بعد ستة أشهر من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ما زال إغلاق مضيق هرمز يتسبب في واحدة من أسوأ اضطرابات الشحن البحري منذ عقود. فقد تراجع عدد السفن التي تمر عبر هذا الممر الضيق البالغ طوله 33 كيلومترًا من أكثر من مائة سفينة يوميًا إلى خمس سفن فقط، مما أدى إلى تعطيل تدفق النفط والغاز والسلع في مختلف أنحاء العالم. وفي ما يلي عرض لكيفية تحول أزمة في ممر ضيق إلى اضطراب كبير في قطاع ينقل نحو 80 بالمئة من التجارة العالمية.
## نحو 80 بالمئة من البضائع تنتقل بحرًا
تقريبًا كل ما يشتريه الناس، من الوقود في سياراتهم إلى الحبوب في خبزهم، ربما قضى وقتًا على متن سفينة في البحر. فحوالي 80 بالمئة من التجارة العالمية من حيث الحجم تنتقل بحرًا في مرحلة ما، مما يجعل الشحن البحري أمرًا حيويًا للاقتصاد العالمي، وفقًا لتقديرات الأونكتاد، وهي هيئة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.
وليست كل السفن متشابهة، إذ تُبنى أنواع مختلفة منها لأغراض متنوعة، من نقل النفط إلى السلع التي يعتمد عليها الناس يوميًا.
فناقلات النفط من بين أكبر السفن، وتنقل منتجات الطاقة مثل النفط الخام والمنتجات المكررة والمواد الكيميائية. ويتم نقل معظم النفط الخام عبر ناقلات ضخمة تعرف بناقلات فئة “VLCC”، التي يمكنها الوصول إلى مجموعة واسعة من الموانئ وتحمل نحو مليوني برميل من النفط الخام.
أما سفن الحاويات فتنقل السلع الاستهلاكية مثل الهواتف والملابس داخل صناديق فولاذية مكدسة تُعرف بالحاويات. وبعضها ضخم جدًا، إذ يتجاوز طولها 400 متر وتحمل أكثر من 20 ألف حاوية.
وتنقل سفن البضائع السائبة الجافة المواد الخام مثل الحبوب والفحم وخام الحديد. وتشير تقديرات “لويدز ليست” إلى أنها كانت تنفذ نحو 7 آلاف رحلة عبر هرمز سنويًا، أي حوالي 20 رحلة يوميًا قبل الحرب.
أما سفن البضائع العامة فتنقل بضائع مختلطة مثل الحديد والآلات، بينما تنقل سفن الدحرجة بضائع ذات عجلات مثل السيارات والشاحنات والمعدات الثقيلة.
## مشكلة الشحن في الشرق الأوسط
يشكل مضيق هرمز ممرًا حيويًا لتجارة الطاقة العالمية. وهو من أهم بوابات الشحن في الشرق الأوسط، إذ يمر عبره أكثر من ثلث النفط الخام المنقول بحرًا في العالم، وما يقرب من ثلث تدفقات الغاز البترولي المسال، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية المكررة.
يقول ريتشارد ماثيوز، مدير الاستشارات والبحوث في شركة جيبسون للوساطة البحرية في لندن، إن هذه ربما تكون المرة الأولى التي نشهد فيها تضييقًا رئيسيًا لممر ملاحي مهم. ويوضح أن ما يميز مضيق هرمز عن غيره من الممرات هو عدم وجود طريق بحري بديل، فهناك بعض خطوط الأنابيب، لكن لا يوجد بديل بحري، وهذا ما جعل تأثيره كبيرًا على حجم البضائع المنقولة.
والموانئ الواقعة على طول الخليج هي نقطة البداية لكثير من شحنات الطاقة في المنطقة قبل أن تنتقل إلى بقية العالم.
## ماذا كان يمر عبر مضيق هرمز؟
بحسب بيانات الأونكتاد، في الأسبوع الذي سبق بدء الحرب على إيران، كانت التدفقات اليومية للنفط الخام عبر مضيق هرمز تمثل نحو 38 بالمئة من الإجمالي العالمي، والغاز البترولي المسال 29 بالمئة، والغاز الطبيعي المسال 19 بالمئة.
