في قرية التوّاني في مسافر يطا بالضفة الغربية المحتلة، تخلد خضرة عمى (72 عاماً) إلى النوم على سطح منزلها خلال ليالي الصيف الحارة. تقول إن هذا يبقيه بارداً.
في الثامن عشر من يوليو، صعدت كالمعتاد إلى السطح. بعد منتصف الليل بقليل، سمعت صياحاً من الأسفل. نظرت فرأت مجموعة من ثلاثين إلى أربعين مستوطناً ملثماً يجوبون القرية.
قالت لـ«الجزيرة»: «رأيتهم يضرمون النار في المصنع، وفي المسجد، وفي البيوت. ألقوا البنزين والحجارة على منزلنا. كان ابني عند النافذة. من الجيد أنهم لم يقتلوه».
من على السطح، شاهدتهم وهم ينتقلون بين البيوت، يرشون الغرافيتي على الجدران، ويشعلون النار في سيارة جار، ويحطمون باباً أمامياً. أضافت: «ماذا كان بوسعي أن أفعل؟ لا شيء».
في الطابق السفلي، شاهدت زوجة ابنها مستوطناً يلقي البنزين قرب نافذتها. كانت حاملاً في شهرها الثاني. وأخبرت أسرتها «الجزيرة» أنها أجهضت بعد الهجوم.
في مكان أبعد على الطريق، كان آدم العدّارة (21 عاماً) يستعد للنوم حين سمع الهرج. انتهت مباراة كرة قدم قبل ذلك، وكان كثير من الشباب لا يزالون في الخارج عندما بدأت رسائل حول الهجوم تنتشر في مجموعة الدردشة المحلية. قال: «عندما غادرت المنزل، كان الأمر مخيفاً حقاً، رؤية البيوت مشتعلة».
انضم إلى سكان آخرين هرعوا لإخماد النار بالتراب ونقل الأطفال إلى عمق القرية، بعيداً عن المكان الذي وصل إليه المستوطنون. قال: «إذا لم يدافع الناس عن أنفسهم، سيدخل المستوطنون ويقتلونهم ويحرقون البيت الذي يجلسون فيه».
استمر الحادث حوالي عشر دقائق قبل أن يتمكن السكان من دفع المستوطنين إلى الخارج، لكن لم ينم أحد تلك الليلة خشية عودتهم. بعد أيام، بقيت الرسوم على الجدران: نجمة داود مرشوشة على المسجد، وكلمة «انتقام» بالعبرية على جانب أحد المنازل.
سياسة تهجير قسري
التوّاني قرية يزيد عدد سكانها بقليل عن مئتي نسمة، تقع عند مدخل مسافر يطا، وهي مجموعة من التجمعات الفلسطينية الرعوية في تلال الخليل الجنوبية. تقع في المنطقة (ج) الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة.
سامي حرييني، عضو المجلس القروي وباحث ميداني يوثق هجمات المستوطنين في تلال الخليل الجنوبية، قال لـ«الجزيرة» إن العنف ليس جديداً، لكن حجم وطبيعة هذا الهجوم يمثل تصعيداً جديداً. واعتبره جزءاً من نمط من المداهمات الإسرائيلية، وأوامر الهدم، ومصادرة الأراضي، والاقتحامات الهادفة إلى طرد الفلسطينيين من أرضهم، معتبراً أن المستوطنين الإسرائيليين والجيش جزء من النظام نفسه. قال: «نحن نرى عقلية المستوطنين»، واصفاً كيف أن كثيراً من نفس الأشخاص الذين شاهدهم يكبرون وهم يرهبون مجتمعه، يعودون لاحقاً مرتدين الزي العسكري.
وثقت منظمات حقوق الإنسان نمطاً من إفلات المستوطنين من العقاب، بحجة أن السياسات الحكومية والحماية العسكرية وغياب المحاسبة سمحت باستمرار الهجمات ضد الفلسطينيين. وأضاف حرييني أن الضغط يتجاوز الهجمات الجسدية ليشمل الأنظمة القانونية والتخطيطية الإسرائيلية. أحد الأمثلة، كما قال، هو استحالة حصول الفلسطينيين على تراخيص بناء تقريباً، مما يترك البيوت والمنشآت الأخرى عرضة للهدم.
