في خطابه أمام الأمم المتحدة يوم الخميس، دافع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن الإبادة الجماعية التي ترتكبها بلاده في غزة، وعن هجماتها المتكررة على جيرانها. وقبل أن يبدأ كلامه، انسحب مندوبون من عشرات الدول من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مشهد يبرز عزلة إسرائيل المتزايدة عن العالم.
لكنه كان يخاطب جمهوره الداخلي، قبل شهر من انتخابات برلمانية حاسمة قد تخرجه من السلطة. وقد قال ما يريد كثير من الإسرائيليين، الغاضبين من الانتقادات الموجهة إلى بلدهم، سماعه.
وفي ما يتعلق بغزة، زعم نتنياهو أن إسرائيل نفذت «عكس الإبادة الجماعية»، رغم مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني، وتدمير مساحات واسعة من القطاع، وتصريحات سياسيين إسرائيليين يدعون إلى قتل جماعي للفلسطينيين وتهجير سكانه. وفي الضفة الغربية، رفض اتهامات دول غربية بأن الاحتلال الإسرائيلي غير شرعي، وذهب إلى الحديث عن أراضٍ استعمارية كانت تاريخيا تحت سيطرة بريطانيا وفرنسا.
ورغم الانتقادات العلنية، ادعى نتنياهو أن كثيرا من القادة الذين انسحب مندوبوهم من قاعة خطابه شكروه سرا على «تفكيك نووي إيران». وبدل أن يعترف بأن أفعال إسرائيل هي التي حولت الرأي العام العالمي ضدها، سارع إلى إلقاء اللوم على الآخرين. فوصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي ينتقد إسرائيل بشدة، بأنه «طاغية»، واتهم قطر، التي حاولت الوساطة خلال حرب إسرائيل على غزة، بأنها تمول «منصات إعلامية سامة مثل الجزيرة». وقد هاجمت إسرائيل العاصمة القطرية الدوحة في سبتمبر 2025، قبل أن يضطرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الاعتذار.
ولم يسلم حتى عمدة المدينة المضيفة من الهجوم، إذ وصف نتنياهو عمدة نيويورك زهران ممداني بمعاداة السامية، وزعم أن اليهود يتعرضون لـ«تشويه» في نيويورك، رغم العدد الكبير من الجماعات اليهودية التي تظاهرت ضد وجوده خارج مبنى الأمم المتحدة.
ردود الفعل
رد حماد المفتاح، نائب رئيس البعثة القطرية في واشنطن، على مزاعم نتنياهو، مشيرا إلى الانسحاب من القاعة، ومبرزا دور بلاده كوسيط إقليمي. وقال: «في لحظة من الاضطراب السياسي الإقليمي والداخلي العميق، فإن مهاجمة إحدى الدول التي تقوم بالعمل الصعب للوساطة لا تحل المشكلة».
كما رفضت تركيا وممداني اتهامات نتنياهو بقوة. ووصف بورحان الدين دوران، مدير الاتصالات في الرئاسة التركية، تصريحات نتنياهو بأنها لا أساس لها. ورأى أنها لن تصرف الانتباه عن هجمات إسرائيل المستمرة في غزة، حيث تواصل قتل الفلسطينيين في تحدٍ لما يسمى «وقف إطلاق النار»، ولا عن إجراءات المحكمة الجنائية الدولية ضد نتنياهو.
وأشار ممداني بدوره إلى مذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو بسبب جرائم الحرب التي يقال إنه أشرف عليها في غزة، وإلى «الأكاذيب التي لا أساس لها» التي تهدف إلى «تجميل إبادته للفلسطينيين».
وقال أهرون بريجمان، محلل أمني إسرائيلي وأستاذ أول في كينغز كوليدج لندن: «كان خطاب نتنياهو يهدف إلى تعزيز حملته الانتخابية في الداخل. وقد أحبه مؤيدوه. أما الذين لا يدعمونه فقد رأوا فيه نتنياهو الكلاسيكي: خطيب بارع لكن كاذب مزمن».
