طهران — الطريق إلى توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة كان شاقاً ومليئاً بالعقبات. الإعلان الأحد عن التوصل إلى اتفاق لا يعني بالضرورة أن المرحلة المقبلة ستكون يسيرة، حتى بعد الموعد المبرمج للتوقيع يوم الجمعة في سويسرا.
الانقسامات الحزبية لا تزال قائمة داخل إيران، ومن المرجح أن تظهر خلافاتها أثناء تنفيذ الاتفاق خلال الأشهر المقبلة. فيما يلي قراءة سريعة لمواقف أبرز الفاعلين في القيادة الإيرانية وما يَرَوْنه من شروط لحماية البلاد من ما يسميه البعض «الاستسلام» أمام واشنطن وتل أبيب.
المرشد الأعلى الجديد — مجتبى خامنئي
خلف المرشد الجديد والده القوي الذي قُتل، ويُقال إنه جُرِح أيضاً في الضربة الجوية التي وقعت في 28 فبراير. لكن ظهوره العلني ظل محدوداً، وغالب ما اقتصر على بيانات مكتوبة تُنسَب إليه؛ ولم يتبنَّ علناً موقفاً واضحاً إزاء تفاصيل الصفقة. في بياناته ركّز أساساً على الحفاظ على السيطرة على مضيق هرمز، وعلى اعتبار برامج إيران النووية والصاروخية «أمْلاكاً وطنية» لا يجوز التنازل عنها، وهو ما أثار تفسيرات متباينة لدى مختلف الأطراف.
الصحافة المتشددة — صحيفة كيهان
أشارت مقالات في صحف المحافظة المتشددة، ولا سيما كيهان التي عُيّن رئيس تحريرها قبل عقود بقرار من المرشد السابق، إلى أن المرشد الحالي تجنّب الحديث عن الملف النووي منذ توليه، ما فسّره بعض المراقبين بأن طهران تعتبر ملف النووي «مغلوقاً» ولا داعي لإعادته إلى طاولة النقاش، رغم أن الولايات المتحدة وإسرائيل حَرَفَتا هجماتهما المعلنة نحو تقييد طموحات إيران النووية. وكتبت الصحيفة أن «المنطقة تقف عند مفترق تاريخي، لا مكان فيه للضعف أو الخطأ»، مؤكدة على عدم إمكانية تجاوز خطوط حمر يُحدّدها المرشد.
الحرس الثوري وجهاز الأمن
قُتِل العديد من القادة الكبار في الحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات خلال الحرب، لكن من تبقّى منهم لا يزال له دور محوري في توجيه مسار المفاوضات مع واشنطن. قادة مثل أحمد وحيدي، وقيادات في مقر خاتم الأنبياء المركزي، أكّدوا مراراً الاستعداد لاستئناف العمليات العسكرية إذا تطلّب الأمر، لكنهم امتنعوا عن التعليق على بنود الاتفاقية نفسها. بعد عقود وصرف مليارات لبناء «محور المقاومة» ليُنافِس الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، يشدّد هؤلاء على أن طهران لن تتخلى عن حلفائها، لا سيما حزب الله في لبنان، وأن أي تفاهم يجب أن يحمي هؤلاء الشركاء ويأخذهم بالاعتبار.
ظهور إسماعيل قاآني
ظهر قائد قوة القدس إسماعيل قاآني علناً للمرة الأولى منذ أشهر ليعلّق على الاتفاق، مشدداً على أن مضيق باب المندب «في أيدي جماعه حزب الله والأنصار الله في اليمن، وحتى بعض رفاق ومَن ينتمون للمقاومة ليسوا يمنيين»، في إشارة إلى الممر الاستراتيجي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، والذي هددت إيران بإغلاقه إذا استمرّت الحرب. كما أعرب قاآني عن دعم واضح لمحمدباقر قاليباف وفريق التفاوض، بعد أن تعرّضوا لانتقادات من أجنحة متشددة لانسجامهم مع بنود الاتفاق.
