بعد أسبوعين على انطلاق عملية “الغضب الملحمي”، ترسّخ السرد السائد في نمط مريح: الولايات المتحدة وإسرائيل تورطتا في حرب بلا خطة واضحة، وإيران تنتقم عبر المنطقة، وأسعار النفط ترتفع، والعالم يواجه مستنقعاً شرق أوسطياً آخر. نواب أمريكيون وصفوا الأمر بأنه زلة؛ قنوات الأخبار أحصت الأزمات؛ والمحلّلون حذّروا من حرب طويلة الأمد.
هذا الجوقة الصاخبة مفهومة إلى حد ما؛ الحرب قبيحة، وهذه الحرب فرضت تكاليف حقيقية على ملايين البشر في الشرق الأوسط، بمن فيهم سكان المدينة التي أقطنها. لكن هذا السرد خاطئ. ليس لأن التكاليف وهمية، بل لأن الناقدين يقيسون الأشياء الخاطئة: إنهم يجمعون ثمن الحملة متجاهلين حسابها الاستراتيجي.
عند النظر إلى ما حلّ بالفعل بآليات القوة الرئيسية لإيران — ترسانتها الصاروخية، بنيتها النووية، دفاعها الجوي، بحريةها وبنيتها القيادية عبر الوكلاء — تبدو الصورة ليست فشلاً أميركياً بل تدهوراً منظماً وممنهجاً لتهديد سمح نموّه سُلالات إدارية سابقة على مدى أربعة عقود.
أكتب هذه الملاحظات من الدوحة، حيث أطلقت صواريخ إيرانية إنذارات للمواطنين للاختباء وبدأت الخطوط الجوية القطرية تشغيل رحلات إجلاء. عشت أربع سنوات حرب في بغداد. عملت لدى وزارة الخارجية الأمريكية ونصحت وكالات دفاعية واستخبارية في بلدان متعددة. لا أحاول الترويج للحرب، لكنني كرّست مساري الأكاديمي لدراسة كيف تفوض الدول استخدام القوة عبر مؤسسات الاستخبارات، وما أراه في هذه الحملة هو عملية عسكرية معروفة تمضي عبر مراحل مميّزة ضد خصم تتهاوى قدرته على إسقاط القوة في الزمن الحقيقي.
ترسانة بُنيت على مدى عقود، تفكَّكَت في أيام
إطلاقات الصواريخ الباليستية الإيرانية انخفضت بأكثر من 90 بالمئة: من نحو 350 في 28 فبراير إلى حوالى 25 بحلول 14 مارس، وفق بيانات متاحة للعامة. وقصص الطائرات المسيرة تروي نفس الخفض: من أكثر من 800 في اليوم الأول إلى نحو 75 في اليوم الخامس عشر. أرقام الطرفين — الأمريكي والإيراني — تختلف في التفاصيل لكنها تتقاطع في الاتجاه. المئات من منصات الإطلاق أصبحت غير صالحة للعمل. بعض التقارير تُشير إلى أن نحو 80 بالمئة من قدرة إيران على ضرب إسرائيل أُزيلت.
الأصول البحرية الإيرانية — زوارق الهجوم السريع والغواصات الصغيرة وقدرات غرس الألغام — تُقاد للتقليص. دفاعاتها الجوية كُبِحت إلى حد أن الولايات المتحدة باتت تطير بقاذفات B‑1 غير الشبحية فوق أجواء إيران، قرار يشي بثقة شبه تامة بالهيمنة الجوية. الحملة تجنّبت العشوائية: المرحلة الأولى كبحت الدفاعات الجوية وقطعت رؤوس نظم القيادة والسيطرة وأضعفت بنى إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة. بحلول الثاني من مارس أعلن القيادة المركزية الأمريكية سيطرة جوية محلية فوق غرب إيران وطهران، وقد تحقّق ذلك من دون فقدان مؤكد لطائرة مقاتلة أميركية أو إسرائيلية.
المرحلة الثانية — الجارية الآن — تستهدف قاعدة الصناعة الدفاعية الإيرانية: مصانع الصواريخ، مراكز الأبحاث مزدوجة الاستخدام والمجمعات تحت الأرض حيث تُخزّن المخزونات المتبقية. هذه ليست قصفاً بلا هدف؛ إنها حملة منهجية لضمان أن ما دمر لا يُعاد بناؤه بسهولة.
إيران تواجه الآن معضلة استراتيجية تتفاقم يوماً بعد يوم. إن أطلقت صواريخها المتبقية فإنها تكشف منصات الإطلاق التي تُدمَر فوراً. وإن ادّخرتها فإنها تخسر القدرة على فرض تكاليف الحرب. بيانات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة تُظهر أن إيران تُدير ما تبقّى منها باقتصاص للحظات مُحدّدة سياسياً بدل الحفاظ على وتيرة قتالية مستدامة. هذا تخلٍّ في القوة، لا إسقاط لها.
العتبة النووية التي قبلها رؤساء أمريكيون سابقون
كثير من نقد الحملة الأمريكية‑الإسرائيلية يركّز على تكاليفها ويعامِل الوضع السابق كما لو أنه بلا ثمن. لم يكن كذلك. دخلت إيران عام 2026 وهي تملك 440 كغم من اليورانيوم مُخصب بنسبة 60 بالمئة — ما يكفي، إذا أُكمل التخصيب، لصنع ما يصل إلى عشرة أسلحة نووية. قبل الضربات كانت طهران على بعد أقل من أسبوعين من تخصيب ما يكفي لقنبلة نووية واحدة، بحسب تقييمات استخباراتية أمريكية. آنذاك أقرّت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن تراكم المادة شديدة التخصيب لا يملك مبرراً مدنياً واضحاً.
الحملة الحالية ألحقت مزيداً من الضرر بمفاعل نطنز؛ ومرفق فردو لا يزال خارج الخدمة. المنشآت الصناعية الدفاعية اللازمة لإعادة بنية التخصيب تُستهدف منهجياً. يمكن للناس العقلانيين أن يختلفوا حول ما إذا كانت البدائل الدبلوماسية قد استُنفدت تماماً أم لا: هل المفاوضات التي توسطت فيها عمان في فبراير اشترت وقتاً أم حققت تقدماً حقيقياً؟ وهل انسحبت واشنطن مبكراً؟ أسئلة مشروعة. لكن البديل الضمني لدى المنتقدين — استمرار ضبط النفس بينما تقترب إيران خطوة بخطوة من سلاح نووي — هو السياسة التي أنتجت الأزمة أصلاً؛ كل سنة من الصبر الاستراتيجي أضافت طردات إلى قاعات الطرد المركزي وكيلوغرامات إلى المخزون.
حدود القوة العسكرية ضد برنامج نووي حقيقية؛ فالضربات قد تدمر منشآت لكنها لا تمحُو المعرفة. الـ440 كغم من اليورانيوم المخصّب لا تزال دون حساب. نظام وريث من أي لون سياسي سيرث بيئة استراتيجية تجعل من مبرر الردع النووي أقوى لا أضعف. هذه مخاطر طويلة الأمد حقيقية، لكنها حجج لصياغة هيكل دبلوماسي ما بعد النزاع، لا حجج ضد الحملة ذاتها.
مضيق هرمز: أصل قوة إيران الذي يتآكل
إقفال مضيق هرمز يهيمن على التعليق النقدي. السيناتور كريس مورفي اعتبره دليلاً على أن الرئيس ترامب أساء تقدير قدرة إيران على الرد. CNN وصفته كبرهان على أن الإدارة فقدت السيطرة على تصاعد الصراع. الألم الاقتصادي حقيقي: أسعار النفط قفزت، وسيُفرَج عن رقم قياسي يُقدّر بـ400 مليون برميل من الاحتياطيات العالمية، والدول الخليجية تتعرّض لهجمات بطائرات وصواريخ على بنيتها الطاقية.
