في غضون هذا الأسبوع، لم تُفضِ إجراءات دولية محدودة — من قرار فرنسا منع وزير إسرائيلي رفيع المستوى من دخول أراضيها، وعقوبات ست دول غربية على شبكات تموّل العنف الاستيطاني، واتّهامات منظمة العفو الدولية بإطلاق حملة تطهير عرقي «برعاية الدولة» تهدف إلى ضم أجزاء من الضفة الغرية — إلى ثني إسرائيل عن المضي قدماً في سياساتها على الأرض.
تقدّم مجلس الوزراء الإسرائيلي بتمويل عشرات المستوطنات الجديدة، سعى لإضفاء الشرعية على المفارَشات التي يمارس قاطنوها إرهاباً ضدّ المجتمع الفلسطيني، واتخذ خطوة لم يتبنّاها منذ نحو ثلاثين عاماً بإقامة قاعدة عسكرية دائمة داخل مناطق الضفة التي يفترض أنها تحت الإدارة الفلسطينية الجزئية أو الكاملة.
تزايد الاستنكار وتعميق الترسخ
في 9 يونيو، منعت فرنسا وزير المالية بيتزاليل سموترش من دخول البلاد، إلى جانب أربعة قادة من منظمات استيطانية و21 مستوطناً فردياً، مبرّرة القرار بترويج سموترش لسياسات ضم الضفة وإعادة توطين سكان قطاع غزة والتسريع عمداً لما وصفته بـ«الانهيار الاقتصادي» للسلطة الفلسطينية. وفي اليوم ذاته، فرضت كلٌّ من فرنسا والمملكة المتحدة وكندا والنرويج — بالتنسيق مع أستراليا ونيوزيلندا — عقوبات على شبكات تمويل العنف الاستيطاني. وفي 10 يونيو، اتهمت منظمة العفو الدولية إسرائيل بحملة تطهير عرقي مدروسة على مدى سنوات في الضفة تهدف إلى تسريع الضم؛ ونفى الجيش الإسرائيلي هذه الاتّهامات. وأمام مجلس الأمن، حذّر الأمين العام أنطونيو غوتيريش من «افتراض الإفلات من العقاب» في الأراضي المحتلة، مشيراً إلى وتيرة هجمات استيطانية «تُعدّ في المتوسط ست هجمات يومياً»، وتهجير «بمعدلات لم تشهدها المنطقة منذ 1967»، ومحاولة ضمّ يرى أنها «لا تحمل أيّ صفة قانونية».
ردّ إسرائيل جاء خلال أيام. قالت مجموعة «السلام الآن» المعارِضة للاستيطان إن الحكومة اتخذت قراراً بتمويل 69 مستوطنة في خطة تقدر قيمتها بحوالى 388 مليون دولار، متجاوزة إجراءات التخطيط المتعارف عليها. وأضافت «السلام الآن» أن الحكومة أقرّت أو شرّعت 103 مستوطنات منذ أواخر 2022، 51 منها جديدة كلياً، مع تركيز مواقع التمويل الجديدة في مناطق ذات حساسية استراتيجية مثل تلال الخليل الجنوبية ووادي الأردن.
تآكل تقسيمات أوسلو، الذي يضع منطقتي «أ» و«ب» ظاهرياً تحت سيطرة مدنية أو أمنية فلسطينية، يتسارع بشكل غير مسبوق بتدابير السلطات الإسرائيلية. وفي 11 يونيو أفادت صحيفة «هآرتس» بأن الجيش أعلن عن إنشاء موقع دائم في مخيّم جنين للاجئين — أول وجود دائم داخل منطقة «أ» منذ اتفاقات أوسلو، في منطقة يفترض أن تخضع للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية. وذكر الجيش أن الموقع سيعمل على «تنظيم انتشار القوات».
حملة تنسيق للمفارقـت؟ وغارات ليلية للمستوطنين
بينما كان المجلس يتدارس شرعنة بعض المفارَشات الأكثر عنفاً، تجلّت حملة إنشاء مفارَشات جديدة داخل الأراضي الخاضعة للإدارة الفلسطينية بوضوح شمال غربي رام الله. في دير أبو مشعل، أمضى السكان ستة أيام متواصلة في محاولة منع مستوطنين من إرساء مفارقٍ غير قانونية على تلة القَرَانة. وبعد أن هدم القرويون خيمةً استيطانية عدة مرات، أقام المستوطنون خيمة ثانية في 15 يونيو، وهاجموا سكاناً وعضو مجلس وأصابوا أربعة فلسطينيين، أحدهم في حالة خطرة، فيما أطلقت قوّات إسرائيلية قنابل غاز وطلقات حيّة، بحسب وكالة وفا وناشطين محليين.
امتدّ التمدّد الاستيطاني إلى مواقع أخرى؛ جلب المستوطنون وحدات متنقلة إلى كرميّلو شرق الطيبة، ونقلوا قوافل إلى مفترق الغرابة شمال غربي سنجل، واستولوا على مئات الدونمات في سهول جلّود وقريوت وخربة سرة جنوب نابلس، حيث أفاد ناشطون محليون بأن الشرطة منعت المالكين من الوصول إلى أراضيهم بينما تركت المستوطنين دون مساس. وتباهت مجموعات مراسلة بين المستوطنين في مَنْشور تداولته رسائل بمسميات «جولات لا تنتهي في منطقتي أ و ب» و«مفارق جديدة تنمو كالفطر بعد المطر».