وتابع: «كان خطابه مليئا بالأكاذيب. لقد قلل من عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وقال إن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا بسببه قليل، بينما قُتل هناك أكثر من 80 فلسطينيا هذا العام على أيدي القوات الإسرائيلية والمستوطنين». وأضاف: «لقد أدار العالم ظهره له ولإسرائيل. إنه سام، وقد حولت إسرائيل نفسها إلى دولة منبوذة».
نجاح داخلي
لكن بينما كان نتنياهو يواجه عزلة دولية متزايدة، التف حلفاؤه في الحكومة الإسرائيلية وبعض وسائل الإعلام حول ما صوروه على أنه نبرة متحدية في خطابه. وأشاد زفيكا كلاين، محرر صحيفة جيروزاليم بوست اليمينية المؤثرة، بأداء نتنياهو ودفاعه عن إسرائيل. كما سارع كتاب آخرون في الإعلام الإسرائيلي إلى تشبيه تحذيرات نتنياهو للغرب بتحذيرات أب صارم يخاطب ابنا عاقا.
وقال ميتشل باراك، خبير استطلاعات إسرائيلي ومساعد سابق لنتنياهو في التسعينيات: «قدم أداءً رائعا». ورأى أن الخطاب صُمم ليترك لدى المندوبين الذين بقوا انطباعا بأن حروب إسرائيل منذ 2023 لم تُشن فقط لمصلحتها، بل أيضا بالنيابة عن حلفائها والمجتمع الدولي الأوسع. وزعم: «لا يمكن لأي مشاهد في إسرائيل أن يتخيل أي من منافسي نتنياهو الانتخابيين في أكتوبر يفعل ذلك. من المستحيل تخيل ذلك. لم يكن أي منهم قادرا على فرض هذا القدر من الاحترام».
لا مستقبل
ومع أن خطاب نتنياهو قد طمأن جزءا كبيرا من قاعدته الانتخابية، لم يرد فيه أي تلميح إلى أين يمكن أن تنتهي حروب إسرائيل المتعددة والإبادة الجماعية. لقد تفاخر بأن إسرائيل قاتلت على سبع جبهات خلال ثلاث سنوات. فمع قيادتها لإبادة جماعية في غزة، حاربت إسرائيل أيضا حزب الله، والحوثيين في اليمن، وإيران، وميليشيات في العراق وسوريا، والفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة. وكل هؤلاء، كما زعم، «تكاتفوا» لمحو إسرائيل «من على وجه الأرض».
وفي ختام خطابه، خاطب المندوبين المتبقين ككتلة واحدة، مؤكدا: «على مر القرون، فشلت الأنظمة الطاغية التي حاولت تدميرنا مرارا وتكرارا. وإن شاء الله، ستستمر في الفشل. إذا جمعنا شجاعتنا، وإذا شددنا عزيمتنا، فسنستمر في الانتصار».
وقال يوسي ميكلبرغ، زميل استشاري بارز في تشاتام هاوس، إن ذلك لم يكن سوى تكرار لخطاب «إسبرطة» الذي ألقاه نتنياهو، في إشارة إلى تشبيهه إسرائيل في سبتمبر 2025 بمدينة دولة قديمة ومحاصرة باستمرار. وأضاف: «كل ما استطاع تقديمه هو إشارات متكررة إلى بطولته السابقة ونجاحه العسكري وضرورة مواصلة القتال». قال ميكلبرغ: “هذا أمر يجب أن يقلق كل إسرائيلي يتابع ما يحدث”.
“إلى أين ينتهي هذا؟ لا توجد إجابة، ولا توجد حتى مفردات لوصف ذلك. وعندما لا يملك قادة إسرائيل حلًا لحروب البلاد المتعددة، فحينها يجب أن يقلق كل إسرائيلي”.