محاضرة الأداء الشكل الفني الأمثل لعصر المؤثرين

على اليمين من المسرح وقف رفّ مملوء بأزياء رقص الأطفال: التُلّ، اللمعان، الطيات المتدلية. انطفأت الأضواء، ولما عادت لتسطع كانت الفنانة مايا مان قد اتخذت مكانها. قالت مان بابتسامة حائرة: «لطالما رغبت أن أكون راقصة. انظروا إليّ الآن، أفعل… هذا النوع من الأداء».

في منتصف مايو قدمت مان عرضها StarQuest في مركز روتليت للأداء ببروكلين؛ عرض يجمع بين المحاضرة والأداء نشأ من عرضها السابق «StarPower». كان المسرح ممتلئاً عن آخره لدرجة أن إيفانا داما، المديرة المؤقتة لمنظمة Harvestworks الشريكة في رعاية الحدث، لم تكف عن الإشارة إلى دهشتها من نفاد التذاكر في ملاحظاتها التقديمية. ما يجذب الانتباه، مع ذلك، أن صيغة «المحاضرة-العرض» تتحول تدريجياً إلى وسط فني شائع يتبنّاه فنانون من خلفيات متنوعة ويحققون من خلالها نجاحات لافتة.

مقالات ذات صلة

من بين النجاحات البارزة مؤخراً: عرض مندي سيو A Sexual History of the Internet الذي يجول منذ سبتمبر، مع 13 عرضاً دولياً وبتوابع مبرمجة في نيو دلهي وبريسبان ولوس أنجلوس للمرة الثانية. أيضاً، أخذ كيفيّة العرض-المحاضرة منحىً شيقاً لدى نقّاد صاروا أيضاً مؤدين وفنانين؛ مثل جيديون جاكوبس وجوشوا سيتاريلا. أقام جاكوبس محاضرة-عرض في Giorno Poetry Systems في مايو، وسُجّل تسجيل حي لبودكاست سيتاريلا Doomscroll ضمن مشاركته في بينالي ويتني 2026. كما نظمت المؤثرة ماكنزي توماس عرضاً طويلاً بعنوان I Said What I Said في لوس أنجلوس ولندن ونيويورك أمام جماهير ممتلئة.

فما الذي يجعل هذه الصيغة جذابة لهذه الفئة من المؤدين ولجمهورها اليوم؟ المؤدّي يصعد على المنصة ويخاطب وجوهاً معتمة: هذا أنا، هذا ما فعلته، وهذا ما أعتقده. ألا يشبه ذلك تشغيل الكاميرا الأمامية والتكلّم مباشرةً إلى الجمهور الرقمي؟ المحاضرة-العرض قد تكون أقرب ما يكون إلى مرآة لمحتوى نستهلكه عبر الإنترنت.

جيديون جاكوبس يؤدّي في Giorno Poetry Systems أوائل مايو. (تصوير: شانتّي إسكالانتي-دي ماتّاي/ARTnews)

يقرأ  دار كريستيز تظفر بمقتنيات نيوهاوس بقيمة ٤٥٠ مليون دولار تتصدّرها أعمال بوللوك وبيكاسو وبرانكوزي

ليس من قبيل الصدفة أن هؤلاء الفنّانين يمتلكون جماهير إلكترونية كبيرة تتراوح بين عشرات إلى مئات آلاف المتابعين. أعلنت سيو مؤخراً أنها تمثّلها وكالة Figures.company، وهي وكالة تعمل مع ما يُسمّى بـ«النفوذ البديل» — تسمية تشمل صانعي الذوق والمفكرين العامّين وأخصائيي التغذية ومؤسسي الشركات الناشئة. سيو نفسها جاءت من خلفية تصميمية. سيتاريلا يراوح أيضاً بين وصفه كفنان ونفوذ إلكتروني؛ ورغم نقد بن ديفيس له بأنه «انسحب تقريباً من صناعة الفن» وترك «الفن كموضوع» لمتابعة بودكاسته السياسي، فقد أُدرج اسمه كمشارك في المعرض، دون وجود «غرض فني» بالمعنى التقليدي سوى بطاقة تعليق معلقة في الردهة تفيد بأنه سيجري تسجيل حلقات Doomscroll في المتحف.

في المقابل، كل من مان وجاكوبس كانا يحلمان بالتمثيل والأداء منذ الطفولة ووجدا مسارات بديلة لتحقيق شغفهما بعيداً عن المسارات التقليدية. (ومن الجدير بالذكر أن جاكوبس عمل بانتظام كممثل في طفولته، وظهر في أفلام مثل Home Alone 4 وWet Hot American Summer.) تبدو توماس أقرب إلى صنف المؤثر-الممثل-الكوميدي الطامح أكثر من كونها فنانة تقليدية، لكن محاضرة-العرض تشكّك في تصنيفات المنتج الإبداعي على أساس الوسيط. استمرت أداءات توماس أربع ساعات، تضمنّت مقالات شخصية متعددة وقراءة لكل تغريدة نشرتها خلال 2025 — وهو ما يرفض التصنيف السهل، فلماذا لا نسمّيه فناً؟

لا تُعدّ مرونة محاضرة-العرض وما قد تثيره من انزعاج أمراً جديداً. فالصيغة — أو ربما الجنس الأدبي؟ — لم تكتف بطمس الفاصل بين المحاضرة (التعليم) والعرض (الفن)، بل منحت الموضوعات قدرة على تعقيد تسميات مخرجاتها الإبداعية. روبرت موريس، الذي شاع استخدام هذه الصيغة في الستينيات، كان مثالاً للفنان الذي يتجاوز التصنيفات؛ صنع منحوتات بالجسد والمواد وفن الأرض والعروض، وكان ناقداً فاعلاً أيضاً. يُعدّ عرضه-محاضرته 21.3 (1964)، حيث يحاكي مقطعاً لمدوّن فن إيرفين بَانُوفْسكي بصيغة لِبّ سينك، نموذجاً كلاسيكياً للصيغة وأثارت حوله جدلاً حاداً.

يقرأ  ديانا روس: أداء متسامٍ يخطف الأنفاس في أسبوع ميامي الفني

كما يوثّق المؤرخ الفني توم هاستينغز في مقالة 2021 عن موريس، أن معرضه الاستعادي عام 1994 تعرّض لانتقاد روبيرتا سميث في نيويورك تايمز بوصفه «غريباً غير مرتبط» ومبالغاً في «التفصيلية». دفع ذلك إلى مائدة مستديرة نظمتها مجلة October لمناقشة عمل موريس وتقييم إنتاج تلك الفترة الطليعية في الستينيات. عندها وصفته النقّادة سيلفيا كولبوفسكي بأنه «يتملّق لكل تحول ثقافي»، واستنتج هاستينغز أن موريس يمثل تسلل النقد داخل الفن — ظاهرة متماهية مع صناعة الفن في الستينيات ولا تزال تطارد استقبالها. هذا التسلل واضح في بنية محاضرة-العرض نفسها، التي توجّهت لتصبح شكلاً متماثلاً للفن عبر «تشكيل منهج المؤرخ الفني»، على حد قول هاستينغز.

بالطبع، ما نواجهه اليوم هو نوع مختلف من النقد: ذروة عصر النقد التقليدي تراجعت، وحلّ مكانها خطاب جماهيري واداء متفلّت عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الخطاب المستمر تجاه الجمهور — الضروري للبقاء على المنصات — صار فناً بحد ذاته. ضمن هذا السياق، تتلاشى الفروق بين الوسائط والأنواع حين يُفرض علينا تحويل إنتاجنا الثقافي إلى خطاب مباشر. ومع ذلك، ليس كافياً صناعة المحتوى لتَعتَبَرَ فناناً— لذا نؤديه مباشرة. هذا ما سمّاه الفنان براد تروميل «الجماليات الرياضية» في مقالة مؤثرة عام 2013: فنانون يقصفون الإنترنت بمنشوراتهم، ومع اتساق النشر تتحول عملية تسييل الذات المستمرة إلى المَدَرسَة الفنيّة نفسها؛ العلامة الشخصية تصبح العمل. ولكن عصر النشر بوصفه فناً انهار جزئياً، إذ يصعب التمييز بين النشر كمحتوى والنشر كفن؛ وعلى الرغم من ذلك ظلّ التمييز وسيلة لصنع المعنى. وما يثير الاهتمام هنا هو المقترح أن تسهيل تأطير أداء زائل كعمل فني يَجْري أكثرَ مما يحدث مع أثر رقمي بسيط كتغريدة.

وهنا يُضاف بعد ثانٍ في فعالية محاضرة-العرض، خصوصاً للفنانين الذين يعملون بالتقنية والإنترنت كموضوع ووسيط — وهو ما أرى أنه ينطبق على كل الفنانين المذكورين. أثناء تقريري عن الفن الرقمي ظهر لي أن هذا النوع من الأعمال يحتاج إلى شرحٍ مزدوج: شرح فني تقليدي نجده في نص الجدار — ماذا يعني العمل؟ ماذا يفعل؟ — وشرح تقني يوضّح ماهية التقنية وكيفية عملها حتى يتمكّن الجمهور من فك شفرة استخدام الفنان لها كتعليق أو كأداة.

يقرأ  النهج الأمثل لأتمتة منظومة إدارة التعلم لديك

في عمل مايا مان StarQuest (2025) تصبح المحاضرة-العرض وسيلة لتعليم الجمهور خطوات العمل باستخدام برمجيات التوليد الآلي للفيديو. سميت الأداء تيمناً بعمل درّبت به نموذجاً مولّداً على حلقات من برنامج الواقع Dance Moms، ثم استخدمت نصوصاً لتوليد فيديوهات شبيهة تبدو مزعجة أحياناً: فتيات صغيرات يرقصن ويبكين ويعترفْن بفشلِهن في مقابلات. خلال العرض شرحت مان كيفية تدريب النموذج، إعداد لائحة لقطات للمشاهد التي رغبت في إنتاجها، المحثّات التي فشلت، والطبيعة الإدمانية لتوليد مقاطع تلو الأخرى عبر تعديل كلمة أو عبارة. هذا الكشف وراء الكواليس رُصِد بجانب رحلتها الشخصية كراقصة تنافسية، رحلة شكلتها وأعدّتها لأداء الذات على الإنترنت. في نهاية العرض تجسّد مان نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية، رأت في تحديثاتها المستمرة وتدريبها وسعيها لنتائج أقرب إلى المصداقية انعكاساً لعملية التصحيح الذاتي المستمرة لدى الشابات اللواتي يؤدين على المنصات. وللشكوكيين حيال الذكاء الاصطناعي، قدّمت محاضرة-العرض وسيلة تعليمية تزيل بعضاً من الغموض المصاحب لوسيط كثيراً ما يُربط بالتلقائية والاختصارات والغش.

الماديّة الرقمية والتقنية والقائمة على الشاشة تبدو وكأنها تقع بين زوالية التجربة والكلام والأداء من جهة، ومتانة غرض مثل لوحة أو تمثال من جهة أخرى. ما تحاوله محاضرة-العرض، بصيغتها التي تحاكي الخطاب المباشر في التواصل المعاصر، هو فكّ طلاسم وسط غالباً ما يرفض أن يتجسّد كسلعة قائمة بذاتها تمثّل الفنان. ومن يدري — مع تراكم محاضرات-عروض كافٍ قد نصل يوماً الى عصر تُعتبر فيه الآثار الرقمية أعمالاً فنية تقليدية. وحتى ذلك الحين، استمروا في الحديث.

أضف تعليق