الألغام الأرضية في اليمن — أزمة مستمرة رغم الهدنة ومساعي نزعها

صنعاء، اليمن — في آب/أغسطس 2023، كانت عناية دستور تقرأ كتاباً مدررسيًا بينما تراقب ماشيَتها من الماعز وهي ترعى قرب قريتها، جبل حبّاشي في محافظة تعز وسط اليمن. كلما ابتعدت الحيوانات عن المكان كانت الفتاة، التي كانت تبلغ من العمر ثلاث عشرة سنة آنذاك، تمضي مهرولة أو سارعة إلى حيث الحقل لتعيدها إلى المَرج القريب من بيتها.

في ذلك الظهيرة، وأثناء تتبعها للماعز كعادتها، دوّى انفجار قوي. كانت لغم أرضي قد فجر تحت قدميها. تجمع الناس حولها بعد التفجير ونقلت إلى المستشفى فوراً. “كان مشهداً مروعاً”، قالت دستور للجزيرة، مضيفة أن الجراحين اضطروا لبتر ساقها اليسرى، فاتحاً أمامها صفحة من الإعاقة الدائمة.

وقع الحادث بعد أكثر من عام على توقف القتال المسلح إلى حد كبير بين الحكومة والقوات الحوثية، عقب الهدنة المعلنة في نيسان/أبريل 2022. إلا أن الألغام المزروعة في ميادين القتال وخطوط الجبهة السابقة لا تزال تقتل وتجرح اليمنيين. هذه المخاطر الخفية حولت الحقول والطرقات والقرى إلى مناطق مواصلة من الخطر؛ فقد قتلت الألغام ومخلفات المتفجرات ما لا يقل عن 339 طفلاً وأصابت 843 آخرين منذ الهدنة، بحسب منظمة “أنقذوا الأطفال”، التي قالت إن نحو نصف إصابات الأطفال المرتبطة بالنزاع كانت نتيجة ألغام ومخلفات حربية.

“قتلة نائمون”
زرعت أطراف النزاع في اليمن آلاف الألغام خلال الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2014. وقبل شهرين من حادثة دستور، دوّى انفجار لغم تحت قدم فتى في قرية مجاورة أودى بإحدى رجليه أيضاً. “الألغام قتلة نائمون، تنتظر البريئين ليدوسوها أو يحركوها بلا حذر، فتستيقظ لتسفك الدماء وتأخذ الأرواح”، قالت دستور. كانت تروي كيف كنَّ يذهبْنَ بصحبة فتيات أخريات إلى المراعٍ يرعين المواشي ويلعبن لساعات من دون أن يكنّ يدركن مدى الخطر أو زمان زراعة هذه الأجهزة القاتلة.

يقرأ  تقارير: هجوم بطائرة مسيّرة على حقل غاز في شمال العراق | أخبار الطاقة

بعد فقدان ساقها نتيجة الانفجار، نزحت عائلتها ومعظم السكان عن القرية التي كانت سابقاً على خط التماس. إلى اليوم لم يعد أهلها، ويسكنون الآن مدينة تعز. “لا أريد أن أرى طفلاً آخر يتعرض للأذى، ولا أن أسمع انفجار لغم آخر. أكره أن أمشي على تراب قد دُفنت تحته ألغام”، قالت.

في النصف الأول من 2025 وحده، قتل أو جُرح 107 مدنيين، غالبيتهم من الأطفال، وفق “أنقذوا الأطفال”. من بين الضحايا خمسة أطفال لقوا حتفهم أثناء لعبهم مباراة كرة قدم في أرض ترابية في تعز.

انطفاء الأمل
بين 2015 و2021 كان القتال البري وحشياً، والطائرات تقصف بلا هوادة في أنحاء البلاد، ما أسفر عن مئات بل آلاف الضحايا المدنيين. وأضفت الألغام بعداً دائماً للخطر؛ فقد وجدت دراسة نفذتها منظمات حقوقية يمنية عام 2022 أن 534 طفلاً و177 امرأة قُتلوا بسبب ألغام بين نيسان/أبريل 2014 ومارس 2022، كما جُرح 854 طفلاً و255 امرأة و147 مسناً خلال الفترة نفسها في 17 محافظة يمنية، وكانت تعز الأكثر تضرراً.

