النكبة أصوات يهودية تتحدى الروايات التي ترويها إسرائيل عن نفسها

لندن — تُطفأ الأضواء ببطء داخل صالة عرض بشارع سوهو الصاخب، لكن لا يهرع أحد نحو المخرج. عند نهاية العرض، تخفض امرأة وجهها إلى يديها، يجلس زوجان بلا حراك، وفي الصف الأمامي يتنفس أحدهم ويهمس: «حرروا فلسطين».

كان هذا العرض لفيلم «كوكب اسرائيل: حكاية تحذيرية» قبل يوم النكبة، الذكرى السنوية لنزوح أكثر من 750,000 فلسطيني وقتل آلاف أثناء قيام دولة إسرائيل عام 1948. الوثائقي يتتبع كيف شكّل الصدمة والقومية والعسكرة المجتمع الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر 2023 وخلال ما وصفه الفيلم بأنه إبادة جماعية في غزة؛ ويأتي في وقت تتصدع فيه قناعات سياسية قديمة حول إسرائيل، حتى بين مثقفين وفنانين وحاخامات ومؤرخين يهود وإسرائيليين. في الفيلم تظهر مقابلات مع مؤرخين وخبراء وإسرائيليين منurs العاديين.

تقول المخرجة جيليان موزلي، من منزلها في لندن قبل العرض بأيام: «وسائل الإعلام لم تتناول هذا الموضوع»، مضيفة أن اليهود البريطانيين يُصوّرون ككتلة واحدة، وهو ما تعتقد أنه يغذي معاداة السامية. وتؤكد استطلاعات معهد أبحاث السياسات اليهودية، المختص بوضع اليهود المعاصر في بريطانيا وأوروبا، ان الرأي داخل الجالية اليهودية البريطانية منقسم بشأن الحرب في غزة واتجاه السياسة الإسرائيلية: ٤٠٪ قالوا إن سلوك إسرائيل في القطاع أضعف تعلقهم بالبلد، وأكثر من ثلثهم قالوا إنهم لم يعودوا يعرّفون أنفسهم كصهاينة، وفقط ١٢٪ عبّروا عن تأييد لبنيامين نتنياهو.

تتجلى هذه التحولات في عالم النشر والحياة الدينية. صدرت كتب جديدة تناقش ما الذي انحرف في إسرائيل، مثل عمل عمر بارتوف «إسرائيل: ماذا حدث؟» وكتابات مولي كرابابل التي تعيد النظر في الصهيونية والشتات والهوية اليهودية بعد غزة. كذلك نشر «حركة اليهودية التقدمية» في بريطانيا، التي تمثل نحو ثلث الكنائس اليهودية في المملكة، كتاباً يرى أن نقد الحكومة الإسرائيلية «واجب يهودي». حذّر قادتها المشتركان، الحاخام تشارلي باغينسكي والحاخام جوش ليفي، من أن اتّجاه إسرائيل السياسي قد يصبح «غير متوافق مع القيم اليهودية».

المؤرخ آفي شلايم، الظاهر في الفيلم، تحدث عن شرخ بين إسرائيل والجاليات اليهودية في العالم: «عدد متزايد من اليهود، وليسوا مثقفين فحسب، يتحدون السرد الإسرائيلي لأن سلوك إسرائيل في غزة جعلها منبوذة ودولة مجرمة حرب»، قال شلايم لإلـجزيرة. وأضاف: «حجة الدفاع عن الذات لم تعد تمثل ستاراً يبرر الفظائع وفي الواقع الإبادة». وواصل أن «الوحشية الإسرائيلية في حرب غزة، والتطهير العرقي في الضفة، وتدمير جنوب لبنان خلقت أزمة بين إسرائيل واليهودية العالمية. المزيد من الجماعات اليهودية حول العالم خرجت بشكل علني ضد إسرائيل قائلة: ‘ليس باسمنا’».

يقرأ  فليك يدافع عن لامين يمال: المراهق «العاطفي» في مواجهة الانتقادات

موزلي، مخرجة بريطانية‑أمريكية يهودية كانت تؤمن بالصهيونية سابقاً، تقول إن فيلمها يبحث في كيفية تحوّل شعب تشكل عبر اضطهاد تاريخي إلى تمسّك بسرد دائم للضحية، وما يحدث عندما يُستخدم هذا السرد سياسياً كسلاح. «كوني يهودية، أعلم أن اليهود يُربّون على الشعور بالضحية»، تقول موزلي، «أعني، كنا ضحايا المحرقة — هذا جزء من ما حدث. لقد عارضت هذا طويلاً لأنني لا أعتبر أن العيش على أساس الضحية طريقة سليمة للوجود».

نشأت موزلي في عائلة تقترب جذورها من التاريخ اليهودي السفاردي الممتد في إسبانيا وهولندا وبريطانيا والولايات المتحدة، لعاها رجال دين وقادة مجتمعيون؛ وترعرعت على قصص المنفى والاضطهاد والهجرة — مع نظرة مؤيدة لإسرائيل. تغير منظورها بعد صداقتها مع فلسطيني في الجامعة؛ «بحلول الوقت الذي سمعت فيه عن النكبة، كنت قد بدأت في مسار مختلف»، تقول. معرفة تاريخ الفلسطينيين هزّت الافتراضات التي ورثتها وأثّرت لاحقاً على إنتاجها الفني.

قبل «كوكب اسرائيل» أخرجت موزلي وقدّمت أفلاماً مثل «صندوق الكبريت» (2022) الذي تناول انتهاكات إسرائيل في فلسطين، ولاحقاً «من النكبة إلى كامب ديفيد» (2026) لمشروع بريطانيا فلسطين، الذي يتتبع الصراع منذ نزوح 1948 وحتى العقود التالية. تضيف موزلي أن ما صوّره سابقاً بدا كافياً لها آنذاك، «لكن الأمور تدهورت. لا أصدق كيف فشلت وسائل الإعلام التقليدية في تقديم سياق وفهم عميق بعد 7 أكتوبر — كان ذلك صدمة حقيقية».

تصف موزلي البداية بأنها هبوط «ضباب أحمر من الخوف والكراهية» فوق معظم الإسرائيليين. في مقطع اقتبسته من أحد مقابلات الفيلم يقول مشارك إسرائيلي: «الشعور كان أننا بحاجة لقتلهم جميعاً». وترى موزلي أن المؤسسات الإسرائيلية قد «طَهَرت» تاريخ الدولة التكويني، مما أبعد أجيالاً عن مطالب الفلسطينيين بالأرض والهوية والدولة. كما يستعرض الوثائقي كيف تسللت أفكار «إسرائيل الكبرى» إلى الخطاب السياسي السائد، ويصف المقابلون منظومة تعليم تقلل أو تمحو خط الهدنة (الخط الأخضر) الفاصل بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.

يقرأ  المحكمة ترفض طلب رجل متهم باغتصاب من جنوب إفريقيا لوقف عرض فيلم عن حياته على نتفليكس

تقول موزلي إن ما أذهلها دراسات أكاديمية أظهرت مدى اختراق هذه الأيديولوجية لدوائر التعليم والجيش والإعلام في إسرائيل، وأضافت أنها لم تتوقع أن تتعرض الدين لمثل هذا المستوى من الاستغلال السياسي؛ لقد سُيّست اليهودية، كما تقول. تقارن بين تقاليد يهودية طويلة مبنية على العدالة وحماية الغريب، وبين قومية متشددة باتت بارزة في السياسة الإسرائيلية. «بالنسبة لي، رؤية ما يشبه تعطش للدماء لدى أمثال وزير الأمن القومي بن غفير ووزير المالية سموتريتش تبدو مستهجنة لأسلافي الذين حافظوا على اليهودية لأكثر من ١٢٠٠ عام».

يتفق شلايم في الختام: «القيم الجوهرية لليهودية هي الحقيقة والعدالة والسلام». تصف موسلي الحكومة الإسرائيلية الحالية بأنها عكس القيم اليهودية الجوهرية، وأن سياساتها تتناقض مع مبادئ الرحمة والإنسانية التي يفترض أن تقوم عليها هذه القيم.

