ثمة إحساس بدائي، أشبه بسوائل جنينية، يعتري المرء عند دخوله فضاءً خافتاً يشكل القاعة الأولى من معرض «عدة أبديّات في يوم واحد: الشكل في عصر المواد الحيّة» بمتحف هامر في لوس أنجلوس. هنا تتردّد على الجدران دفقات صوتية مطموسة تذكّر بصوت أمواج تتحطّم أو بمخلوق يتنفس؛ والهواء مشبع برائحة المطر على التراب. في هذا المكان الكهفي يصبح الماضي ملموساً للحظة في الحاضر.
هذا المشهد الصوتي واحد من ثلاث تراكيب أنشأها رافن تشاكون للمعرض. عمله Study for Vertical Earth (2026)، المثبت على حائط عبر سماعات مدمجة، يضخم ترددات تحت سمعية تنبع من عمق الأرض؛ نستقبل التسجيل الخشن والمنخفض كاهتزاز يسرِّي في الغرفة وفي الجسد. وحول الزاوية ينبع العبير من أكوام تربة طينية تصطف على المحيط لتشكّل ممرّاً من مدخل المعرض إلى أعماقه. إلى هذا التركيب الذي يوحي بالقدامة — Ch’ablin nu rayb’el Chua taj ab’ej (2026) — أضاف إدغار كاليل صخوراً مخطّطة تحمل قرابين: بقع دم أغبرّت وأغصان يوكاليبتوس جافة بلون رماد-أخضر. الجدران مطلية بغسلات صبغية شفافـة بلون الكِرتوز تشكّل سلسلة هضاب مترهّلة.
دليل الطقوس يضع تركيب كاليل عند نقطة تلاقي بين “البيوس” (الحياة) و”الجيوس” (الأرض)، أو ليكن أوضح: يبيّن أنهما وجهان لذات الشيء. عنوان المعرض مستلهم من بيت في قصيدة “كرونوس” للشاعر التشيلي نيكـانور بارّا، الذي يصوّر الزمن في تشيلي ليس دائماً متسلسلاً: أيام تطول بلا نهاية… والأسابيع تقصر.
المعرض، المستمر حتى 23 أغسطس، يضم ثمانية عشر فناناً معاصراً، كثيرون منهم من الشعوب الأصلية ومن مجتمع اللاتينيين. يكملهم أربعة فنّانين تاريخيين بأعمالهم من طباعة والسيراميك والأفلام التي ما زالت تبدو بروميثيّة، فاهتزاز الزمن يتلاشى أمامها. ذلك النهج يظهر منذ اللوحة الأولى التي يلتقيها الزائر: Presencia del Ausente (1944) لكارلوس ميريدا — صورة نابضة لشخصيات ما قبل كولومبية ملونة على خلفية كستنائي محترق، تؤسس سلالة من التجريب المادي عبر الأمريكتين.
في الجزء الأول من المعرض، الموسوم «التشكّل المتنفس، النازف، المتفكك»، تسكن عملان لکارمن أرجوتي: archetype of stillness (2026) وarchetype of touch (2026). على أوراق ضخمة بطول خمسة عشر قدماً، معاملة بالـ cochineal وعصير الليمون، نقشّت أرجوتي بصوابها وأقدامها طبقات من مهروسات الأفوكادو لتستخرج شكلين متماثلين شاهقين. الآن، وقد جف الثمر، يبرز لحم الفاكهة من السطح القرمزي في قشور متصلّبة. ومع استمرار العرض سيواصل الثمر المتعفن — كمتعاون غريب — تفكيك الورق تحته، فيتحوّل العمل مرة أخرى إلى كيان جديد. «أي شيء يتغير هو حيّ»، هكذا قال القيّم بابلو خوسيه راميريز أثناء الجولة.
فيلمان لآنا منديتا، موضوعان على حائطٍ مجاور، يصوّران الأرض ككيان حي متحوّل؛ في Grass Breathing (1974) يرتفع ويهبط رقعة عشبية كأنها تتنفس، بينما في Burial Pyramid (1974) تتدحرج صخور شاحبة على منحدر رقيق لتكشف في النهاية عن جسد الفنانة مدفوناً تحته. وفي تركيب جاكي أميزكيتا Cuerpos terrestres en fluidez (2025–26) تمتدّ أقسام من جدران طينية مضغوطة لتوسّع صورة الصخور المتساقطة إلى داخل العرض؛ عنوان العمل يؤكّد الربط بين الجسد البشري والأرض.
أعمال أخرى داخل «التشكّل المتنفس، النازف، المتفكك» تقطع هذا الخط الزمني بانفعالٍ يبعث على الدهشة. سلسلة ألوان مائية لباتريثيا دومينغيث-كلارو تُظهر شخصيات تركب طائرات مُسيَّرة وتتناقض بشدّة مع شخصيات نيريدا لوبيز غوتييريز الطوطمية المصنوعة من الخشب واللحاء والألياف النباتية المنسوجة. ما ترسمه دومينغيث-كلارو، تحييه لوبيز غوتييريز: أحد الشخصيات غير المعنونة من 2025، معروض على منصة في وسط الغرفة، يبدو نصفه إنسان ونصفه طائر، بجناح مطلي مزخرف بالريش ومخلب متقشّر وتاج ريش على رأس منحوت بدقة. وفوق، معلق من السقف، مخلوق ضخم ذو عيون مبالغ فيها وقناع ينساب منه ضفائر مرشوشة.
