بعد أداء صلاة المغرب جلس ياسر صقر رشيد في زاوية من مسجد المَراح في الضفة الغربية المحتلة، وشرع في قراءة القران، لكن قلقاً في الخارج لفت نظره بعد لحظات. اقتحم مستوطنون فناء المسجد الواقع في بلدة دير دبوان قرب رام الله، مقر السلطة الفلسطينية.
أفاد رشيد (92 عاماً، فلسطيني–أميركي) أن أحد المستوطنين ألقى مادة حارقة على نافذة المسجد محاولاً إشعال النار فيها. «أراد أن يحرقني حياً»، قالها لرصيف القلم/الجزيرة. وأضاف أنه صُدم لرؤية مستوطن يحمل قنبلة حارقة موجهة نحو وجهه وملابسه بجوار النافذة.
فيما لا تزال خسائر البنية التحتية في مسجد المَراح غير محددة تماماً، وثقت كاميرات المراقبة دخول مستوطنين مقنعين إلى الغرف الداخلية للمسجد، ثم خروجهم لإحراق ستة مركبات تعود لسكان محليين. وفي البلدة المجاورة، برقة، تعرّض مسجد النور لهجوم حارق بعد ذلك بقليل؛ أشعل المهاجمون إطارات ومواد قابلة للاشتعال عند الأبواب في محاولة لإحراق المبنى.
تزامنت هذه الاعتداءات مع تصاعد هجمات المستوطنين منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية المستمرة على غزة، التي أودت بحياة أكثر من 73 ألف شخص، بحسب أرقام تكررت في تقارير عديدة. وفي يوم الثلاثاء دانت حركة حماس المستوطنين غير القانونيين لإشعالهم النار في مسجد ببلدة جلجليا قرب رام الله.
غالباً ما يرافق المستوطنين قوات إسرائيلية أثناء اعتداءاتهم. ووفق بيانات الأمم المتحدة، قُتل حتى الآن هذا العام ما لا يقل عن 13 فلسطينياً في الضفة الغربية. كما أن وزراء أقصى اليمين الإسرائيلي، مثل يتامار بن غفير وبتسغل سموتريتش، دعموا علناً المستوطنين ودعوا إلى تهجير الفلسطينيين من الأراضي المحتلة.
«نحن صامدون هنا ولن نرحل»، قال المؤذن عادل معتن من مسجد برقة، وهو يتلو القرآن أثناء الاعتداء. «هذه أرضنا الموروثة عن الأجداد، وسنبقى فيها إلى يوم القيامة».
استهداف دور العبادة
هجمات الحرق الأخيرة على المساجد ليست حوادث معزولة، بل جزء من نمط موثق لاستهداف المواقع الدينية الفلسطينية، وفق مراقبين. وذكرت لجنة مقاومة الاستيطان والجدار أن القوات الإسرائيلية والمستوطنين نفذوا 22 هجوماً منفصلاً على مواقع دينية إسلامية خلال مايو 2026 وحده، كان معظمها في محافظة الخليل (14 هجوماً)، تلاها نابلس وجنين وأريحا ورام الله.
في شرق رام الله استُهدفت عشرات المساجد والمنازل بمواد قابلة للاشتعال وهجمات حارقة منسقة تهدف إلى دفع العائلات الفلسطينية عن أراضيها.
رغم حيازته للجنسية الأميركية، لم يمنح جواز سفر رشيد حماية من الاعتداءات. ووجّه مناشدة مباشرة إلى واشنطن يطالب فيها بحماية الفلسطينيين الأميركيين الذين يظلون عرضة لتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
قال منصور منصور، رئيس بلدية دير دبوان، إن المعتدين وزّعوا الأدوار بدقة: مجموعة استهدفت المسجد والرجل المسن، وأخرى هاجمت منازل مجاورة، وثالثة أحرقت ستة مركبات ومحاصيل زراعية قبل الانسحاب.
منزل الحلم تحول سجناً
في شمال الضفة، في قرية بيت امرين قرب نابلس، تحوّل منزل صادق فقيه الحلم إلى قلعة محصنة. فقيه، تاجر أقمشة وأثاث (41 عاماً)، بنى منزله عام 2020 في منطقة مرتفعة «جميلة وبهاء هواء نقي»، لكنه صار منذ إقامة بؤرة استيطانية قريبة «جحيماً» يهدّد الأمن.
في ليلة 21 أبريل 2026 اقتحم مستوطنون ممتلكاته، حطّموا أبواب الزجاج وحاولوا اقتحام البيت الرئيسي قبل تدخل السكان المحليين وطردهم. وصلت قوات الاحتلال بعد عشرين دقيقة واطّلعت على تسجيلات المراقبة التي أظهرت وجوه مهاجمين غير ملثمين عائدين إلى البؤرة، ومع ذلك أغلق الملف لاحقاً ضد «مجهولين»، بحسب فقيه.
يحظى المستوطنون الذين يرتكبون جرائم ضد الفلسطينيين عادة بالإفلات من العقاب، إذ نادراً ما تحاسبهم السلطات الإسرائيلية. وفي مثال سابق أطلق قاضٍ إسرائيلي سراح مستوطن متهم بقتل الناشط الفلسطيني عوضى حثالين في 2025.