وقد تراجعت صادرات النفط الخام من منطقة الخليج بنحو 47 بالمئة مقارنة بما قبل الحرب، من نحو 17 مليون برميل يوميًا في عام 2025 إلى حوالي 9 ملايين برميل يوميًا في أغسطس 2026. ويقدر محللون أن ما بين خمسة وسبعة ملايين برميل من النفط الخليجي تتعطل يوميًا في الوقت الراهن، وفقًا لوكالة رويترز.
أما الصادرات المباشرة من النفط الخام عبر المضيق فتراجعت إلى متوسط 2.2 مليون برميل يوميًا فقط، بحسب شركة “كبلر” لتحليلات البيانات وتتبع التجارة العالمية.
وتظهر بيانات الشحنات النفطية المجمعة من كبار منتجي النفط في الخليج، وهم السعودية والعراق وإيران والكويت، انخفاضًا حادًا منذ بدء الحرب، من نحو 400 مليون برميل في فبراير إلى حوالي 200 مليون برميل في يوليو.
## من مائة سفينة يوميًا إلى خمس سفن
قبل الحرب، كان يمر عبر مضيق هرمز نحو مائة سفينة يوميًا، أكثر من نصفها ناقلات، وكانت تحمل عشرات الملايين من براميل النفط. لكن هذا الرقم انهار خلال أيام من الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير. وبعد أن أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق المضيق في الثاني من مارس، تراجع عدد السفن المارة إلى متوسط خمس سفن يوميًا، واستمر على هذا المستوى خلال وقف إطلاق النار في أبريل، ثم الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية.
وفي 17 يونيو، رفع اتفاق مؤقت المتوسط إلى 20 سفينة يوميًا، أي خمس الحركة الطبيعية فقط، قبل أن يستأنف الجانب الأمريكي الحصار في 14 يوليو، ليعود عدد السفن إلى خمس يوميًا.
واليوم يظل المضيق مغلقًا في الواقع العملي. فمن 15 يوليو إلى 23 أغسطس، كان يمر عبره متوسط خمس سفن يوميًا، أي بانخفاض يقارب 95 بالمئة عن مستويات ما قبل الحرب. وما تبقى من حركة بسيطة يتكون أساسًا من ناقلات تبحر تحت مرافقة بحرية أو أوقفت أنظمة تتبعها.
وقبل الحرب، كان مضيق هرمز يعمل ممرًا مائيًا مشتركًا، حيث تستخدم السفن مسارات ملاحية قياسية تمر أساسًا في وسط المضيق، بإشراف المنظمة البحرية الدولية. وكانت هذه المسارات تُختار بناءً على جداول الموانئ والعقود والسلامة.
أما الحركة البسيطة المتبقية الآن فتمر عبر مسار بديل، إذ انقسم الممر إلى طريقين منفصلين بعد أن اتفقت إيران وعُمان على مسارات مؤقتة تستخدم المياه الإقليمية لكل منهما لمساعدة السفن على العبور. وتصر السلطات الإيرانية على استخدام المسار الشمالي الذي يمتد على طول سواحلها قرب جزيرتي لارك وقشم، ويتصل مباشرة بالموانئ والمرافئ الإيرانية.
غير أن الجيش الأمريكي فرض في أبريل حصارًا بحريًا على الموانئ الإيرانية بهدف منع نحو مليوني برميل من النفط الإيراني من الوصول إلى بقية العالم.
## ما الدول الأكثر اعتمادًا على نفط الشرق الأوسط؟
بالنسبة للأفراد والشركات في نهاية سلسلة الإمداد، يظهر تأثير هذا الاضطراب من خلال ارتفاع تكلفة السلع الأساسية. فالدول التي تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز والأسمدة من الخليج تواجه أسعارًا أعلى، وفترات انتظار أطول للشحنات، وحاجة إلى البحث عن موردين بديلين. وحتى عندما تُبرم صفقات للحفاظ على تدفق البضائع، فإن تكلفة ذلك تنتقل عبر سلسلة التوريد.
ومن بين الدول الأكثر اعتمادًا على نفط الشرق الأوسط: إريتريا ومدغشقر، حيث يحصل كل منهما على نحو 90 بالمئة من احتياجاته النفطية من المنطقة، تليهما باكستان بنسبة 78 بالمئة، ثم اليابان وكينيا بنسبة 77 بالمئة لكل منهما.