قاليباف وزملاؤه
قاليباف، رئيس البرلمان الحالي، الذي كان ضابطاً بارزاً في الحرس الثوري قبل دخوله الحياة السياسية، يُعتبر من وجوه المحافظة البراغماتية داخل المؤسسة، وقد دافع عن سعيه لإبرام صفقة قد توفر مكاسب ميدانية قابلة للقياس. وفي رسالة مقتضبة عبر التلفزيون الرسمي بعد هدنة أبريل، قال إن الولايات المتحدة وإسرائيل أقوى عسكرياً من إيران، وبالتالـي لا يمكن «قَضْمُهُما»، لكن الوصول إلى تفاهم مفيد ممكن إذا تُحَقّقت مكاسب على الأرض. أمّا الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي، الجنرال محمدباقر زُلْغدر، فكتب سابقاً أن طهران لن تتراجع، ومع ذلك صوَّت المجلس أخيراً على المصادقة والإعلان عن تفاهم مُشترك مع واشنطن.
المتشدّدون
أبدى عدد من المتشددين غضبهم من احتمال توقيع اتفاق مع رئيس الولايات المتحدة الذي يحمّلونُه مسؤولية ما يرونه «ضوءاً أخضر» لاغتيالات قيادية، من بينهم القائد الراحل قاسم سليماني. يرى هؤلاء أن طهران لا يجوز أن تمنح أي تنازل جوهري بشأن برنامجها النووي، وأن تظل مسيطرة على مضيق هرمز، بل وتفرض رسوماً على العبور والخدمات البيئية، وأن تواصل السعي لطرد القوات الأمريكية من المنطقة. يضم هذا المعسكر كتلة كبيرة من نواب البرلمان ومن فصائل مرتبطة بجبهة پایداري التي يقودها سعيد جليلي، الذي له سجل طويل من المفاوضات الفاشلة مع الغرب ويُعدّ من أبرز معارضي الصفقة. ترددت شائعات قبل إعلان الاتفاق بأن جليلي جرى تهميشه، ولم تُؤكّد الجهات الرسمية ذلك. كما حافظت وسائل إعلام مقرّبة من الحرس مثل تسنيم وفارس ومهر على خط تحريري معادٍ للولايات المتحدة.
الحكومة والإصلاحيون
فقدت الحكومة الحالية بقيادة الرئيس مسعود بيزشكيان جزءاً كبيراً من نفوذها في السنوات الأخيرة مع تصاعد نفوذ المتشدّدين خارج أروقة السلطة التنفيذية، لكن بيزشكيان، الذي يُعتبر وسطياً نسبياً ومؤيداً للاتفاق، يظل بحكم القانون رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي. موقفه قد يكون حاسماً في كيفية تحويل الاتفاق إلى واقع عملي أو إبقائه عرضة للتقويض السياسي داخل النظام. قال في كلمة ألقاها أمام حشد في طهران الأسبوع الماضي إن على إيران أن تضع حداً للحالة الضارة الراهنة الموصوفة بـ«لا حرب ولا سلام» مع الولايات المتحدة.
كما أن له في المجلس عدة وزراء رئيسيين لهم حق التصويت، من بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي أيّد تسوية تفاوضية تحفظ مصالح إيران، ولا سيما عبر رفع العقوبات.
ثم هناك الإصلاحيون والمعتدلون، مثل الرئيسين السابقين حسن روحاني ومحمد خاتمي، وكذلك وزير الخارجية السابق جواد ظريف، الذين تهمّشوا إلى حد كبير في السنوات الأخيرة بعد مغادرتهم مواقعهم الحكومية.
لقد كرّروا تأييدهم لمسار التفاوض كطريق لإنهاء العداوات وفتح الاقتصاد الإيراني المتعثر، سعياً لإنقاذ البلاد من الانزلاق نحو الانهيار المحتمل.
«الآن هو وقت الدعم الموحد من الشعب — سواءً من أنصار النظام أو منتقديه — ليتّحدوا في دعم المفاوضات والمفاوضاين، والمضي قدماً نحو اتفاق وسلام دائم وحياة خالية من الخوف والحرب»، قال خاتمي عقب الإعلان عن مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة.