الفرار من دارفور أمهات يواجهن المجاعة تحت ظلال الأشجار في تشاد — الصراع

دارفور، السودان — تحت شجرة وحيدة في مخيّم إيرديمي للنازحين بشرق تشاد، تجلس ثريا مختار (45 عاماً) بهدوء، تحاول جمع شتات حياة كانت آمنة قبل أن تمزقها الحرب من جذورها.

قبل أسبوع فقط، أجبرتها هدير الانفجارات وإطلاق النار المتواصل على الفرار من منزلها في منطقة أورشي بغرب السودان. تركت وراءها عمراً من العمل والأحلام، وعبرت الحدود حاملةً هوية اللاجئة الوحيدة التي لا تفارقها.

«رحلت دون أن أدرك أني لن أعود. حملت أولادي وركضنا، والنيران خلفنا والرصاص فوق رؤوسنا»، تقول ثريا للصحفيين بصوت ثابت لكنه مثقل بالإعياء. «لم نأكل منذ يومين، وأولادي يبكون من الجوع. لا أعرف كيف سأطعمهم غداً أو أين سنبيت الليلة.»

ثريا ليست سوى إحدى آلاف النساء اللواتي يرزحن تحت ثقل النزوح القسري. في عيونهن قصة لا تنتهي من الخوف والجوع والتائه. وبصمتٍ يفتشن عن قطرة ماء واحدة للأطفال الذين يسألونهن كل يوم: متى سنعود إلى بيوتنا؟

خيط من الرماد

الدمار الذي دفع بثريا إلى الصحراء التشادية بدأ في 15 يونيو، عندما شنت قوات الدعم السريع هجوماً واسعاً على منطقة أورشي في محلية أم بارو بشمال دارفور. راكبان على الخيل والإبل، ومدعومون بمركبات مدرعة ثقيلة التسليح، ترك المهاجمون وراءهم درباً من الخراب المطلق. أُحرقت عشر قرى بالكامل، ونهب السوق المحلي وأُبيدت أعداد طائلة من الماشية والممتلكات المدنية.

بعد أسبوع من تحوّل سماء أورشي إلى سحب دخان سوداء، لا تزال آلاف الأسر النازحة تقيم في العراء. بلا مساكن أو طعام أو أدوية، يبتّون على التراب القاسي. يتجمعون تحت أشجار لا توفر لهم سوى ظل ضعيف من لهيب الشمس نهاراً وبرودة الصحراء ليلًا. يحاول بعضهم إيواء أطفالهم بأغصان يابسة؛ وآخرون لا يجدون حتى ذلك.

يقرأ  طائرة مسيّرة تشعل حريقًا في منشأة نفطية بالإمارات بينما تتصاعد الهجمات في الخليج في ظل النزاع مع إيران — أخبار الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران

تناول الأوراق للبقاء

بينما يناقش الزعماء السياسيون تكتيكات القتال، ترسم معاناة المدنيين المختبئين في الوديان صورة بقاء مرعبة. المياه تمثل الأزمة الأشد إلحاحاً؛ فبعد تدمير خزان مياه أورشي عمداً، انقطع التزود بالميا عن القرى المحترقة تماماً.

«مشينا مسافات طويلة حتى وصلنا إلى بلدة تين التشادية. على الطريق أكلنا أوراق الشجر وشربنا ماء ملوث وجدناه في برك»، تقول حواء آدم (35 عاماً) أم من أورشي. «الطعام شبه مفقود. كل الإمدادات التي كانت لدينا سلبها عناصر الدعم السريع أو احترقت في بيوتنا.»

ولأم إبراهيم (40 عاماً) يزداد الألم برؤية عائلتها تذبل جوعاً. «غادرنا بيوتنا بلا طعام ولا دواء. الليل أصعب ما في الأمر، والأطفال يبكون من الجوع والفزع، أولادي لم يأكلوا منذ يومين. كان زوجي مزارعاً، لكن رزقنا احترق مع البيت.»

لا مكان للاختباء

الرعب لا ينتهي مع انسحاب القوات البرية. وفقاً لما رواه النازحون، ما تزال الأجواء مميتة. يقول آدم أبكر، أحد المدنيين النازحين حديثاً، إن الطيارات تحلّق بكثافة فوق منطقتهم وتستهدف مصادر المياه والماشية والمنازل المدنية بصورة منهجية.

«لا نستطيع العودة إلى قراينا. الطائرات تحلق فوق رؤوسنا كل يوم وتستهدف أي حركة، كما لو أنهم يريدون إخراجنا من آخر ملاذٍ نبحث عنه»، يصف أبكر شعور الاختناق بين مطرقة الهجمات البرية وسندان الاستهداف الجوي.

المد والجزر الكبير لللاجئين أغرق شبكات الإغاثة المحلية. وذكر مصطفى براّه، رئيس لجنة ضحايا إبادة دارفور، أن المخيمات بشرق تشاد تستقبل نحو 80 أسرة نازحة يومياً. «يصلون منهكين، بلا طعام أو ماء، وبعضهم يحمل مرضاه على الأكتاف.»

وأفاد محمد صافي، المسؤول الإعلامي بغرفة الطوارئ في تين، أن الموارد شبه منعدمة. «خلال اليومين الماضيين تلقينا أكثر من 7,000 أسرة نازحة»، قال. «جميعهم بحاجة ماسة إلى خيم وبطانيات وغذاء ومياه شرب آمنة. الوضع يتطلب تدخلاً فورياً.»

يقرأ  بريطانيا تؤيد دعوة مشتركة تطالب إسرائيل بالسماح لوسائل الإعلام الأجنبية بدخول غزة

«تغيير ديموغرافي ممنهج»

يرى مسؤولون سودانيون أن ما جرى في أورشي ليس عملاً عشوائياً للحرب بل استراتيجية جيوسياسية محسوبة. وقال صلاح رساس آدم تور، عضو المجلس السيادي السوداني، إن العمليات العسكرية الجارية تستهدف «كسر عظام» الدعم السريع. وأضاف أن استهداف ونزوح المدنيين ليس خطأ تكتيكياً بل سياسة ممنهجة تتبعها قوات الدعم السريع لتغيير التركيبة السكانية في المنطقة، محذراً من أن الدعوات لتقسيم البلاد أوهام تهدف إلى زعزعة استقرار السودان.

دعا تور المجتمع الدولي إلى التدخّل ووقف «التهجير القسري». ولم ترد قوات الدعم السريع على طلبات التعليق بشأن تهم إحراق القرى وتهيئة التهجير القسري حتى وقت النشر.

مجاعة مهملة

تتزامن الروايات المروعة من حدود تشاد والسودان مع تحذير دولي صارم. في 17 يونيو، أصدرت منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي تقريراً مشتركاً أعلن أن السودان يواجه أسوأ أزمة جوع في العالم، مع 19.5 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد ومخاطر مجاعة تهدد 14 منطقة في دارفور.

لكن بالنسبة لأمهات مثل ثريا وحواء، تتحول بيانات «التهجير الممنهج» الرسمية إلى واقع يومي قاتم لا يُحتمل. مع اتساع خارطة التهجير من تيني إلى كارنوي، ومن ام بارو إلى أورشي، تُركت آلاف الأسر تكافح من أجل البقاء تحت ظلال متناثرة من الأشجار.

وسط تحذيرات الأمم المتحدة من مجاعة وشيكة، ينتظر هؤلاء المدنين النازحون أن يتجسد تدخل دولي قبل أن تُحرق قرى أخرى وتُمحى عن وجه الأرض.

أضف تعليق