تقع التوّاني خارج منطقة الرماية 918، وهي منطقة أعلنتها إسرائيل ساحة تدريب عسكري في الثمانينيات تغطي معظم مجتمعات مسافر يطا. يُظهر نص حكومي من عام 1981 أن رئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون – الذي كان آنذاك رئيساً للجنة الاستيطان – قال إن الإعلان كان يهدف إلى تقييد «توسع القرويين العرب من التلال نحو الصحراء». في مايو 2022، مهدت المحكمة العليا الإسرائيلية الطريق لطرد حوالي ألف فلسطيني يعيشون داخل المنطقة، بما في ذلك قرية خلة الدبة. خلال حملة هدم جماعي في عام 2025، نفذها الجيش، دُمرت معظم القرية الصغيرة، تاركة كثيرين بلا مأوى.
جاء هجوم التاسع عشر من يوليو في ظل أعلى معدل مسجل لعنف المستوطنين. وثقت مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) ست هجمات للمستوطنين يومياً في المتوسط تسببت في إصابات أو أضرار مادية خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، أي أكثر من ألف هجوم هذا العام، عبر أكثر من 230 مجتمعاً. قال حرييني: «اللغة الوحيدة التي يفهمها هذا النظام هي الإرهاب والعنف».
في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة، نزح 63 مجتمعاً فلسطينياً قسراً منذ أكتوبر 2023 حتى يونيو 2026، وفقاً لمنظمة بتسيلم الإسرائيلية الحقوقية. ومع نزوح الفلسطينيين، يواصل المستوطنون توسيع وجودهم. خُطط لنحو 20 مستوطنة وبؤرة استيطانية إسرائيلية في منطقة مسافر يطا، وكلها غير قانونية بموجب القانون الدولي. إحداها، مستوطنة حفات معون، تجاور التوّاني، ويقول السكان إن بعض المستوطنين المشاركين في هجوم التاسع عشر من يوليو جاءوا منها.
مع ذلك، قال حرييني إن أهالي التوّاني ليس لديهم نية للمغادرة. «هذه قرية قوية عنيدة تتحدى الاحتلال دائماً». وردد سكان في مسافر يطا الشعور نفسه.
«نحن باقون»
في الأيام التي تلت الهجوم، عاد مستوطنون إلى التوّاني، مما عزز حقيقة يعيشها السكان: لا أحد يأتي لحمايتهم. في العشرين من يوليو، عاد مستوطنون يحملون بنادق هجومية واقتربوا من نفس البيوت التي هوجمت. قالت عمى إن مجموعة منهم جاءت إلى بابها وأخبروها أن المنزل لم يعد مملوكاً لعائلتها، وأن عليهم المغادرة. قالت: «قلت لهم أنا لا أخاف منكم، ولا أخاف من بلدكم». في الرابع والعشرين من يوليو، قال سكان القرية إن مستوطنين عادوا برفقة الجيش لإقامة صلاة سنوية داخل حديقة فلسطينية خاصة. بين هذه الاقتحامات، تُركت القرية تدافع عن نفسها بنفسها.
قال الحُريني: “ليس لدينا حماية من أحد، لذلك نحن من نحمي أنفسنا”. وهذا يعني تركيب كاميرات على المنازل والمراقبة طوال الليل.
ووقف العدارة خارج المسجد الذي حاول المستوطنون إحراقه، وأوضح أن السكان يواجهون معادلة مستحيلة: إما أن يقفوا مكتوفي الأيدي ويروا بيوتهم تحترق، أو يواجهوا المستوطنين ويخاطروا بالاعتقال أو ما هو أسوأ.
ورغم الضغوط، يصر السكان على أن الطواني لن تصبح قرية أخرى تُجبر على ترك أرضها. قال الحُريني: “نحن هنا لنبقى”.