محمد مصطفى فقد ساقه اليسرى في انفجار لغم عام 2018 في مديرية مقبنة بتعز وهو لم يتجاوز العشرين من عمره. يصف لحظات الحادث بدقة: “دست لغمًا أثناء سيري في منطقة جبلية عند الغسق. بعد الانفجار نظرت إلى قدمي فوجدت ساقي اليسرى قد اختفت.” لم تكن هناك مستشفيات قريبة فاستغرق نقله خمس ساعات بسيارة إسعاف إلى مدينة تعز، وخلال الطريق أغمي عليه مرات عدة، ثم استيقظ في المستشفى ليجد بتر ساقه حتى الركبة.

بدعم الأسرة والأقارب والأصدقاء تعافى تدريجياً. اليوم هو عضو في اتحاد المعاقين اليمنيين لكرة القدم، أب وصاحب مشروع تجاري صغير. “وقفت عائلتي وأصدقائي بجانبي، رفعوا من معنوياتي ورافقوني في التجوال داخل المدينة لأنسي الألم والهم. شعرت أني لست وحيداً”، قال.

يقرأ  روسيا تنفي مزاعم تسميم نافالني بسُمّ ضفدع السهام

التحديات في نزع الألغام
لا تزال جهود إزالة الألغام مستمرة في مناطق متعددة من اليمن، لكن استئصال المشكلة بالكامل مسألة معقدة، خاصة في ظل غياب تسوية نهائية لإنهاء الحرب. وذكر مشروع “مسام” لمكافحة الألغام، الممول والمبادر من السعودية، في بيان لَكَثِرَ أنه منذ إطلاقه في تموز/يوليو 2018 وحتى 20 مارس 2026 أزال فرق المشروع 549,452 لغماً وذخيرة غير منفجرة وأجهزة متفجرة مرتجلة، وعرّف مساحات قُدرَت بـ7,799 هكتاراً من المتفجرات. كما قال مجلس اللاجئين الدنماركي إنه نظّف أكثر من 23,302 متر مربع من الأراضي اليمنية من الألغام ومخلفات الحرب. (يُذكر أن هذا السطر احتوى على خطأ مطبعي طفيف في اسم المشروع.)

قال عادل دشيلة، باحث يمني وزميل غير مقيم في أكاديمية ميسا العالمية مُتخصِّص بدراسات النزاعات وبناء السلام، إن عوامل عدة تعقّد عملية نزع الألغام: زراعة عشوائية في أماكن مختلفة، ومناطق خاضعة لسيطرة جماعات مسلحة متعددة مما يجعلها غير متاحة لفرق الإزالة، فضلاً عن غياب خرائط واضحة ونقص الكوادر المحلية المؤهلة والأجهزة الحديثة للحكومات لاكتشاف هذه المواد المتفجرة. أشار دشيلة أيضاً إلى أن الفيضانات المفاجئة، مثل تلك التي شهدها اليمن في أغسطس 2025، تنقل المتفجرات من مناطق إلى أخرى وتزيد من صعوبة أعمال المسح والتطهير وتعرّض عدداً أكبر من المدنيين للخطر.

بقاء الآثار
خسارة طرف قد تجلب حزنًا متواصلاً لضحايا الألغام، لكن بعضهم، مثل عناية دستور، يرفض التوقف عند ألم الماضي. تضع عيناها على المستقبل: “أنا الآن في الصف العاشر، وسأنهي الثانوية خلال عامين. بعد ذلك سألتحق بكلية الحقوق لأصبح محامية. أريد أن أدافع عن من يواجهون الظلم.” وأضافت: “أحدثني إصابتي عن تغيير في حركتي وفصْل لعائلتي عن منزلنا، لكنها لم تستطع أن تعطل عقلي أو توقف أحلامي.”

يقرأ  المحكمة في جنوب السودان ترفض طلب ريك مشار لوقف محاكمته بتهم القتل والخيانة العظمى

أضف تعليق