## إلى أين تتجه السفن الآن؟
أعاد إغلاق هرمز رسم خريطة الشحن العالمية، إذ دفع الحركة بعيدًا عن الخليج نحو البحر الأحمر وجنوب شرق آسيا، حيث برزت سنغافورة وماليزيا مركزين لتدفق الطاقة المعاد توجيهها. فعلى سبيل المثال، ارتفعت شحنات الوقود الروسي إلى سنغافورة وماليزيا إلى 2.5 ضعف مستواها في يوليو مقارنة بالشهر السابق، مما جعل المنطقة مركزًا متزايد الأهمية لتدفقات الطاقة البديلة.
وتشير بيانات حركة الموانئ إلى تغيرات كبيرة بعد بدء الصراع. فالكويت شهدت أكبر انخفاض، حيث تراجع عدد زيارات السفن إلى موانئها بنسبة 86 بالمئة. ويُعزى ذلك إلى أن المنفذ البحري الوحيد للكويت إلى البحر المفتوح يمر عبر مضيق هرمز.
وجاءت أوكرانيا في المرتبة الثانية من حيث الانخفاض النسبي، نتيجة الهجمات المستمرة بالمسيّرات على الشحن في البحر الأسود وبحر البلطيق. وحلت الإمارات ثالثًا بانخفاض نسبته 69 بالمئة، حيث تراجع عدد زيارات السفن إلى موانئها من 78 زيارة يوميًا إلى 24 زيارة. وشهدت قطر والعراق والبحرين انخفاضات مماثلة تراوحت بين 66 و68 بالمئة.
أما السعودية فسجلت انخفاضًا أقل في حركة موانئها، بلغ 15 بالمئة مقارنة بجيرانها، بفضل شبكة خطوط الأنابيب لديها ومنافذها على البحر الأحمر، التي تعاملت مع حجم أكبر من شحنات النفط، حتى بعد أن أعلنت قوات الحوثيين حصارًا بحريًا على المملكة في 20 يوليو.
ويعلق ماثيوز على ذلك قائلًا: “بمجرد اندلاع حرب الشرق الأوسط، رأينا فجأة عددًا أكبر من مالكي السفن يرغبون في دخول البحر الأحمر، لأن الخيارات أمامهم أصبحت أقل بكثير للوصول إلى أطقمهم، وخطر الحوثيين بدا وكأنه تراجع”.
## ما الذي سيحدث بعد ذلك؟
بالنسبة للعاملين في قطاع الشحن، تجاوزت هذه الأزمة بالفعل الكثير من الاضطرابات التي شهدتها السنوات الماضية. ويقول ماثيوز، الذي يعمل في هذا المجال منذ عام 2009 في أعقاب الأزمة المالية، إنه حتى جائحة كوفيد-19 كانت صدمة من نوع مختلف، حيث كان مسار التعافي أوضح.
ويضيف: “انتقلنا من التعامل مع نزاع واحد أو حدث مفاجئ كل خمس سنوات، إلى أربعة أو خمسة أحداث من هذا القبيل منذ عام 2020. ومن الأسهل بكثير اليوم تعطيل الشحن عبر المسيّرات أو أنواع أخرى من الهجمات. فقبل عشر سنوات، كان التهديد الرئيسي للشحن هو القرصنة الصومالية، أما الآن فلديك مسيّرات أوكرانية تضرب السفن، ومسيّرات روسية تضرب السفن، والوضع نفسه يتكرر في هرمز، وأصبح من الأسهل للحوثيين استهداف السفن في منطقة باب المندب”.
ومن بين الآثار الأكثر وضوحًا لأزمة هرمز على المستهلكين ارتفاع أسعار النفط، التي أصبحت أعلى بنحو 20 بالمئة مما كانت عليه قبل الحرب، بعد تعافيها من مستويات تجاوزت 130 دولارًا للبرميل في أبريل. ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أن هذا الارتفاع كان محدودًا نسبيًا، مشيرين إلى أن أسواق النفط والشحن أظهرت قدرة على التكيف والصمود.
ويوضح ماثيوز أنه قبل اندلاع الحرب، كانت مخزونات النفط تتزايد بشكل كبير، مما وفر حاجزًا ضد صدمات الإمداد. ويضيف: “الآن تقريبًا استنفدنا هذا الحاجز، لذلك نحن في مرحلة قد تكون فيها الأشهر الستة المقبلة أكثر تقلبًا وحرجًا من حيث المخزونات إذا لم تتغير الأمور قريبًا”.