قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن البحرية الأمريكية أزالت أو فجّرت جميع الألغام البحرية في مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي في الخليج الذي أغلقته إيران فعلياً بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما الأولى على البلاد قبل نحو ستة أشهر.
وأعلن ترامب في منشور على منصته "تروث سوشيال" يوم الثلاثاء: "لقد أُبلغت إيران بأن أي سفينة أو قارب يضع ألغاماً جديدة سيتم تدميره فوراً وبشكل منهجي".
لكن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي قال يوم الأربعاء إن المضيق ما زال مغلقاً، رغم الاتفاق المؤقت مع عُمان بشأن ممر عبور، ورفض ادعاء ترامب بأن جميع الألغام تم تطهيرها. وأضاف: "لا أحد يعرف مواقع هذه الألغام سوى إيران"، واصفاً تصريحات ترامب بأنها "تهدف فقط إلى تهدئة الأسواق"، ومحذراً من أن السفن الأمريكية لكشف الألغام التي تدخل المنطقة ستصبح "أهدافاً جيدة جداً".
وفي غضون ذلك، وبالإضافة إلى الاتفاق على مسار عبور جديد للسفن عبر المضيق، اتفقت إيران وعُمان على تنفيذ مشروع مشترك لإزالة الألغام من المضيق، وفق بيان صدر عن البلدين هذا الأسبوع.
وقبل اندلاع الحرب، كان نحو 130 سفينة تعبر المضيق يومياً، حاملةً حوالي خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي من منتجي الخليج.
ويرى محللون أن التقييم الأمريكي القائل إن الألغام أُزيلت من الممرات الملاحية الرئيسية يبدو موثوقاً على الأرجح. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن هرمز خالٍ تماماً من الألغام، أو أن حركة الملاحة التجارية يمكنها العودة بأمان إلى مستويات ما قبل الحرب.
فقد تبقى أعداد صغيرة من الألغام "المنجرفة" أو غير المحددة المواقع خارج الممرات الملاحية الخاضعة لمراقبة مكثفة، كما أن إيران ما زالت قادرة على زرع المزيد. ويشير خبراء أيضاً إلى أن الألغام ليست سوى جانب واحد من التهديدات التي تواجه السفن التي تحتاج إلى عبور المضيق. ومع غياب اتفاق لوقف إطلاق النار، وإعلان الولايات المتحدة ما وصفته بـ"الإنزال الاقتصادي" من عقوبات ضد إيران، تبقى احتمالات تجدد الحرب المفتوحة قائمة.
هذا الغموض يكلف ثمناً باهظاً. فوفق تقرير نشرته "إس آند بي غلوبال" في يوليو/تموز، ارتفعت تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن التي تعبر الممر المائي منذ بداية الحرب من ما بين 1 و3 بالمئة من قيمة هيكل السفينة إلى ما بين 7.5 و10 بالمئة من قيمة الهيكل.
ويقول خبراء إن أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب ستظل مرتفعة على الأرجح، مما يجعل العديد من شركات الشحن مترددة في استئناف العبور عبر مضيق هرمز.
ألغام رخيصة وتكلفة باهظة
بعد أسابيع من اندلاع الحرب في أواخر فبراير/شباط، قال مجلس الدفاع الوطني الإيراني إن أي محاولة من "العدو" لاستهداف السواحل أو الجزر الإيرانية ستؤدي إلى زرع ألغام في مضيق هرمز.
وظل الأمر لبعض الوقت غير واضح فيما إذا كانت طهران تخادع أم لا. لكن سرعان ما ظهرت أدلة على نشر ألغام، رغم أن إيران لم تؤكد ذلك بشكل قاطع.
وفي 30 مايو/أيار، حذّر مركز الأمن البحري العماني مشغلي السفن من توخي الحذر بعد رصد "جسم يشتبه في أنه لغم طافٍ" قرب الجانب العماني من المضيق.
وبعد ثلاثة أيام، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ إن إيران "زرعت ألغاماً في أجزاء واسعة من هرمز، في المياه الدولية".
ثم في إشعار صدر في 11 يونيو/حزيران، قالت البحرية الألمانية، نقلاً عن معلومات تلقتها من البحرية الأمريكية والبريطانية، إن ألغاماً أُبلغ عنها في أربعة مواقع حول المضيق، دون أن تتمكن من التحقق من مواقعها. ودفعت بريطانيا وفرنسا وألمانيا جميعاً بسفن حربية أو معدات لمكافحة الألغام إلى المنطقة استعداداً لعمليات محتملة لإزالة الألغام.
ووجد تحليل أجراه معهد السياسة الخارجية للأبحاث في فيلادلفيا أن الألغام الحديثة المتطورة، رغم أن صناعتها قد تكلف عشرات الآلاف من الدولارات، فإن فرض إجراءات اقتصادية واستراتيجية ضدها قد يكون أكثر تكلفة بكثير.
ويعود ذلك إلى أن الألغام البحرية يمكن أن تسبب اضطراباً هائلاً بتكلفة منخفضة نسبياً. فمجرد الاشتباه في وجود لغم واحد في ممر ملاحي يكفي لشل الحركة تماماً.
ويقدر محللون بحريون أن إيران تملك مخزوناً يتراوح بين 2000 و6000 لغم، كثير منها مصنوع محلياً. وقال سكوت سافيتز، مهندس أول في معهد "راند" للأبحاث والمتخصص في العمليات والتقنيات البحرية، إن إيران تمتلك ألغاماً تقليدية مربوطة وأسلحة أكثر تطوراً.
فالألغام البحرية يمكن أن تشمل ألغاماً تماسية مربوطة تنفجر عندما تصطدم بها سفينة، بينما "الألغام القاعية" الأكثر تطوراً تستقر في قاع البحر وتستخدم أجهزة استشعار لإحداث انفجار عندما تلتقط الإشارة المغناطيسية أو الصوتية لسفينة فوقها.
وأضاف سافيتز أن إيران تمتلك "الكرات الشائكة الكلاسيكية التي يتخيلها الجميع"، وهي ألغام مربوطة بمرساة تنفجر عندما تصطدم بها سفينة. "لكنها تمتلك أيضاً عدداً من ألغام التأثير. هذه تستقر في قاع البحر ويصعب اكتشافها."
التطهير لا يعني انعدام الخطر
بعد ساعات من إعلان ترامب تطهير هرمز من الألغام يوم الثلاثاء، قال مركز المعلومات البحرية المشترك إنه لا يزال هناك "خطر مستمر من ألغام منجرفة أو غير محددة المواقع" داخل نظام الفصل الملاحي في المضيق أو بالقرب منه. كما قال مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني في منشور على منصة "إكس" إن "مناطق خطر الألغام" ما زالت نشطة. فمن الذي ينبغي لمشغلي السفن أن يثقوا به؟
قال مارك هيلبورن، المحاضر الكبير في دراسات الحرب في كلية كينغز بلندن، للجزيرة إن هناك سبباً وجيهاً للثقة في التقييم الأمريكي. وأضاف: "الادعاء بأن الألغام أُزيلت جاء في البداية من القيادة المركزية الأمريكية، ويمكننا أن نثق به ثقة كبيرة".
وأشار هيلبورن إلى أن البحرية الأمريكية فجّرت عدداً كبيراً من الألغام باستخدام تقنيات مراقبة فضائية وطائرات مسيرة تحت الماء تمسح قاع البحر. كما دمرت القوات الأمريكية عدة سفن إيرانية لزرع الألغام.
لكن التأكد من أن الممرات الملاحية الرئيسية "واضحة" ليس ضماناً بأن كل لغم أُزيل أو عُطّل. قال مارك هيلبورن، الخبير في الشؤون العسكرية، إنه من الممكن وجود ألغام بحرية متفرقة أو ما يُعرف بـ"الألغام الشبحية". وأوضح أن الادعاءات حول تطهير الألغام تتعلق فقط بالألغام المعروفة التي وُضعت في الممرات الرئيسية، مضيفاً أن بعض الألغام الراسية قد تكون انفصلت عن أماكنها وانجرفت بعيداً.
وأشار هيلبورن إلى أنه لا يُرجَّح وجود ألغام في الممرات الملاحية الرئيسية نظراً لمستوى المراقبة العالي، لكنه استدرك قائلاً إن المخاطر قد تكون قائمة خارج هذه الممرات. وأضاف أنه حتى لو جرى تدمير جميع الألغام المعروفة لدى الولايات المتحدة، فإن إيران ما زالت قادرة على نشر المزيد من الألغام. لذلك، وحتى لو كانت الممرات الملاحية واضحة حالياً، فإن ذلك لا يعني زوال التهديد بشكل دائم.
وتُعد عملية إزالة الألغام، المعروفة باسم "إجراءات مكافحة الألغام"، مهمة خطيرة وتتطلب صبراً ودقة بالغة. ووفقاً لمعهد أبحاث السياسة الخارجية، فإن سنوات من الإهمال المؤسسي أضعفت قدرات البحرية الأمريكية المتخصصة في مكافحة الألغام قبل فترة قصيرة من بدء الحرب. ففي سبتمبر، أُخرجت آخر أربع سفن أمريكية من فئة "أفنجر" من الخدمة في البحرين، بينما أُخرجت طائرات الهليكوبتر من نوع "MH-53E سي دراغون"، التي كانت لسنوات عنصراً أساسياً في عمليات كسح الألغام الجوي، من الخدمة في أغسطس.
ومنذ ذلك الحين، اعتمدت الولايات المتحدة على مزيج من السفن الحربية والأنظمة غير المأهولة في عملياتها في مضيق هرمز. وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن مدمرتين موجّهتين للصواريخ دخلتا المضيق مع بدء مهمة إزالة الألغام في أبريل، ثم انضمت إليهما طائرات مسيّرة تحت الماء لاحقاً.
لكن إزالة الألغام من الممرات الملاحية لا تحل سوى جزء من المعادلة التي ينظر إليها مشغّلو السفن وشركات التأمين. إذ يمكن أن تصل قيمة ناقلة النفط العملاقة مع حمولتها من الخام إلى نحو 300 مليون دولار، وهو ما يجعل شركات التأمين ضد المخاطر الحربية وشركات النفط ومشغّلي الناقلات يطالبون بأدلة مستمرة على سلامة المرور قبل إعادة سفنهم إلى المضيق.
وقال هيلبورن إن أقساط التأمين ستظل مرتفعة على الأرجح، ولن تنخفض إلا بعد فترة طويلة من الهدوء. وأضاف أن الإعلان عن إزالة الألغام، رغم أنه خبر مرحّب به، لن يؤدي إلى انخفاض فوري في الأسعار.
ومع ذلك، هناك مؤشرات على أن قطاع الشحن بدأ يتكيف مع الواقع الجديد في البحر. وقال أليكس الميدا، المحلل في شركة "أمبري" للاستخبارات البحرية، للجزيرة، إن النفور من المخاطر بين مشغّلي السفن بدأ يتراجع مع تطور ترتيبات بديلة. فقد ذكرت بلومبرغ في وقت سابق من هذا الشهر أن الذراع التجارية لشركة بترول أبوظبي الوطنية تعرض نقل شحنات النفط العراقية عبر مضيق هرمز، عبر رحلات قصيرة تُجرى مع إيقاف تشغيل أجهزة الإرسال، قبل نقل الشحنات إلى سفن أخرى خارج الخليج. وجاء هذا التطور في وقت أعلنت فيه الإمارات حظراً تجارياً غير محدد المدة على إيران الأسبوع الماضي.
وأضاف الميدا أن خدمة النقل المكوكية التي تديرها الإمارات أثبتت جدواها وتخفف كثيراً من مخاطر التأمين على الشاحنين، مشيراً إلى أن السعودية بدأت أيضاً في اللجوء إلى عمليات النقل من سفينة إلى سفينة، وأطلقت نظام تأمين مدعوماً من الحكومة. وأوضح أن هذه الترتيبات الجديدة المتاحة للشاحنين تضع إيران في مأزق متزايد، خاصة مع تصاعد الضغوط الاقتصادية الأمريكية. وقال: "للمرة الأولى، أعتقد أن إيران تحت ضغط حقيقي أكبر من الضغط الذي تواجهه الولايات المتحدة". وهذا يثير احتمال أن تسعى طهران إلى وسيلة أخرى لتغيير ميزان القوى، بما في ذلك شن ضربات على مناطق نقل الشحنات في خليج عمان، وهي مناطق تقع ضمن مدى الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.
في النهاية، لا تُعد إزالة الألغام مقياساً موثوقاً لمعرفة ما إذا كان مضيق هرمز "آمناً". فكما قال الميدا، "الألغام لم تكن أبداً التهديد الأساسي"، إذ يتمثل الخطر الأكبر على الملاحة في المضيق في "المسيّرات وصواريخ كروز المضادة للسفن والصواريخ الباليستية" التي تُطلق من الأراضي الإيرانية. وفي الوقت الحالي، تراجعت هذه الضربات، لكن المواجهة الأساسية بين واشنطن وطهران لا تزال قائمة دون حل، وهو ما يترك مالكي السفن وشركات التأمين يقيّمون احتمال أن يتحول هذا الممر المائي إلى ساحة معركة مرة أخرى. وكما قال هيلبورن: "حتى لو كانت الممرات الملاحية حالياً واضحة، فإن ذلك لا يعني أن التهديد اختفى إلى الأبد".