أعلنت باكستان الأسبوع الماضي أنها لن تلتزم بأحدث العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، وستواصل التجارة مع جارتها. ولم تمضِ أيام قليلة حتى أصدرت الصين بياناً مماثلاً.
العقوبات التي أعلنها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في 24 أغسطس/آب تحت مسمى “المنبوذ الاقتصادي” وُصفت بأنها “أقسى العقوبات في التاريخ”، وتهدف إلى “أكبر عزل اقتصادي منسق في تاريخ العالم”. وفي وقت سابق، وصفها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منشور على مواقع التواصل بأنها “يوم الإنزال الاقتصادي”، وتوعد بتداعيات اقتصادية هائلة لأي دولة تقدم لإيران “أي نوع من قنوات الإنقاذ”.
بعد ستة أشهر من القصف الأميركي والحصار البحري دون تحقيق أي نصر، صارت الخطة المعلنة هي تجويع إيران حتى الاستسلام. لكن هذا النهج غير قانوني وقاسٍ، وسيفشل لأسباب عدة.
أولاً، السجل التاريخي يؤكد أن العقوبات الاقتصادية لا تُسقط الحكومات العازمة على تجاوزها. صحيح أن العقوبات تُفقر الشعوب وتعزز نفوذ الأجهزة الأمنية التي تتحكم في التهريب، كما تمنح الدولة المستهدفة قضية تلتف حولها بسبب العداء الأميركي، لكنها لا تُسقط الحكومات.
ثم هناك الحساب البسيط في سوق النفط العالمية. يقترح بيسنت إخراج صادرات إيران النفطية من سوق خسرت أصلاً خُمس إمدادها بسبب إغلاق مضيق هرمز. وبهذا تعمّق أميركا صدمة الركود التضخمي التي يتحملها حلفاؤها في أوروبا واليابان، ثم تطلب منهم تنفيذ عقوبات تخنق اقتصاداتهم.
وقبل كل شيء، هذه الحملة موجهة ضد الصين، التي تشتري أكثر من 80% من صادرات النفط الإيراني. إذا فرضت أميركا عقوبات على بنك الصين أو البنك الصناعي والتجاري الصيني، فلن ترد بكين بمذكرة دبلوماسية باردة، بل ستقيد صادراتها من الأتربة النادرة؛ لأنها خاضت هذه التجربة مرة واحدة وانتصرت.
ففي أبريل/نيسان 2025، فرضت الصين تراخيص على تصدير الأتربة النادرة الثقيلة رداً على رسوم ترامب الجمركية. وخلال أسابيع، أوقفت شركات السيارات الأميركية والأوروبية خطوط تجميعها بسبب نقص مغناطيس الأتربة النادرة. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلنت الصين حزمة أوسع بكثير، فتراجعت واشنطن ووافقت على سحب قيودها الجديدة الموسعة على الشركات الصينية مقابل تعليق بكين إجراءاتها لمدة عام.
لم تُرفع إجراءات أبريل حتى اليوم، وتنتهي فترة تعليق إجراءات أكتوبر في نوفمبر/تشرين الثاني. لذلك اختار بيسنت هذه اللحظة، قبل أكثر من شهرين بقليل من عودة نظام الأتربة النادرة الصيني الموسع، وقبل أسابيع من زيارة مرتقبة للزعيم الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن، ليبلغ بكين أنها إما مع أميركا أو ضدها. إنه فخ من صنع أميركا لنفسها.
لقد أوضحت بكين موقفها. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية لين جيان للصحفيين: “أوضحت الصين في مناسبات عديدة معارضتها الشديدة للعقوبات الأحادية غير المشروعة التي لا أساس لها في القانون الدولي أو تفويض مجلس الأمن الدولي. الحرب الاقتصادية والضغط الأقصى لا يقدمان حلاً”.
وليس رأي الحكومة الصينية وحدها أن العقوبات الأميركية غير مشروعة. فالمادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة تحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية لأي دولة أو استقلالها السياسي. ونبذ أميركا لميثاق الأمم المتحدة يتجاوز بكثير ملف إيران.
من بين 193 دولة عضو في الأمم المتحدة، أصبحت أميركا اليوم أقل دول العالم التزاماً بالتعددية القائمة على الأمم المتحدة. ففي يناير/كانون الثاني 2026 انسحبت واشنطن من أكثر من 60 منظمة دولية، وفي 2025 صوّتت مع الأغلبية الدولية في 5% فقط من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة المسجلة.
عند هذه النقطة، ينبغي لكل حكومة أن تستخلص ثلاثة استنتاجات: أولاً، أن أميركا نبذت ميثاق الأمم المتحدة. ثانياً، أن الضمانات الأمنية الأميركية غير موثوقة. ثالثاً، أن الاعتماد على التجارة بالدولار يجعل الدول عرضة للعقوبات الأميركية.
في أنحاء العالم، تتجه الدول إلى ترتيبات دفاعية جديدة، مثل اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان. وهي أيضاً، كما هو متوقع، تبتعد عن التسويات بالدولار الأميركي وتقلّص حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية في احتياطياتها الأجنبية. وتتجه أيضاً إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مفتوحة الأوزان لتلبية احتياجاتها في هذا المجال، بدلاً من دفع ثمن النماذج الأميركية الاحتكارية.
رواية ثوسيديديس القديمة عن الحرب البيلوبونيسية تُقرأ اليوم كمرآة للتنافس بين أميركا والصين. وأشهر عبارة فيها هي التهكم الذي وجهه جنرالات أثينا إلى أهل ميلوس عام 416 قبل الميلاد: “الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يعانون ما يُفرض عليهم”. لكن بعد اثنتي عشرة سنة فقط من هذا التهكم، كانت أثينا هي التي هزمتها إسبرطة.
والولايات المتحدة اليوم تستهزئ بإيران ودول أخرى بالنبرة نفسها. الغرور يسبق السقوط، ولا توجد حكومة اليوم أكثر غروراً من أميركا في عهد ترامب ومنفّذ سياساته بيسنت.
لن تتبع حكومات العالم أميركا بشكل أعمى نحو الكارثة.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبه ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة.