وفاة المخرجة مرجان ساتراپي، مبدعة «برسيبوليس»، عن عمر يناهز ٥٦ عاماً

مارجَان ساتْرابِي، الروائية المصوّرة والفنانة والمخرجة الفرنسية-الإيرانية التي صارت صوتًا مميزًا في سينما العالم بعد فيلمها الرسومي المتحرك «بيرسبوليس» الحائز على جائزة لجنة التحكيم في كان وترشيحٍ للأوسكار، توفّيت عن عمر يناهز السادسة والخمسين.

قالت عائلتها في بيان أُرسل إلى وكالة الأنباء: «ماتجان ساترابي توفيت من الحزن بعد أكثر من عام بقليل على وفاة ماتّياس ريبا، زوجها وحب حياتها». مات ريبا، المنتج والممثل والكاتب السويدي، في 8 نيسان/أبريل 2025. ونشرت ساترابي خلال الأسابيع التي سبقت وفاتها سلسلة منشورات على إنستغرام تعبّر فيها بوضوح: “لقد فقدت حب حياتي.”

عُرفت ساترابي في عالم السينما بفيلم بيرسبوليس، وهو تحويل رسوم متحركة لروايتها المصوّرة الذاتية التي شاركت في كتابتها وإخراجها مع فنسنت بارونّو. عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان كان 2007، حيث تقاسمت جائزة لجنة التحكيم مع فيلم كارلوس ريجاداس «الضوء الصامت». بصوتيات فرنسية لخيّارا ماسترويانّي وكاثرين دونوي ودانييل داريو، وإصدارة إنجليزية شملت جينا رولاندز وشون بن وإيغي بوب، سجّل الفيلم نجاحًا نقديًا وتجاريًا بارزًا، محققًا أكثر من مليون دخول في فرنسا وحدها وفائزًا بجائزة أفضل فيلم أول لدى جوائز السزار، كما ترشّح لجائزة أفضل فيلم رسوم متحركة في الأوسكار، فكانت ساترابي أول امرأة تُرشّح في هذه الفئة.

عاودت ساترابي التعاون مع بارونّو في فيلم «الدجاج مع الخوخ» (2011)، اقتباس حي لروايتها المصوّرة التي حملت نفس العنوان، وعُرض في مهرجان البندقية. أخرجت أيضًا أفلامًا منفردة من قبيل كوميديا الجريمة La bande des Jotas (2012)، وكوميديا الرعب The Voices (2014) بطولة ريان رينولدز وآنا كندريك وجما آرترتون، والسيرة السينمائية عن ماري كوري «راديوأكتيف» (2019) مع روزاموند بايك. وآخر أفلامها «عزيزي باريس» (Paradis Paris) ببطولة مونيكا بيلوتشي عُرض في مهرجان تورينو 2024.

يقرأ  بورتريهات عتيقة مذهلة من تاريخ القبائل الأمريكية الأصلية في أمريكا الشمالية— تصميم تثق به — تصميم يومي منذ ٢٠٠٧

تعيد رواية بيرسبوليس والفيلم معًا تتبّع طفولة ساترابي في ايران ما بعد الثورة، كابنةٍ لعائلة بورجوازية يسارية كانت تعارض نظام الشاه وتعرّضت للاضطهاد بعد ثورة 1979. كانت تسع سنوات حينها، واتسمت الرواية بمنظور الطفلة التي ترى وطنها يتبدّل أمام عينيها؛ اعتُقل أفراد من عائلتها وأصدقاؤها وتعرّض بعضهم للقتل. عُدّ عمّها أبوّش (أنوش) — السجين السياسي الذي كانت تحبه — أحد الذين أُعدموا ودفنوا في قبر غير معنون في ايفين.

