلك فوز مفاجئ في انتخابات فرعية في مانشستر الكبرى، فيما تشير استطلاعات الرأي الحالية إلى أن الحزب يحظى بتأييد يصل إلى 20 بالمئة على المستوى الوطني.
ورغم النتائج الأخيرة التي حققها الخضر في كامدن، يقول خبراء إن دائرة هولبورن وسانت بانكراس تظل مقعداً قوياً لحزب العمال.
وقال جوناثان تونغ، أستاذ السياسة في جامعة ليفربول، للجزيرة: “فوز الخضر سيكون مفاجأة”. وأضاف أنه لتتغير هذه الحال، يجب أن ينتهي ما يُسمى “شهر العسل” لرئيس الوزراء الحالي زعيم حزب العمال أندي بورنهام بسرعة. وأشار إلى أن “ميزانية كارثية” يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول قد تكون كفيلة بذلك.
كما شدد على أن توقيت الانتخابات الفرعية عامل حاسم. وقال: “إذا قدّم بورنهام مؤتمراً حزبياً جيداً في ليفربول في أواخر سبتمبر/أيلول، فسيستمر شهر العسل حتى موعد الميزانية على الأقل. وكلما تأخرت الانتخابات الفرعية، أصبح الوضع أكثر صعوبة لحزب العمال. وهم يريدون إجراء المنافسة في أقرب وقت”.
وصل بورنهام إلى السلطة بعد تسع سنوات قضاها عمدةً لمنطقة مانشستر الكبرى، وقد وصل من دون أن تلتصق به فضائح. وبالنسبة لكثير من البريطانيين، كان ذلك بمثابة ارتياح بعد قرار ستارمر تعيين بيتر ماندلسون سفيراً في واشنطن رغم علاقاته بجيفري إبستين.
وفي استطلاع أجرته مؤسسة يوغوف في أغسطس/آب، كانت النظرة إيجابية تجاه بورنهام لدى 46 بالمئة من البريطانيين.
وعلى النقيض من الحذر الذي اتسم به أسلوب ستارمر القانوني، يأتي بورنهام بأسلوب أقرب إلى الناس وخارج المؤسسة الحاكمة، يحاول الاختراق بعيداً عن سياسات وستمنستر التقليدية، وهو نهج وجد فيه بولانسكي صدى لديه.
تاريخ بولانسكي السياسي
يقول منتقدو بولانسكي إنه يبدو وكأنه مرشح “أُنزل بالمظلة” على الدائرة، بينما هو يؤكد أنه يعيش ويعمل في المنطقة منذ سنوات.
ونقلت صحيفة “كامدن نيو جورنال” عنه قوله: “عشتُ وعملتُ في هذا المجتمع لسنوات عديدة. أعرفه جيداً وأحبه”. وأضاف: “إنه يمثل الكثير مما يجعل لندن مميزة. أنا متحمس جداً لفكرة تمثيل هذا المكان في البرلمان”.
لكن تونغ قال إن بعض الناخبين يرون بولانسكي “يسارياً أكثر مما ينبغي، ويفضلون خيار حزب العمال الأكثر أماناً”. وأضاف أن “ارتفاع شعبية بورنهام” الذي يتمتع به حزب العمال حالياً قد يضعف أيضاً فرص بولانسكي.
أما جون ماكتيرنان، السكرتير السياسي لرئيس الوزراء الأسبق توني بلير، فقال للجزيرة إن التاريخ السياسي لزعيم الخضر قد يقف في طريقه. وأشار إلى أن بولانسكي ترشح لأول مرة في هذه الدائرة عام 2015 عن حزب الديمقراطيين الأحرار، ولم يحصل حينها سوى على 96 صوتاً في انتخابات فرعية لمجلس كامدن.
كما اضطر بولانسكي إلى الاعتذار في وقت سابق من هذا العام عن مخالفة تتعلق بضريبة المجلس على منزله العائم، حيث قال متحدث باسم حزب الخضر: “زاك يعتذر بصدق عن الخطأ غير المقصود”. وفي وقت لاحق، اعترف بأنه لم يصوت في الانتخابات المحلية في مايو/أيار، قائلاً إنه كان ينتقل إلى منزل جديد و”لم يتوفر لديه الوقت” لتسجيل نفسه في عنوانه الجديد.
ربما يكون الخضر بلغوا ذروتهم
لم يصل حزب الخضر إلى هذه المرحلة من قبل. فبين عامي 2010 و2024، لم يكن للحزب سوى نائب واحد في البرلمان.
تغير ذلك في فبراير/شباط الماضي عندما فاز الخضر في الانتخابات الفرعية في دائرة غورتون ودينتون. فقد حصلت حنا سبنسر، وهي سبّاكة محلية وعضو مجلس عن الخضر، على 40.7 بالمئة من الأصوات في منطقة يمثلها حزب العمال منذ عام 1931.
وكان ذلك أول فوز لحزب الخضر في انتخابات فرعية برلمانية على الإطلاق، وبأعلى نسبة أصوات يحققها الحزب في مثل هذه الانتخابات بفارق 30 نقطة. وجلب هذا الفوز أول نائب للحزب في شمال إنجلترا.
وفي مايو/أيار، وعلى مستوى لندن، قفز عدد مقاعد الحزب في المجالس المحلية من 18 إلى 279 مقعداً، وسيطر على ستة أحياء، كما فاز بأول مناصب لعمدة منتخب مباشرة في هاكني وليويشام. في المقابل، سجل حزب العمال أسوأ نتيجة محلية له في لندن منذ عام 1968. وعلى المستوى الوطني، فاز الحزب بـ587 مقعداً محلياً، وهو أعلى رقم في تاريخه.
لقد بات الزخم في صالح الخضر، لكن تونغ يرى أن الحزب ربما وصل إلى ذروته بالفعل. أما ماكتيرنان فيقول إن بولانسكي ينبغي أن يكون حذراً من الخلط بين نجاحات هذا العام وبين دليل على شعبيته الشخصية، بل ينبغي أن يرى في هذه النتائج تعبيراً عن الاستياء من الأحزاب الكبرى. لم أستلم النص المطلوب إعادة صياغته. يرجى إرسال المقالة لأتمكّن من إعادة كتابتها بالعربية.