الفصل الثاني، «التجريد الكوني والشكل الجماعي»، يفتتح بفيلم تجميعي ساحر لسكاي هوبينكا: Mnemonics of Shape and Reason (2021)، الذي يبدو كأنّه يحرك اللوحات المحيطة: آفاق انقلبت، تضاعفت، تراكبت بألوان مشبعة؛ تتدفق المناظر أحياناً كأنهار فوق سماء متوهجة، وفي لحظات أخرى تقودك دلائل غير مرئية عبر شلالات خضراء وطرق وديان صحراوية محاطة بأشرطة ضوئية عمودية أو مبلّلة بموجات ألوان. مع كل مقطع إيقاعي، مدعوم بموسيقى تتوسّع مع صوت الطبيعة، ينهار الحاجز بين الأرضي والسماوي، بين المعروف والمجهول. الفيلم يمحو الفاصلة غير الأصلية بين المنظر والذاكرة والتصوف والتاريخ، ويُطرح أسئلة تتردد في العرض: كيف تنتقل المعرفة عبر الأرض؟ وماذا يتبدى لو تعاملنا مع الطبيعة ليس كمورد للخضوع بل كقوة حية لا تقهر؟
في لوحات سانتياغو ياهواركاني الضخمة تبرز الأرض كقوة حياة لا تُمحى؛ هو يصوغ الزمن طبقات متزامنة. عمله Cosmovisión Huitoto (2022)، المنفّذ على أكثر من أربعة عشر قدماً من لانتشاما، ليف لحاء أصيل من شمال الأمازون حيث يعيش الفنان، يدمج مشاهد من ماضٍ وحاضر ومستقبل افتراضي لشعب الهويتوتو مع شخصيات وموتيفات طبيعية وأساطيرية. بتفاصيل بوشية تشبه فناً يكاد يكون سردياً، تُرى صيدٌ وزراعة وطقوس، ومجاميع ومذابح وحرائق وذبائح؛ في المركز رؤية لإله معطٍ للحياة: شجرة شاسعة على كل ورقة عين راصدة، وفم، وأذرع ممتدة نحو الناس المتجمعين أسفلها.
الفصل الأخير «الطين وتجلي الشكل» يحتل غرفة حميمة تشبه مصلى؛ هناك صدور وتماثيل مُثنّاة بملامح محايدة لروز بي. سيمبسون مصطفة على منصتين كأنها على مذبح أسفل لوحة جدارية ثلاثية الألواح. في الطين تحديداً يتحدر أثر المعرفة الأجدادية مادياً وتقنياً: تستخدم سيمبسون الأرض عينها التي استخدمها أسلافها من بويبلو لقرون، مطوِّرة تقاليد انتقلت عبر الأجيال؛ وبذلك يصبح النحت نوعاً من التاريخ الشفهي الذي يعبر عنه اليد بدل الصوت. في وسط الغرفة تحافظ تماثيل توأمية شاهقة جداً لرافن هالفمون على أثر ضغط وتلاعب أطراف الفنان؛ السطح اللزج، الملطّخ ببقع طلاء، يجعل Soku Sahyodahney’ah (2023) يبدو كأنه ما يزال رطباً لللمس — قابلاً لإعادة التشكيل.
بالقرب من هناك يوسّع عمل إيلا تافاريس An always humid form (2024) فكرة الماديّة كأداء مستمر. داخل هيكل طيني طوطميوضع في حوض زجاجي يستقر إسفنجة من الطين على هيئة “رأس ثور” — ما يسميه الخزّافون الشكل الابتدائي الذي يُصاغ منه العمل النهائي. معلق في حالة رطوبة دائمة، يظل احتمال تحوله غير محدود. هنا يُقدّم المعرض تحدّياً جذرياً للأقطاب التقليدية — بين الحيّ والميت، بين الجسد الأرضي والإنسان — ويبدو الاقتراح مقنعاً: تخيّل العالم الطبيعي ليس كمورد سلبي بل كشريك حي يعيد ترتيب ما هو أكثر من فئات جمالية، مطلِباً علاقة جديدة ببيئتنا. عند الاستماع إلى المشهد الصوتي المحيطي لِتشاكون في الغرفة المظلمة الأخيرة المغطاة بالرمل، يصبح هذا الطرح عاجلاً، وحتى ضرورياً. وهل يتخيل التركيب ماضياً ما قبل البشري أم مستقبلاً ما بعد البشري؟ الجواب قد يتبدّل حسب المكان الذي تقف فيه على هذا المتّصل الزمني.