في مراهقتها اصطدمت ساترابي بقواعد شرطة الآداب، وتعرّضت لملاحقات لتجاوزها قواعد الاحتشام وتهريبها للموسيقى المحظورة. خشية على سلامتها، أرسلتها أسرتها في سن الرابعة عشرة إلى المدرسة الفرنسية في فيينا. كانت سنوات المنفى مضطربة، تنقّلت كثيرًا وفقدت مكان إقامتها واقتُطعت فترة امتدت لثلاثة أشهر قضتها في شوارع فيينا قبل أن تطيح بها نوبة التهاب رئوي حاد وتعود بعدها إلى ايران، حيث أنهت ماجستيرًا في الاتصال البصري بجامعة آزاد الإسلامية وتزوّجت رضا، مقاتل سابق في حرب ايران والعراق. انفصلت عنه لاحقًا وعادت إلى أوروبا، واستقرت نهائيًا في فرنسا مطلع تسعينيات القرن الماضي، وحصلت على الجنسية الفرنسية عام 2006.

استنكرت الحكومة الإيرانية بيرسبوليس وضغطت بنجاح على إخراجه من مهرجان بانكوك الدولي للأفلام. وكانت فرنسا مكانَ اكتشافها لصوتها الفني: منذ عام 2000 نشرت بيرسبوليس في أربعة أجزاء عن دار النشر الباريسية L’Association، بصورٍ بالأبيض والأسود صارخة، فحكت فيها طفولتها الإيرانية ومراهقتها الأوروبية. تُرجمت إلى الإنجليزية في مجلدين (2003-2004) وأصبحت ظاهرة عالمية تُرجمت إلى أكثر من 25 لغة وبِيعت اكثر من مليون نسخة حول العالم. وفاز كتابها اللاحق «الدجاج مع الخوخ» بجائزة أنغولم لأفضل كتاب مصوّر عام 2005. كانت، على الدوام، تصر على تسمية ما تصنعه «كوميكس» لا «روايات مصوّرة»، قائلةً لصحيفة الغارديان في 2011: «الناس يخافون من كلمة “كوميكس”؛ غيّرها إلى “رواية مصوّرة” فتزول المسألة. لا، إنها كلها كوميكس.»

يقرأ  بعد ١٤ عاماً في مركز يو سي سي إيه —فيليب تيناري ينتقل إلى تاي كوان في هونغ كونغ

لم تنفصل فنون ساترابي عن مواقفها السياسية. بعد الانتخابات الإيرانية المتنازع عليها عام 2009، ظهرت أمام أعضاء البرلمان الأوروبي إلى جانب المخرج محسن مخملباف لتقديم ما قالت إنه أدلة على فوز المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي. وعندما اندلعت احتجاجات وفاة مهسا أميني عام 2022، كانت من أبرز الأصوات الفنية الدولية الداعمة للحراك الذي تقوده النساء، فأشرفت ونسّقت أنثولوجيا رسومية نُشرت بالإنجليزية بعنوان Woman, Life, Freedom لتوثيق الحركة للقراء الغربيين. وقالت آنذاك: «الثورة الحقيقية ثقافية.»

في كانون الثاني/يناير 2025 رفضت أعلى وسام فرنسي، وسام جوقة الشرف (Légion d’honneur)، مستشهدة بما اعتبرته نفاقًا فرنسيًا في التعامل مع ايران، وخصوصًا سياسات التأشير تجاه المعارضين الإيرانيين. وأوضحت: «ليس في ذلك أي فعل أو فكر ضد فرنسا. على العكس، أنا أحبّ هذه البلاد حبًا شديدًا؛ إنها بلدي.»

متقنة للغات الفارسية والفرنسية والإنجليزية والسويدية والألمانية والإيطالية، كانت ساترابي شخصية فريدة على امتداد قارتين: منفى إيراني وفنانة فرنسية، كارتونية صنعت تاريخ الأوسكار وناشطة سياسية حوّلت الحزن والغضب والذاكرة إلى فن باقٍ.

أضف تعليق