الأسبوع الماضي، شنّت إسرائيل اعتداءً جديدًا على الأراضي السورية، حيث قصفت موقعًا قرب بلدة بيت جن في ريف دمشق الغربي، واقتحم جنودها قرية في محافظة القنيطرة.
وجاء هذا الهجوم بعد أيام قليلة من غارات إسرائيلية على قاعدة أبو الظهور العسكرية في شمال سوريا أوقعت أضرارًا كبيرة. وقالت إسرائيل إنها استهدفت القاعدة لمنع احتمال نشر قوات تركية فيها، لكن دمشق وأنقرة نفتا هذه المزاعم. واستمرت الهجمات رغم محاولات سوريا تهدئة الوضع دبلوماسيًا ورغم انتقادات واشنطن للغارة على أبو الظهور.
حكومة أحمد الشرع تواصل التمسك بموقفها دون مواجهة مباشرة، إذ تؤكد ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية المحتلة، وتبقى حرّة في إعادة بناء جيشها والتعاون مع شركاء تختارهم.
هذا المشهد لا يدل فقط على ضعف عسكري سوري، بل يوحي بأن القيادة السورية الجديدة تراهن على أن استعادة السيادة تمرّ أولًا بإعادة بناء الدولة وقدراتها. لكن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر: فإسرائيل قد تستمر في التعدي على السيادة السورية مستفيدة من ضبط النفس السوري، وقد تفقد الحكومة السورية مع الوقت ثقة السوريين والرأي العام العربي الذي ينظر إلى إسرائيل بوصفها تهديدًا بأغلبية واسعة.
الضعف السوري حقيقي. ففي أواخر 2024، بعد انهيار جيش بشار الأسد، ضربت إسرائيل أهدافًا عسكرية استراتيجية في أنحاء البلاد. ثم كان على الحكومة الجديدة أن تبني منظومة أمن وطني من مؤسسات مفككة وفصائل مسلحة متفرقة.
وفي الوقت الراهن، يصعب تخيّل ردّ عسكري سوري قادر على تغيير سلوك إسرائيل.
بدلًا من ذلك، وضع الشرع التعافي الاقتصادي والاعتراف الدولي في مقدمة أولوياته. تركّز حكومته على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلة القطاع الأمني، وتأمين التيار الكهربائي والطاقة، وتحسين العلاقات الخارجية، وإعادة ربط سوريا بالاقتصاد الدولي. غير أن إعادة بناء سوريا تحدٍّ ضخم.
يقدّر البنك الدولي تكلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار. والدولة التي تواجه احتياجات بهذا الحجم لا يمكنها استعادة سلطتها عبر المؤسسات العسكرية وحدها؛ بل تحتاج إلى إيرادات وكهرباء وإدارة عاملة ونظام مصرفي واستثمار وعلاقات خارجية.
حقق الشرع تقدمًا ملحوظًا على الصعيد الدولي. فقد خففت واشنطن العقوبات الواسعة على سوريا في 2025، ورفع الاتحاد الأوروبي عقوباته الاقتصادية مع بقاء إجراءات محددة مرتبطة بالأمن. وفي 24 أغسطس/آب، شطبت واشنطن سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما أزال عقبة رئيسية أخرى أمام التطبيع المالي والاستثمار.
بالنسبة إلى دمشق، هذه الخطوات توسّع الموارد المتاحة للحكم، وليست مجرد مكسب اقتصادي ناتج عن تجنّب الحرب.
هذا يجعل الخلاف مع إسرائيل أكثر تأثيرًا. إذ أصبحت استراتيجية إعادة الإعمار تعتمد بشكل كبير على الانفتاح الدولي نفسه الذي حُرمت منه سوريا طوال سنوات العزلة. وأي تصعيد عسكري كبير مع إسرائيل قد يضعف ثقة المستثمرين، ويعقّد عودة سوريا إلى النظام المصرفي الدولي، ويقوّض الدعم الدبلوماسي الذي يحتاجه التعافي.
كذلك قد يعرّض هذا التصعيد دمشق لضغوط سياسية أميركية وأوروبية جديدة، حتى لو لم يؤدِ ذلك تلقائيًا إلى إعادة فرض عقوبات واسعة.
