لا تفتقر المناقشات إلى تكهّنات حول ما قد يطرحه الذكاء الاصطناعي التوليدي على الثقافة: تتراوح الرؤى من صورة لـ«إنترنت ميت» تغمره المحتوى الآلي إلى سيناريوهات يوتوبية لإعادة توزيع الموارد حيث يمنح الدخل الأساسي العام البشر فسحة استثنائية للإبداع. لكن منذ أكثر من عقد—قبل أن يعرف كثيرون ما هي نماذج اللغة الكبيرة—كان الفنان تريفور باجلن ينتج أعمالاً تتناول بالفعل ما يفعله الذكاء الاصطناعي التوليدي بالثقافة. في كتابه الحاد الجديد «كيف ترى كآلة: الصور بعد الذكاء الاصطناعي» يفكك باجلن خلاصات ممارسته ليثبت أن الفهم السائد للصور ما زال عالقاً في نموذج قديم.
المخطط القديم كان سيميائيًّا ومتمحورًا حول الإنسان: نعامل الصور كـ«تمثيلاتٍ، علاماتٍ، أساطيرٍ أو استعارات» لفهمها وتفسيرها. أما المخطط الجديد—الذي لا يستبدل القديم بقدر ما يضيف إليه طبقةً أخرى أقل وضوحًا—فهو تشغيلي: عالم من الصور المصنوعة بواسطة الآلات ولآلات أخرى، هدفه تشكيل الواقع لا مجرد تمثيله. رؤيةٌ مثل رؤية الآلة تعني إدراك كيف تصبح الصور «تنشيطات»؛ محفزات تثير استجابات آلية أو قبل وعيّة أو عاطفية داخل دوائر تقنية وثقافية. ومن ثم يتحول السؤال النقدي من «ماذا تقول هذه الصورة؟» إلى «ماذا تفعل هذه الصورة؟»
لم يقلّ باجلن أوّل من طرح هذه الأسئلة؛ فقد عالج منظّرون مثل فيليم فلوسّر وبول فيريليو، وفنانون مثل هارون فاروقي وهيتو ستايرل، مسائل مماثلة على مدار نصف قرن. والحق أن التنشيطات الصورية «كانت موجودة طوال التاريخ الإنساني المعروف وفي كل ثقافة»، كما تبدو في استعمال الأيقونات ضمن طقوس ما قبل الحداثة. ما هو جديد، بالنسبة لباجلن، هو البيئة التكنولوجية المعاصرة: خلال العقد الماضي شهدنا، كما يصرّح، «هُبتين كبيرتين في تاريخ الصور والرؤية»، وهما «الرؤية الحاسوبية» و«الذكاء الاصطناعي التوليدي». الأولى تُحيل الحقل البصري إلى عالم من المتجهات والتجريدات الرياضية؛ والثانية تستخدم تلك التجريدات لتشكيل علاقتنا بالواقع نفسه.
يسمي باجلن هذا النسق المتحوّل بـ«الواقعية الآلية»؛ إذ أن الصور القابلة للقراءة آليًا باتت قادرة على أفعال لم تكن ممكنة للصورة التقليدية، وبمقاييس مختلفة جذريًا. كاميرا فيديو عند جهاز الدفع الذاتي في متجر البقالة تميّز حالات يُشتبه فيها بالسرقة وتعلم على ذلك. نظام ملاحة سامسارا، الذي يضم كاميرات موجهة إلى الطريق والسائق داخل الشاحنات التجارية، يراقب السائقين بعين قاسية بحثًا عن مخالفات السلامة. وقاعدة بيانات ImageNet، المستخدمة كاداة التدريب الافتراضية لعدد كبير من نماذج الذكاء الاصطناعي، تُنتج تصنيفات اختزالية تؤسس تقنيات التعرف إلى الوجوه. هذه الأنظمة من الرؤية الآلية تطبّع المراقبة في خدمة رأس المال؛ ومسمّى «الواقعية الآلية» يستدعي مفهوم مارك فيشر عن «الواقعية الرأسمالية» كنظام اعتقادي يقيّد قدرتنا على تخيّل البدائل.
بعض أشكال هذه المراقبة لا «تتطلب وجود إنسان في حلقة التحليل» إطلاقًا، وبعضها يتطلب إنسانًا في لحظات مختارة فقط—كما في نظام Microscan الذي صُمّم لأتمتة معظم عمليات التعبئة والشحن واللوجستيات في صناعات الإلكترونيات والأدوية. والأهم أن بزوغ رؤية «آلة لآلة» يعني أن الصور الرقمية التي يراها البشر غالبًا ما تنظر إلينا بالمقابل وتتكيف تبعًا لذلك. على منصات التواصل الاجتماعي، مثلاً، «تقيس المنصة زمن البقاء، والمشاركات، والتعليقات، وحتى الاستجابات البيومترية، وتستخدم تلك المعلومات لصقل استهداف خوارزمياتها». هذه الاستجابة الديناميكية للصور القابلة للقراءة آليًا تجعل المراقبة أكثر انتشارًا وفعالية، وتمكّن الأنظمة الآلية من استخراج قيمةٍ من المستخدمين البشريين بحجم ودقة لم تكن متاحة من قبل.
معظم محتوى كتاب «كيف ترى كآلة» يجمع مواد باجلن السابقة من مقالات ومحاضرات ومشاريع فنية. الفصلان المكرّسان للواقعية الآلية يشيران، على سبيل المثال، إلى مشروعه المشترك مع كيت كراوفورد عام 2019، ImageNet Roulette، الذي دَعَ المستخدمين لتحميل صورٍ لأنفسهم كي تصنفها ImageNet—ومِن خلالها تعرض كثيرون لأول مرة لتحيّزات تقنيات التعرف على الوجوه، إذ وُسِم باجلن وكراوفورد بتصنيفات خاطئة مثل «اقتصادي صغري» و«مذيعة أخبار». الفصل الأطول في الكتاب، «مجتمع التأثير النفسي»، يستعين بنصوصه الأبرز التي نشرت أصلاً كسلسلة مقالات على e‑flux عام 2024، ويستثمر أبحاثه الفنية حول الأجسام الطائرة المجهولة والعمليات النفسية والسحر ليبيّن كيف تغذّي هذه الظواهر الحافة بيئة الإعلام المعاصرة.
القصة التي يرويها باجلن حول شيوع «الحرب الإدراكية»—أي «استخدام التكنولوجيا لتغيير إدراك الأهداف البشرية التي غالبًا ما تكون غير مدركة لأي محاولة من هذا النوع»—تستند إلى غرائب في ظواهر الإدراك البشري. يفرّق بين «سحر المسرح»، الذي يفترض أن «الواقع مستقر نسبيًا لكن إدراكاتنا عنه معطوبة»، وبين «الماجيك» الذي يرى أن «الإدراك والواقع لا يفترقان». «بتغيير إدراكاتنا»، كما يشرح، «نستطيع عمليًا تغيير الواقع نفسه». ويرجع محاولات التغيير السحرية للواقع إلى تجارب سرية منتصف القرن مثل برنامج وكالة الاستخبارات المركزية MKUltra الشهير—الذي استقصى التحكم بالعقل عبر الصدمات الكهربائية والتنويم المغناطيسي وحمض الليسيرجيك. إلا أن قوة حجته تكمن في اقتراحه أن تجارب نفسية كانت معزولة أصبحت اليوم منهج عمل في الثقافة الشبكية: «عمليات التأثير النفسية المعاصرة»، كما يستنتج، «رخيصة، قابلة للتوسيع، مؤتمتة، وقابلة للنشر على نطاق واسع مع آليات تغذية راجعة فورية مدمجة». إنها شكل من أشكال التحكم العقلي بمشاركة الآلات، وقد أصبح أمراً طبيعياً لدرجة أننا كثيرًا ما نعجز عن إدراكه.
الفصل الأحدث في الكتاب، «أرشيفات المستقبل»، يختم هذا المسار البحثي ويحدّث النقاش إلى اللحظة الراهنة. يجادل تريفور باجلن بأنّنا في عصر ما بعد الذكاء الاصطناعي صرنا نتعامل مع كل صورة بوضعٍ شِبِه-دلاليّ مماثل لصور الأجسام الطائرة المجهولة: أي أننا نعيش الآن في «بيئة إعلامية تحافظ فيها الشفرات البصرية للصدق على وجودها، لكن أي رابط سببي كان يدعمها قد تلاشى». يقرن هذه الغموض—حيث تبدو الصورة في آنٍ معًا «حقيقية» و«زائفة»— بمفهوم التراكب الكمّي، الذي يفترض أن النظام يبقى في مواضع نظرية متعددة إلى أن يُقاس. في ظلّ هذه الظروف، يصير الوضع الواقعي للموجود المشار إليه بالصورة غير ذي صلة عمليًا؛ بدلًا من ذلك، تملي المعتقدات المسبقة للمشاهد ما إذا كان سيحمّل بقعة ضوئية في السماء دلالة حياة خارج الأرض أم مجرد شظية بصرية.
من اليسار إلى اليمين: تريفور باجلن — UNKNOWN #87458 (جسم غير مصنَّف قرب الحُبَيْبة الشمالية)، UNKNOWN #90007 (جسم مصنَّف قرب سحابة دراير)، وUNKNOWN #85237 (جسم غير مصنَّف قرب الحجاب الشرقي)، جميعها 2023.
إهداء: معرض بيس، نيويورك / ©تريفور باجلن
أفكار باجلن ذكية ومحفّزة على التفكير، وتتمتع بميزة إضافية تتمثل في نثر واضح للغاية يجعل غموض بعض الكتابات النظرية الأخرى يبدو وكأنه حملة تلاعب نفسية. هذه الصفاء في التعبير لا يجعل عمله قابلاً للقراءة فحسب، بل يخفف أيضًا من الانطباع القائل إن النقاش حول الأجسام الطائرة المجهولة ووكالات الاستخبارات محاط بجنون المؤامرة. ومع ذلك، فإن وسط الكتاب، الذي يفضّل الجانب الشارح في ممارسة باجلن، قد يجعل أعماله الفنية تبدو تابعة لأبحاثه. ذلك هو جزء من نقد توجّه إلى عمله منذ زمن طويل لميله التعليميّ/الوعظي. ولذا يطرح كتابه، كيف ترى كآلة، السؤال النقدي نفسه ضمنيًا: ما الذي تفعله هذه الصورة؟
غالبًا ما تُوفر أعماله الفنية الدافع وتعمل كرسوم توضيحية لأبحاثه الجليلة. على سبيل المثال، احتوت معرض باجلن في بيس 2023، بعنوان «لقد خُدِعتَ لتوًّا بواسطة العمليات النفسية»، على مقابلة مرئية مع ريتشارد دوتي—الشخص الذي اختلق فولكلور الأجسام الطائرة أثناء عمله لدى مكتب التحقيقات الخاص بالقوة الجوية الأميركية—تبحث في الأفكار المتعلقة بموضوع علم الأجسام الطائرة التي نوقشت في فصل «مجتمع الحرب النفسية». بينما تتيح المقابلة للمشاهدين الحكم على ما إذا كانوا يعتبرون دوتي راوٍ موثوق، يمكن بسهولة أن تُنقَل استنتاجاتها الجوهرية عبر وسائل مطبوعة—وهو ما حدث بالفعل لاحقًا. هذا النمط من فن باجلن يعمل كخطوة انتقالية نحو حججه النظرية الأوسع، كما يتبين من الأدلة المصاحبة للمعرض—أدلة مختصرة وموسعة—ومن مقالاته في e-flux وفصول الكتاب.
بعض أعمال باجلن تجسّد حججه ماديًا بما يتجاوز ما تستطيع الكتابة وحدها أن تفعله. تضمن معرض بيس أيضًا صورًا لأجسام غير محددة تدور حول الأرض ومنحوتات شبيهة بالطائرات الورقية تُحاكي أقمارًا صناعية عسكرية صُمِّمت لتشويش رادارات العدو. هذه الأعمال تتطلب بعض الخلفية لفهمها فهمًا كاملاً، لكنّك عندما تملك تلك الخلفية، فإن الفن لا يقدم مجرد حالات اختبار للظواهر الإدراكية التي يصفها باجلن في كتاباته فحسب، بل يشهد أيضًا على قدرة البشر على ممارسة إرادتهم ومراقبة الآلات والحكومات التي تراقبهم.
فماذا يفعل كتاب How to See Like a Machine في النهاية؟ مثل صورة في عصر الذكاء الاصطناعي، يجلس الكتاب مع جمهوره المحتمل في حالة تراكب. لمحبي باجلن، يرسم مسار أفكاره النظرية الأخيرة، رغم أن معظم جمهوره مألوف بالفعل مع هذه الأفكار. أمّا للقادمين الجدد إلى عمله، فيقدّم حجة قوية للانتقال ما وراء منظور وسطيّ معاق للعلامات. المشكلة أن معظم الخطاب يعلق داخل غرفة صدى خاصة به، وفق ما يسميه دوتي «مبدأ ماغرودر»: من الأسهل تعزيز اعتقاد مسبق عن تغييره. وعلى الرغم من بحوثه المقنعة، قد يبرهن كتاب باجلن النقطة ذاتها: أن الناس، حين يتعلق الأمر بالحقائق، يرون ما يريدون أن يروا.
فجوة الوعي الإعلامي هي، في جزء منها، موضوع باجلن ذاته. بعد تحول نموذج الإعلام حول مطلع القرن من البث والطباعة إلى الإعلام المعتمد على الإنترنت، يبدو أن المجتمع يمرّ الآن بتحوّل آخر، من الإعلام الشبكي إلى الإعلام الالِيّ. يستدعي كتابه بودكاست New Models، الذي يُضيف فيه باجلن شكرًا لمقدميه (كارولين بوستا وجوليان وادزورث، المعروف بـ «ليل إنترنت»)، حيث يصنّفون العصور الإعلامية الثلاثة بأنها «خطية» و«شبكية» و«عصبية» على التوالي. ويؤكدون أن معظم الناس غير مستعدين فكريًا وعاطفيًا لهذا التحوّل الناشئ، بل إن كثيرين منا لم يستوعبوا حتى التحول السابق.
تجعل أفكار باجلن، المجمّعة بين غلافين، مسارًا خطيًا واضحًا عبر عصرنا العصبي الفوضوي، وتشتغل في نطاق الاستيعاب الشامل الذي تظل الكتب مهيأة للقيام به حتى مع توسع دور الذكاء الاصطناعي في هذا المضمار. وما يدور حوله هذا الأمر من رهانات عميقة: فكلما حسّنت الآلات حلقات تغذيتها الخلفية، وغالبًا لأغراض استغلالية، ازدادت قدرتها على إعادة تشكيل المشهد المعرفي والعاطفي الذي تُختَبَر من خلاله الحقيقة البشرية. لا يمكن لمعظم الأعمال الفنية والكتب أن تعيد تشكيل ذلك المشهد بمفردها، لكنّها في أحسن حالاتها تمكّن البشر من رؤيته بصفاء أكبر—ومن نمذجة نوعية الوكالة والخيال اللازمين لتغييره. ومن المفارقات أنه بينما يبرز باجلن كيف يغيّر بصر الآلة أنماطنا الإعلامية، فإنه أيضًا يبيّن كيف يمكن للبصر الإنساني أن يوفّر لنا دروبًا لعبور تلك التحولات.