لكن هذا الإطار يعكس المنطق الاستراتيجي. إغلاق المضيق كان دائماً الورقة الانتقامية الأكثر ظهوراً لدى إيران، وكان دائماً مورداً مُتبخِّراً. نحو 90 بالمئة من صادرات النفط الإيرانية تمر عبر جزيرة خارك ثم المضيق. أكبر شريك اقتصادي متبقٍ لإيران، الصين، لا يمكنها استقبال الخام الإيراني طالما المضيق مغلق. كل يوم يستمر فيه الحصار يقطع إيران شريانها الاقتصادي ويبعد القوة الوحيدة الكبرى التي حمتها في الأمم المتحدة. الإغلاق لا يضر بالاقتصاد العالمي فحسب؛ إنه يعجّل بعزل إيران.
في الوقت عينه، الأصول البحرية التي تحتاجها إيران للحفاظ على الحصار — زوارق الهجوم السريع، الطائرات المسيرة، الألغام، صواريخ مضادة للسفن على الشاطئ — تتآكل يوماً بعد يوم. قواعدها البحرية في بندر عباس وتشابهار تعرضت لأضرار جسيمة. السؤال ليس عما إذا سيُعاد فتح المضيق بل متى وإن كانت إيران تحتفظ بأي قدرة بحرية لمجابهته. المنتقدون يقارنون تحدي مرافقة مئة ناقلة يومياً بعبء لوجستي مستحيل، لكنك لا تحتاج لمرافقة إذا لم يعد للخصم وسائل لتهديد السفن؛ هذا هو المسار العملياتي.
شبكة الوكلاء التي تتفكك لا تتوسع
التصعيد الإقليمي — استئناف حزب الله لهجماته على إسرائيل، ميليشيات عراقية تضرب قواعد أمريكية، الحوثيون يطلقون تهديدات في البحر الأحمر — يُستشهد به كدليل أقوى على فشل استراتيجي لأمريكا وإسرائيل. الحرب تتوسّع، يقولون، كما فعلت في العراق. هذا قراءة خاطئة لديناميكيات شبكة تحالفات إيران.
أبحاثي حول كيفية تفويض الدول للعنف عبر الوكلاء تحدد أربع طبقات للسيطرة: إضفاء الشرعية الاستراتيجية، التنسيق العملياتي، التوزيع المالي‑اللوجستي ومعايرة الإنكار. الحملة الحالية عطّلت الأربع طبقات معاً. اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي أزال قمة هرم التفويض. تعيين نجله مجتبى كخليفة بطريقة وراثية غير مسبوقة في الجمهورية الإسلامية إشارة إلى هشاشة مؤسسية لا استمرار. هيكل قيادة الحرس الثوري تعرض لقطع رؤوس متعددة — ووزير الدفاع بالوكالة كان من بين القتلى.
عندما يشنّ الوكلاء هجمات انتقامية عبر المنطقة، فذلك ليس دليلاً على شبكة متوسعة بل على صلاحية استجابة مُفوضة مسبقاً، ما يفعله النظام المركزي عندما يتوقع تدميره. التفويض المسبق علامة يأس لا قوة؛ يعني أن المركز لم يعد قادراً على التنسيق. الهجمات ستستمر لكنها ستصبح أقل تنسيقاً، بلا coherence استراتيجي، وبكلفة سياسية على الدول المضيفة لتلك الجماعات. قطر والبحرين اعتقلتا عناصر من الحرس الثوري؛ الكويت والسعودية اعترضتا طائرات إيرانية مسيّرة فوق أراضيهما. البيئة الإقليمية التي كانت تغذي بنية وكلاء إيران، بما في ذلك التسامح المضطر لدول الخليج الخائفة من الانتقام، تُستبدل عداءً فعالاً.
حزب الله أضعف من أي وقت منذ 2006، وقد تآكل قبل هذه الحملة بسنة من العمليات الإسرائيلية. الميليشيات العراقية ما تزال قادرة على شن هجمات، لكنها تفعل ذلك في منطقة تواجه عزلة متزايدة. الحوثيون يمتلكون قدرة مستقلة لكنهم يفتقرون إلى التكامل القيادي مع طهران الذي يحول نشاط الميليشيا إلى تأثير استراتيجي. ما وصفه المنتقدون بأنه حرب إقليمية متوسعة هو في الحقيقة تشنج موت لهندسة وكلاء تفككت قاعدتها المانحة.
نهاية واضحة
الاعتراض السياسي الأقوى يقول إن الإدارة بلا نهاية واضحة. خطاب ترامب المتذبذب بين “استسلام بلا شروط” ولمحات التفاوض، بين تغيير نظام ونفيه، يُغذي انطباعاً بعدم اتساق استراتيجي. فقط 33 بالمئة من الأميركيين في استطلاع رويترز‑أيبسوس قالوا إن الرئيس شرح بوضوح هدف المهمة.
لكن النهاية مرئية في تسلسل المراحل العملياتي، حتى لو أخفى الخطاب ذلك. الهدف هو إضعاف قدرة إيران الدائمة على إسقاط القوة خارج حدودها عبر الصواريخ، الكمون النووي وشبكات الوكلاء. سموها نزع تسليح استراتيجي. هذا أقرب إلى نهج الحلفاء تجاه القدرة الصناعية للحرب الألمانية عامي 1944‑1945 منه إلى حرب 2003 في العراق. القياس ليس مثالياً: نزع التسليح الاستراتيجي دون احتلال يتطلّب نظام تحقق وإنفاذ لم يُقترَح علناً بعد، لكن المنطق العملياتي نفسه.
لا أحد يقترح احتلال طهران. السؤال ماذا يحدث عندما يتوقف القصف؟ هنا يطرح الناقدون سؤالاً جديراً بالاهتمام كما صاغه مورفي بعد إحاطة سرية: ما الذي يمنع إيران من استئناف الإنتاج؟ الجواب يحتاج إلى إطار ما بعد الصراع غير معلوم للعامة: نظام تحقق، تسوية دبلوماسية أو وضع إنفاذ مستمر. الإدارة مدينة للرأي العام الأميركي وشركائها الإقليميين بحساب واضح لهذا الإطار. غياب مخطط دبلوماسي منشور لا يعني فشل الحملة العسكرية؛ إنه يعني أن الجيش يسبقه الدبلوماسية — مشكلة ترتيبية لا استراتيجية. الشروط العسكرية لتسوية دائمة — قدرة الصواريخ الإيرانية مُنهكة لدرجة عدم إعادة بنائها سريعاً، بنى نووية معطلة، شبكات وكلاء مجزّأة — تُخلق الآن.
الحرب قبيحة، لكن الاستراتيجية تحقق أهدافها
لا يُقلّل هذا من الأثمان البشرية. أكثر من 1,400 مدني قُتلوا في إيران، عبء أخلاقي ستتحمّله الولايات المتحدة وإسرائيل. قفزات أسعار النفط تؤذي اقتصاديات العالم، وقد قُتل ما لا يقل عن 11 من العسكريين الأميركيين. أنا أعيش مع صفارات الإنذار يومياً، وكذلك الجميع في الخليج. التكاليف حقيقية وجسيمة، وأي حساب يتجاهلها ليس أميناً.
لكن المنتقدين يرتكبون خطأ آخر: يعاملون تكاليف الفعل وكأن تكاليف اللامبالاة صفرية. لم تكن كذلك. تُقاس بخطوات تراكمية بطيئة لتهديد كان، لو تُرك دون رادع، سيُنتج بالضبط الأزمة التي يدّعي الجميع الخوف منها: إيران مسلحة نووياً قادرة على إغلاق مضيق هرمز متى شاءت، ومحاطة بقوى وكلاء يمكنها احتجاز المنطقة رهينة إلى أجل غير مسمى.
بعد سبعة عشر يوماً، المرشد الأعلى ميت، خليفته يُقال إنه جريح، وكل أدوات إسقاط القوة الإيرانية — الصواريخ، البنى النووية، الدفاعات الجوية، البحرية، شبكات القيادة بالوكلاء — جُهِدت إلى ما بعد إمكانية التعافي القصير الأمد. تنفيذ الحملة لم يكن مثالياً، والتواصل العام كان ضعيفاً، والتخطيط لما بعد الصراع ناقصاً. الحرب لا تكون نقية أبداً. لكن الاستراتيجية — الاستراتيجية الفعلية، المقاسة بقدرات مُنهكة لا بدورات أخبار التلفزيون — تعمل.
الآراء المعروضة هنا رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن موقف المؤسسة التحريرية.