عندما وصل رئيس وزراء المملكة المتحدة كير ستارمر إلى الخليج هذا الأسبوع، كانت الرسالة واضحة: بريطانيا عادت، مستعدة لتأدية دور دبلوماسي مهدئ في منطقة تبدو مرة أخرى على حافة الانفجار. انعقدت اجتماعات، صدرت تصريحات، وأعيد تأكيد تحالفات.
كل إيقاع هذا العرض الدبلوماسي كان موجودًا.
لكن الواقع الذي انكشف حوله كان يحكي قصة مغايرة.
بينما تنقل ستارمر بين السعودية والإمارات والبحرين وقطر، كانت القرارات الحاسمة تتخذ في أماكن أخرى. الهدنة الهشة بين الولايات المتحدة وإيران كانت تُبنى في واشنطن وطهران.
واصلت إسرائيل ضرباتها في لبنان، مهددةً بعرقلة العملية برمتها. القوى الإقليمية كانت تعيد ضبط مواقفها في الزمن الفعلي.
بريطانيا، رغم وجودها، لم تكن المحرِّك. هذا ليس زلة عابرة؛ إنها أوضح دليل حتى الآن على تراجع أطول أمداً: لم تعد المملكة المتحدة فاعلاً حاسماً في الشرق الأوسط. هي، في أفضل الأحوال، صوت مساعد في محادثة يقودها الآخرون.
تؤكد الحكومة البريطانية أن هذه لحظة للدبلوماسية لا للتصعيد العسكري. حرص ستارمر على إبعاد المملكة المتحدة عن انخراط مباشر في الصراع، مؤكداً الشرعية وضبط النفس والحاجة إلى استقرار طويل الأمد. على السطح، يبدو ذلك متأنياً — وربما حكيماً.
لكن الدبلوماسية بلا تأثير هي عرض مسرحي. الحقيقة المريحة هي أن تجاهل بريطانيا لم يكن بالصدفة. إنها تُتجاوز لأنها لم تعد تحمل الوزن الذي كانت تملكه.
تحول مركز الثقل. لا تزال واشنطن تهيمن على المشاركة الغربية، وإن كان ذلك بتقلبات. القوى الإقليمية — من إيران إلى دول الخليج — باتت أكثر جرأة، وتشكل النتائج وفقًا لشروطها. وحتى داخل أوروبا، يبرز أحياناً فاعلون آخرون بمزيد من الوضوح والهدف.
بالمقابل، تبدو بريطانيا غير واثقة من دورها.
هذا لم يحدث بين ليلة وضحاها. التآكل كان تدريجياً، لكنه مقصود. حرب العراق كسرت الثقة في أنحاء المنطقة، وغرست تصورًا عن بريطانيا كمتابعة لا كقائدة. قلّل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من امتدادها الدبلوماسي، وضيق نفوذها دون أن تستبدله باستراتيجية عالمية متماسكة.
ولكن إن كان هناك ملف وحدد هذا التراجع بوضوح، فهو غزة.
منذ بدء حرب إسرائيل على غزة — التي وصفها قانونيون ومنظمات حقوق الإنسان وجزء متنامٍ من المجتمع الدولي بأنها إبادة جماعية — انحازت بريطانيا إلى حدٍّ كبير لسياسة إسرائيل، بينما كافحت للرد بشكل ذي مغزى على حجم الدمار.
ترددت في الدعوة إلى وقف لإطلاق النار مع تزايد سقوط المدنيين. حافظت على دعم سياسي وعسكري في لحظات كان يمكن للضغط الدولي فيها أن يغيّر المسار. ومع تفاقم الكارثة الإنسانية، بدا صوت بريطانيا حذراً، مشروطاً، ولدى كثيرين في المنطقة، متواطئًا.
المصداقية في الشرق الأوسط ليست مجرد مفهوم نظري. تُكتسب وتفقد بالأفعال. دولة تُرى وهي تطبق القانون الدولي انتقائياً لا تستطيع أن تتصنع دور الوسيط بمصداقية. حكومة تتحدث عن ضبط النفس بينما تُمكّن التجاوزات لا يمكن توقُّع أن تُؤتمن على تهدئة النزاعات.
هذا هو السياق الذي وصل فيه ستارمر. حذّر المنتقدون بالفعل من أن زيارة ستارمر قد تبدو دبلوماسية بلا تبعات — كلام بلا فعل. حذّرت منظمة العفو الدولية من أنه من دون تحولات سياسبية ذات معنى، لا سيما تجاه إسرائيل، ستيفقد نداء بريطانيا من أجل الاستقرار الكثير من ثقلها. في أنحاء المنطقة، تُرى المملكة المتحدة بشكل متزايد ليس كفاعل مستقل، بل كطرف منحاز. هذه ليست انتقادات أيديولوجية بحتة؛ بل هي انعكاس لكيف تُدرك بريطانيا الآن.
والإدراك، في الدبلوماسية، هو الواقع.
أحداث الأسبوع الماضي جعلت ذلك واضحًا بلا لبس. بينما تتحدث بريطانيا عن حماية طرق الملاحة ودعم اتفاقات تهدئة، يحدد الآخرون ما إذا كانت هذه الهدنات ستصمد أصلاً. بينما يدعو ستارمر إلى خفض التصعيد، تواصل إسرائيل التصعيد. بينما تضع المملكة المتحدة نفسها كجسر، تغيب تدريجيًا عن المحادثات الدائرة على جانبي الطريق.
حتى أقرب حلفائها يبدو أنها تُرى بشكل مختلف. الولايات المتحدة، تحت حكم دونالد ترامب، لم تكتف بتهميش بريطانيا بل سخرت مرارًا من ترددها. ذلك التجاهل العلني، الذي كان لا يصدق سابقًا، أصبح أمرًا يمرّ دون مفاجأة تذكر.
تبدو استراتيجية ستارمر مبنية على الاعتقاد بأن نبرة أكثر جدية ومهنية قادرة على استعادة مكانة بريطانيا. وأن الكفاءة يمكن أن تعوّض عن النفوذ. لكن الدبلوماسية ليست علامة تجارية. لا يُعاد بناؤها بالمظاهر وحدها؛ بل تتطلب اتساقًا واستقلالية واستعدادًا لاتخاذ مواقف تنطوي على تبعات.
لم تفعل بريطانيا ذلك. بدلاً من ذلك حاولت التوازن بين الانحياز والرغبة في البقاء ذا أهمية — فخسرت كلاهما.
هناك تغير أعمق جارٍ. لم يعد الشرق الأوسط منطقة يمكن للقوى الغربية أن تفترض فيها المركزية. الفاعلون الإقليميون يأخذون زمام المبادرة، يشكّلون تحالفات جديدة، وباتوا إلى حدّ متزايد يتجاهلون الوسطاء التقليديين. في هذا المشهد، لا تُورث الأهمية؛ تُكسب.
بريطانيا لم تعدل بعد مسارها. حتى الآن، تبدو زيارة ستارمر كشاهد مكشوف — ليس لما حققته، بل لما فضحته. دولة كانت تدّعي مركزية تجد نفسها الآن تحوم على الأطراف، تخاطب محادثة لم تعد تُشكّلها كلماتها.
بريطانيا لم تفقد مكانتها في الشرق الأوسط بين ليلة وضحاها. لقد بدلتها — ببطء وبنية واضحة — بالمواءمة، بالصمت، وبالراحة.
والآن، حين تحاول الكلام، تجد أن لا أحد يستمع.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.