الاغارات الليلية استمرت بإشعال الحرائق في الأراضي الفلسطينية. ففي 14 يونيو، هجم نحو 50–60 مستوطناً مقنعاً ومسلحاً على دير دبوان والبرقع المجاورة شرق رام الله، أحرقوا ست مركبات، وأضرموا النار جزئياً في منزل، وأشعلوا أبواب مساجد في القريتين قبل أن يطفئ السكان النيران. كما اعتدى مستوطنون على سكان وحرقوا حقول قمح قرب نابلس.
المجتمعات البدوية وتسليح المياه
تحمّلت المجتمعات البدوية والرعوية نصيب الأسد من المضايقات، وتخريب إمدادات المياه، وأوامر هدم تهدف إلى إفراغ العائلات من أرضها. وثّق ناشطون محليون صدور أوامر هدم وإيقاف عمل لثلاث عشرة منشأة في الديراة وستّ منشآت في خلة الحاموص قرب يطا، وهدم منازل عائلة الزواهرة في مخماس ومنزَل آخرين شرق يطا، وهدم مسلخ للدواجن كان يؤمّن رزق خمسين شخصاً في رأس كركر.
في 15 يونيو، هدمت القوى منزلين لعائلتين يقطنهما 25 شخصاً في منطقتي إغزيوة ومعين شرق يطا، إضافة إلى حاجز زراعي وجدار محيطي وبئر سعة 130 متراً مكعّباً، واقتلاع عشرين شجرة في ممتلكات عائلتي الرقبَع والجبّارين، وفق تقارير ومواد تصويرية للناشطين.
وتكرّر «تسليح الماء» طوال الأسبوع: قطع أنابيب تغذية مجتمعين في خان الأحمر، تلويث آبار قرب سعير، إحراق بئر يزوّد عُدلة، سرقة أنابيب قرب خزان مياه بيت لحم، ومصادرة خمس صهاريج مياه في إِذنا — مع مشاركة القوات الإسرائيلية في بعض الحالات. كما أخبر نائف خليفة قناة الجزيرة بأن مستوطنين اقتحموا منزله مجدداً في 12 يونيو، فارغين خزانات المياه ومتسببين بأضرار في البنى التحتية.
أفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (الأوتشا) أنه منذ يناير، وقع أكثر من 100 حادث ألحقت أضراراً أو دمرت أكثر من 190 منشأة للمياه والصرف الصحي في الضفة، ما قطع الخدمة عن عشرات المجتمعات في مسافر يطا.
«هدنة» قاتلة تتواصل في غزة
في قطاع غزة، وبعد ثمانية أشهر على ما يُسمّى بهدنة هشة، استمرت الضربات والقصف وإطلاق النار الإسرائيلي في قتل فلسطينيين يومياً. ارتفع عدد القتلى بعد الهدنة إلى ما يزيد على 990، وتجاوز الإجمالي منذ أكتوبر 2023 حاجز 73,000 قتيلاً.
في 14 يونيو، قُتل ما لا يقل عن أربعة أشخاص في غارة إسرائيلية استهدفت مستودعاً قرب مستشفى اليمن السعيد في جباليا. في 15 يونيو، نقلت تقارير لوكالة وفا ونشطاء محليون أن هجمات في النصيرات والزوايدة وحي الطفّاح بمدينة غزة أسفرت عن مقتل عدة مدنيين، بينهم طفلة تبلغ من العمر اربع سنوات، بينما أُبلِغ لاحقاً عن مقتل طفل مُحتَجز بعد يوم من اقتياده مع والده.
على امتداد ما يُعرَف بـ«الخط الأصفر» المتحرك الذي يحدّد مناطق السيطرة العسكرية الإسرائيلية داخل غزة، دفعت القوات، تحت نيران كثيفة، إلى التقدّم داخل حي الطفّاح صوب دوّار الصنفور، مع تقدم وحدات هندسية وجرافات، مما أثار موجة نزوح جديدة من شرق مدينة غزة، بحسب تقارير محلية.
قُتل زكي القرا، 30 عاماً، بالرصاص في 14 يونيو قرب دوار بني سهيلة، حيث كانت مركبات قد عبرت الخط. كما قُتل الطفل ريان أبو العجين، البالغ ثلاث سنوات، برصاص على مزرعة العائلة قرب الخط في دير البلح.
أفادت صحيفة هآرتس بأن مسؤولين إسرائيليين أقرّوا خططاً لاحتمال العودة إلى قتال واسع النطاق، مستندين إلى معلومات استخبارية تفيد بأن حماس أعادت بناء أجزاء من بنيتها التحتية.
في ظل استمرار قيود شديدة على دخول المساعدات إلى قطاع غزة، تتدهور الصورة الإنسانية بسرعة. وذكر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن أكثر من 70٪ من سكان غزة يعتمدون على صهاريج المياه، وأن عجز التمويل يهدد تقديم هذه الخدمة. كما انخفضت كميات الوقود الداخلة إلى القطاع إلى ما يقترب من مليون لتر أسبوعياً، وانخفض إنتاج الوجبات المطبوخة يومياً إلى النصف منذ مارس.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة أن إسرائيل تمنع خروج ما لا يقل عن 16,500 مريضاً لتلقي العلاج، من بينهم الدكتور حسام أبو صفية، الذي ظهر عبر وصلة فيديو في جلسة للمحكمه العليا الإسرائيلية، وأظهر ما وصف محاموه بـ«علامات تعذيب» بعد أكثر من 500 يوم من التوقيف.