لذلك تتضاعف المعضلة: ضبط النفس يساعد دمشق على الحفاظ على البيئة الدولية اللازمة لإعادة بناء الدولة، لكنه في الوقت نفسه يمنح إسرائيل مساحة لتقييد القدرة العسكرية والاستراتيجية التي تسعى سوريا إلى إعادة بنائها.
لإسرائيل مخاوف أمنية من الحكومة السورية الجديدة التي خرج قادتها من حركة إسلامية مسلحة، كما أنها تشعر بقلق متزايد من العلاقة العسكرية التركية مع دمشق. لكن المطالب الإسرائيلية تجاوزت مجرد منع القوات المعادية من الاقتراب من حدودها.
فقد دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تجريد محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء من السلاح. كما عارضت حكومته نشر قوات من الجيش السوري الجديد جنوب دمشق، وسعت إلى تقييد نطاق التعاون العسكري السوري التركي.
من الواضح أن إسرائيل تريد الحدّ من إعادة بناء القدرة العسكرية السورية، وتبرر ذلك بوصفه وقاية أمنية. أما دمشق فتنظر إلى المسألة بوصفها سيادة: فالدولة التي لا تستطيع أن تقرر أين ينتشر جيشها أو مع من يتدرب لم تستعد استقلالها الاستراتيجي الكامل.
هذا أحد المخاطر الجوهرية في استراتيجية الشرع. فسوريا تتجنب مواجهة لا تستطيع كسبها، جزئيًا من أجل إعادة بناء قدرات الدولة، بينما تتحول تلك القدرات نفسها بشكل متزايد إلى هدف للضغط الإسرائيلي.
ولضبط النفس حدود. فسوريا تحظى بتأييد دول عربية أخرى، كما أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي دعما إعادة بناء دولة سورية فاعلة ضمن مقاربتهما للاستقرار الإقليمي. وكررت دمشق أيضًا مرارًا اهتمامها بالتوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل.
لكن كل ذلك لم يوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.
أما الخطر الآخر فيتعلق بالرأي العام السوري. فإذا ظهرت الحكومة غير قادرة على الرد على الهجمات الإسرائيلية لفترة طويلة، فقد يتآكل موقف الشرع العام وشرعية حكومته.
أظهر استطلاع واسع أجراه المركز العربي بواشنطن في 2025 أن 74 بالمئة من السوريين يعارضون الاعتراف بإسرائيل، و70 بالمئة يرفضون أي اتفاق لا يشمل عودة الجولان، و88 بالمئة يعتقدون أن إسرائيل تهدد أمن سوريا واستقرارها. وفي الوقت نفسه، قال 61 بالمئة إن السياسة الخارجية للحكومة الحالية تعكس رأي الشعب السوري.
هذه النتائج مهمة لأنها تعقّد الصورة. الاستطلاع سبق المواجهات الأخيرة، ولا يخبرنا ما إذا كان السوريون يؤيدون الرد العسكري. لكنه يرسم خطوطًا حمراء سياسية، لا طلبًا شعبيًا بالحرب.
وتذهب استطلاعات عربية أوسع في الاتجاه نفسه. ففي الدول المشمولة بمؤشر الرأي العربي 2025، بقي رفض الاعتراف بإسرائيل واسعًا جدًا.
مع ذلك، كانت سوريا في عهد الأسدين تتجنب عمومًا المواجهة مع إسرائيل مع احتفاظها بسمعة الانتماء إلى معسكر “الممانعة” الإقليمي. كان النموذج القديم يجمع بين تجنب الحرب المباشرة وتحالفات وشبكات مسلحة تمنح دمشق نفوذًا إقليميًا.
حكومة الشرع تبدو راهنة على خيار مختلف، يعتمد على مؤسسات متماسكة وتعافٍ اقتصادي وانفتاح دولي وجيش وطني مُعاد بناؤه.
هذا لا يعني التخلي عن السيادة، بل هو محاولة لإعادة بناء الوسائل التي تمكّن من ممارستها.
وسيصبح هذا الرهان أصعب دفاعًا عنه داخليًا وخارجيًا إذا لم تمنح قدرات الدولة المستعادة سوريا في النهاية سيطرة أكبر على أراضيها وخياراتها الأمنية وعلاقاتها الخارجية.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة.