في مراسم التوقيع على اتفاقيّة الإطار بين إسرائيل ولبنان في واشنطن يوم الجمعة، وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الاتفاق بأنّه «بداية البداية». كان تأكيده مصحوبًا بتحفّظات حول مقدار العمل المتبقي، قائلاً: «هناك عمل كثير أمامنا. اليوم هو الخطوة الأولى، والمرّة الأولى تكون أحيانًا الأصعب».
الولايات المتحدة وسّطت المحادثات المباشرة التي انطلقت في أبريل، وهي أيضًا إحدى دول التوقيع على ما يُصنّف رسميًا كاتفاق ثلاثي. ومع ذلك، لم يُنشر نصّ الاتفاق رسميا، وتستمر إسرائيل في احتلال مساحات واسعة من جنوب لبنان. في الوقت نفسه، تبدو إسرائيل راغبة في الاحتفاظ بخيار توسيع أو استمرار الهجمات في حال رأت ذلك ضروريًا.
منذ أكتوبر 2023 تُقاتل إسرائيل جماعة حزب الله اللبنانية الموالية لإيران على مستويات متفاوتة من الشدة، ومنذ مارس قُتل أكثر من أربعة آلاف شخص في لبنان نتيجة العمليات القتالية.
ما نعرفه عن محتوى الاتفاق
في بيان له قال روبيو إن الاتفاق «يرسّخ عملية واضحة ومهيكلة لاستعادة سيادِة لبنان، ونزع سلاح [حزب الله] وتفكيك بنيته الإرهابية، وتمكين إسرائيل من العودة إلى حدودها فور زوال هذا الخطر عن مواطنيها». وأضاف أن الاتفاق يتيح إنشاء مجموعة تنسيق عسكري ثلاثية للبنان تُسهِم في تنفيذ إطار العمل بين الطرفين.
من جهته كتب رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على وسائل التواصل أن الاتفاق يهدف إلى «تحقيق انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية». لكنه أضاف أنه في جوهره يُعدّ استمرارًا لاتفاقات سابقة وقرارات للأمم المتحدة تنصّ على أن الجيش اللبناني يحتفظ بالسلطة على كامل الأراضي اللبنانية — وهو موقف يشكّل تحديًا لكلّ من إسرائيل وحزب الله.
ظهرت تقارير صحافية أفادت بتفاصيل إضافية من نص الاتفاق. ذكرت صحيفة هآرتس أن إسرائيل وافقت على الانشحاب من منطقتين في جنوب لبنان: إحداهما شمال «الخطّ الأصفر» — وهو نطاق عسكري تسيطر عليه إسرائيل ويمتد نحو عشرة كيلومترات داخل لبنان تقريبا — والأخرى داخل الخطّ الأصفر. ونقلت وسائل إعلام أخرى مثل Axios تفاصيل مماثلة ووصفت المناطق بأنها «مشاريع تجريبية» ستنتشر فيها قوات الجيش اللبناني فور انسحاب القوات الإسرائيلية. الجزيرة لم تتمكن من تأكيد هذه التفاصيل، فيما نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفياً لهذه التقارير.
الوضع العسكري في لبنان
دمّرت الضربات الإسرائيلية قرى وبلدات في جنوب لبنان، حيث ركّزت معظم هجماتها، كما ضربت العاصمة بيروت وسهول البقاع الشرقية في أسابيع متتابعة بزعم استهداف بنى تحتية تابعة لحزب الله. هدأت حدّة المواجهات جزئياً بعد تهدئة اتُّفِق عليها في مفاوضات سابقة بواشنطن، لكن إسرائيل لم تُوقف هجماتها بالكامل وتستمر في احتلال نحو خُمس مساحة لبنان تقريبًا.
في يوم توقيع اتفاق الإطار قُتل شخصان بحسب تقارير في غارة جوية إسرائيلية على بلدة ميفدون، وشُنّت ضربات أيضًا على بلدة نبطيّة الفوقا، بينما وزّع الجيش الإسرائيلي منشورات يُطالب فيها سكّان بلدة المنصوري بالمغادرة. استمر تبادل النيران بين مقاتلي حزب الله وقوات إسرائيل على نحو متقطع. في المقابل نفى مصدر عسكري لبناني لِـ«الجزيرة» أن تكون إسرائيل قد تقدّمت نحو مرتفعات علي الطاهر في جنوب البلاد مؤكّدًا عدم حصول أي تقدّم إسرائيلي هناك.
هل يقود الاتفاق إلى السلام؟
السؤال مقسّم إلى جانبين: إسرائيل في حالة نزاع مع الدولة اللبنانية وحزب الله في آن واحد. وعلى الرغم من كونهما جارين، ظلت لبنان وإسرائيل في حالة حرب منذ عام 1948 مع قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية؛ وخاضت إسرائيل حروبًا عدة ضد لبنان واحتلّت أجزاءً من جنوبه بين 1982 و2000.
صاغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منطق الحرب بوصفها وسيلة لحماية شمال إسرائيل من الهجمات، مؤكّدًا أن قوات بلاده لن تنسحب «طالما لم يُنزع سلاح حزب الله وطالما بقي هناك تهديد لدولة إسرائيل». من جهته اعتبر الرئيس اللبناني ميشال عون أن اتفاق الإطار «خطوة أولى على طريق استعادة لبنان سيادته على كامل أراضيه» وأنه «بداية طريق عودة النازحين إلى بلداتهم المحرّرة تحت سيادة الدولة اللبنانية».
لم يشارك حزب الله في المفاوضات بواشنطن، لكنه يظل لاعبًا مؤثرًا على أي اتفاق حتى إن غاب عن طاولة التفاوض. يتمسّك الحزب بمطلب انسحاب إسرائيلي غير مشروط، وصرّح أمينه العام نعيم قاسم بأنه لا ينبغي أن يكون هناك «تطبيع» مع إسرائيل. موقف الحزب يقوم على عدم ثقة بإسرائيل وضرورة الاحتفاظ بالسلاح لمواجهة إسرائيل إذا عجز الجيش اللبناني عن ذلك؛ وفي هذا السياق حذّر النائب حسن فضل الله من أن أي محاولة للجيش اللبناني لفرض اتفاق بوساطة واشنطن قد تُفضي إلى «حرب أهلية».
أما بعض المسؤولين الإسرائيليين، ومن بينهم وزير المالية بيتسلئيل سموتريتش، فأشاروا إلى احتمال بقاء إسرائيلي طويل الأمد في جنوب لبنان. قال سموتريتش: «نحن هناك حتى ينزع حزب الله سلاحه، وربما بعد ذلك أيضًا لأننا بحاجة إلى حدود قابلة للدفاع».