أوضحت أن حرب غزة أحدثت تحوّلاً واضحاً في نظرة الناس إلى إسرائيل، إذ باتت تُرتبط لدى كثيرين بالوحشية والساديّة المعنوية. مع ذلك، لم تتغيّر – بصورة جوهرية – الطريقة التي تُرى بها النكبة؛ perception العامة تغيّرت أكثر تجاه الحاضر منها تجاه الماضي، كما قالت.

داخل قاعة السينما تختلط أصوات مغلقة ومزعجة: همهمة إلكترونية مشوّشة تشبه راديوً يعاني للعثور على إشارة، طائرات مُسيّرة، نبضات صوتية في لحظات القصف وشهادات الشهود. على الشاشة تقطع مشاهد متكسّرة ورسوم متحرّكة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تتابع المقابلات وتُفكك تسلسلها.

ووصفت موزلي تصميم الصوت بأنه يعمل بشكل غامض تحت الوعي: «هذا ليس لعبة حربية». المقصود أنه يسعى إلى زعزعة المشاعر وإحداث توتر دائم لدى المشاهدين، لا إلى محاكاة مشاهد قتالية تقليدية.

من بين الحاضرين كان الناجي من الهولوكوست ستيفن كابوس، البالغ من العمر 88 عاماً، الذي رأى أن العرض الصريح للهدم والدمار كان ضرورياً. قال لقناة الجزيرة: «لا يمكن أن نوفّر رسوماً توضيحية كافية لما يجري ولتأثيره على الناس والأطفال. من المهم أن نستمر في رؤية شمولية الدمار حتى لا ننسى أن الأمر لم ينتهِ بعد. الفلسطينيون يعيشون في ظروف مستحيلة».

يقرأ  بنغلاديش تُشَدِّدُ الإجراءاتِ الأمنيةِ معَ إقامتها أولَ انتخاباتٍ لها منذ انتفاضةِ ٢٠٢٤أخبارُ انتخاباتِ بنغلاديش ٢٠٢٦

كان كابوس في السابعة من عمره أثناء الهولوكوست. وأضاف: «لا أنسى ما حلّ بأصدقائي؛ هذا لا يبرّر ولا يفسّر، ناهيك عن أن يكون تبريراً أو مبرراً لما يحدث الآن في غزة».

بينما يركّز فيلم Planet Israel على نفسية الإسرائيليين وجرح الذاكرة اليهودي، يعود الفيلم أيضاً إلى عواقب هذه السرديات على الفلسطينيين: احتلال، تهجير، حصار، وعنف عسكري متواصل. ومع ذلك تحرص موزلي على ألا تُقدّم نفسها كمتحدّثة باسم الفلسطينيين. تقول: «حرصت أن أبتعد عن تناول الصدمة الفلسطينية لأنني لست فلسطينية. لا أشعر أنني الشخص المناسب للحديث عن ذلك؛ من الواضح أن الصدمة هائلة».

بعد العرض، بينما يتبدّد الحضور في ليل لندن، يبقى بعضهم في الردهة لمواصلة النقاش — بين تاريخ ودعاية، بين صدمة ووطنية وفشل إعلامي. يتساءل أحد المشاهدين بهدوء عما إذا كانت مثل هذه الأفلام ما تزال تهمّ بينما تستمر القنابل في السقوط.

الان، تأمل موزلي أن تكون لها سعة أثر. تقول: «السياسيون أبطأ كثيراً في التخلّي عن مواقف كانت تشكّل إجماعاً للرأي العام. لكن حرب غزة غيّرت ذلك الإجماع بشكل دراماتيكي، هنا وفي أمريكا. السياسيون لم يلحقوا بذلك بعد».

ثم تتوقف للحظة وتطرح السؤال الذي يختزل كل شيء: «هل هذا العالم الذي نود أن نعيش فيه؟ وإذا لم يكن كذلك، فماذا سنفعل حياله؟»

أضف تعليق