اضطر فقيه إلى إحاطة منزله بأسلاك شائكة ثقيلة وحواجز معدنية لحماية عائلته. «أصبح سجناً حقيقياً»، قال، وأضاف رغم «الرعب» «لن نغادر بيوتنا تحت أي ظرف».
أكثر من 117 قرية ومجتمعاً في الضفة تعرضت للتهجير الكامل أو الجزئي بسبب هجمات المستوطنين، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).
كانت زوجة فقيه، عبير، في الأسبوع 36 من الحمل عندما اقتحم المستوطنون ساحة منزلهم. «لم أكن أعلم ماذا أفعل أو ما الذي سيحدث لنا»، روت. «كسروا الزجاج وأرادوا الدخول. من الخوف ركضت ونزلت الدرج وزلقت».
انفجرت مياه الولادة وسط الفوضى، فأجرى الأطباء ولادة مبكرة. وُلد الطفل صالح بعد ساعات من الاعتداء في 22 أبريل. لا يزال الطفل في وحدة العناية المركزة بمستشفى Hclinic التخصصي في رام الله، ويواجه مضاعفات نتيجة الولادة المبكرة. يعاني من عدوى بكتيرية من نوع الزائفة الزنجارية (Pseudomonas) ومشكلات رئوية تفاقمت بسبب الاعتماد على جهاز التنفّس الاصطناعي. «كلما حاولوا نزع أنبوب التنفّس، بدا صدره وكأنه يصارع»، قالت عبير للجزيرة.
الطفل صالح، الذي وُلد مُبكِّراً بعدما انزلقت والدته وبدأت الولادة أثناء هجوم للمستوطنين، لا يزال يقاتل من أجل حياته في وحدة العناية المركزة في رامالله.
تصاعد منهجي في العنف
تعكس المآسي التي أصابت عائلتي رشيد والفقه موجة أوسع ومنهجية من العنف في الأرض المحتلة، بحسب دعاة حقوق الإنسان والمراقبين. تشير بيانات لجنة مقاومة الجدار والاستيطان إلى توثيق 1659 اعتداءً نفذتها قوات إسرائيلية ومستوطِنون ضد فلسطينيين وممتلكاتهم خلال شهر أيار وحده هذا العام، نفّذ المستوطنون حصرياً 551 من هذه الاعتداءات، وكانت المحافظة على تركيز شديد في محافظات الخليل ورام الله والبيرة ونابلس.
استهدفت الاعتداءات شرايين الحياة الاقتصادية ومنازل التجمعات الفلسطينية: رصدت السلطات خلال أيار 436 هجوماً على ممتلكات فلسطينية، بينها 215 حادثة تخريب وهدم محددة. كما تضررت الأراضي الزراعية بشدة عبر 124 هجوماً منفصلاً أدّت إلى إحراق أو اقتلاع أو تخريب 7,222 شجرة، من بينها 3,317 شجرة زيتون. وفي حادث واحد يوم 8 أيار، أضرم مستوطنون النار في منزل فلسطيني بقرية اللبن الشرقية جنوب نابلس.
تحولت المواقع الدينية أيضاً إلى بؤر لعمليات الحرق والتحريض؛ ففي 15 أيار هاجم مستوطنون قرية جيبيا شمال غرب رام الله، وأحرقوا مسجداً محلياً ومركبتين وعبّروا عن عنصريتهم برشّ كتابات على جدران منازل المواطنين. وتؤكد منظمات حقوقية أن عنف المستوطنين الشعبي هذا يعمل بالتوازي مع سياسات رسمية للدولة؛ ففي الشهر نفسه نفّذت السلطات الإسرائيلية 70 عملية هدم أدّت إلى تدمير 155 منشأة فلسطينية بالكامل في الضفة الغربية والقدس المحتلّة.
ووثّقت اللجنة إنشاء المستوطنين لما لا يقل عن 165 بؤرة استيطانية جديدة منذ بداية الحرب على غزة في أكتوبر 2023، منها 89 بؤرة بُنيت خلال عام 2025 وحده.
ارتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس المحتلة من نحو 250,000 نسمة في تسعينيات القرن الماضي إلى أكثر من 750,000 الآن. وتشكّل المستوطنات أكبر عائق أمام إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة ضمن ما يُعرف بحلّ الدولتين.
قالت منظمة العفو الدولية الأسبوع الماضي إن تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية المحتلة يندرج ضمن استراتيجية حكومية إسرائيلية متعمّدة للتطهير العرقي، وليس مجرد أفعال يقوم بها «مستوطِنون خارجون عن القانون» أو وزراء من اليمين المتطرّف.
يُذكر أن إسرائيل استحوذت يوم الثلاثاء على صلاحيات التخطيط والبناء التي تشمل مصلى الإبراهيمي في الضفة الغربية من السلطات الفلسطينية، في خطوة أثارت قلقاً واسعاً بشأن مستقبل المواقع الدينية والوجود السكّاني الفلسطيني في المنطقة تحت سياسات احتلالية متصاعدة.