توصلت إسرائيل ولبنان إلى إطار اتفاق جديد مساء ٢٦ يونيو ٢٠٢٦ بعد أربعة أيام من مفاوضات ماراثونية في واشنطن برعاية الولايات المتحدة، في محاولة لوقف الصراع المستمر منذ شهور.
تحتل إسرائيل نحو عشرين في المئة من الأراضي اللبنانية جنوباً، وقد أسفرت العمليات القتالية منذ اندلاعها في ٢ مارس عن مقتل أكثر من أربعة آلاف شخص. جولة سابقة من القتال انتهت بوقف لإطلاق النار في نوفمبر ٢٠٢٤، لكن الهجمات الإسرائيلية شبه اليومية وامتداد الاحتلال خالفت بنود ذلك الاتفاق.
الإطار الجديد لا ينص صراحة على انسحاب القوات الإسرائيلية، بل يربط الانسحاب بعملية نزع سلاح حزب الله، وهو شرط ترفضه الحركة المدعومة من إيران رفضاً قاطعاً. ناصر قاسم (نایم قاسم) زعيم حزب الله رفض السبت ما وصفه بأنه «باطل ولا يجوز»، مؤكداً أن الحزب يصرّ على أن تنهي إسرائيل احتلالها أولا قبل أي تفاوض آخر.
مؤيدو حزب الله خرجوا إلى شوارع العاصمة بيروت مساء الجمعة للاحتجاج على الصفقة، وأغلقوا طرقاً وأحرقوا إطارات رفضاً لما وُقّع في واشنطن.
ما الذي يتضمنه الإتفاق؟
بعد توقيع الاتفاق الثلاثي في واشنطن، نشرت وزارة الخارجية الأميركية نص الإطار الذي يحدد «عملية متسلسلة» تعيد بموجبها الجيش اللبناني السلطة السيادية الفعّالة على كامل التراب اللبناني، شريطة التحقق من نزع سلاح «المجموعات المسلحة غير التابعة للدولة» — في إشارة واضحة إلى حزب الله.
النص لا يأمر بانسحاب إسرائيلي فوري من الخُمس من الأراضي اللبنانية التي تحتلها؛ بل يتحدث عن «انسحاب تدريجي» وتقديم منطقتين «تجريبيتين» تتولّى فيهما القوات اللبنانية تدريجياً المسؤولية الأمنية الكاملة والفعّالة.
قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لاحقاً إن إحدى المنطقتين التجريبيتين جنوب نهر الليطاني وخارج منطقة الأمن كلياً، والأخرى شمال الليطاني — منطقة صغيرة ضمن نطاق الأمن الموسع الذي سيطرت عليه القوات الإسرائيلية خلال الأسبوعين الماضيين، والتي تقول القوات الإسرائيلية إنها «لا تحتاجها».
وينص الإطار على أنه متى تحققت هذه الشروط «سيتمكن المدنيون اللبنانيون من العودة بأمان إلى هذه المناطق تحت السيطرة الحصرية لسلطات الدولة اللبنانية». أكثر من ١.٢ مليون شخص نزحوا قسراً منذ بدء القتال.
تقول إسرائيل إن إعادة جنوب لبنان إلى سيطرة الحكومة اللبنانية بنجاح من شأنها «إبطال أي حاجة مستقبلية لوجود أو عمل عسكري إسرائيلي في لبنان» وتصرّح بأنها «لا تطمح إلى أراضٍ لبنانية». من جهتها، وقعّت الحكومة اللبنانية نصاً ترفض فيه «ادعاءات أي دولة أو جهة غير دولة باستخدام القوة نيابةً عنها دون تفويضها الصريح»، معتبرةً مثل هذه الهجمات «غير قانونية ومخالفة للمصالح الوطنية اللبنانية».
كيف تفاعلت الأطراف مع الإتفاق؟
إسرائيل
أصدر نتنياهو بياناً مصوراً بعد إعلان الاتفاق، شدد فيه على أن الإطار سيتيح للجيش الإسرائيلي البقاء في الأراضي اللبنانية المحتلة. وقال: «سنحافظ على منطقة العازلة حتى ينزع حزب الله سلاحه وطالما يوجد تهديد لدولة إسرائيل».
يشكل الاتفاق انتصاراً جزئياً ووقتياً لنتنياهو في الداخل، الذي واجه انتقادات حادة بعد تهميش إسرائيل خلال توقيع مذكّرة التفاهم في إسلام أباد بين الولايات المتحدة وإيران، التي تطالب أيضاً بوقف الأعمال العدائية في لبنان.
لبنان
أعرب الرئيس جوزيف عون عن شكره لترامب ولوسطاء إقليميين بعد توقيع الاتفاق الثلاثي، واعتبره «الخطوة الأولى على طريق استعادة سيادة لبنان». وذكر بيان رئاسة الجمهورية أن الإطار «يضمد الطريق لتثمر تضحيات اللبنانيين كي يعودوا إلى أراضيهم محرّرة بالكامل».
مع ذلك، لم تخفِ هذه التصريحات التوتّر في العاصمة، حيث تظاهر أنصار حزب الله وحرقوا إطارات وأغلقوا طريق المطار احتجاجاً على الاتفاق.
حزب الله
رغم أن حزب الله لم يكن طرفاً في المفاوضات ولا حاضراً على طاولة التوقيع، فإن موقفه وسلوكه هما العامل الحاسم في تحديد مسار النزاع مستقبلاً. ندّد نایم قاسم بربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة، واعتبر ذلك «مقترحاً خطيراً يتجاوز كل الخطوط الحمراء». وصف الإطار في واشنطن بأنه «مهين ومذل وتسليم للسيادة».
وطالب بأن يُستبدل هذا الإطار بمذكّرة التفاهم الإيرانية‑الأميركية الموقعة في ١٥ يونيو، التي نصّت على «وحدة وسلامة أراضي لبنان وسيادته» — عبارة مماثلة وردت في نص الإطار.
وحذّر نواب وممثلو الحزب، منهم حسن فضل الله، من أن تطبيق الإطار بالقوة، وبمساندة أميركية، قد يدفع البلاد إلى نزاع داخلي. وقال قاسم في خطاب تلفزيوني قبل التوقيع إن الحزب سيحتفظ بسلاحه ويكون على أهبة الاستعداد لمواجهة إسرائيل لحماية لبنان إذا عجزت الدولة عن ذلك.
الولايات المتحدة
أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تقديم منحة فورية بقيمة ١٠٠ مليون دولار لمساندة الإغاثة الإنسانية بالتنسيق مع الأمم المتحدة. وفي مراسم التوقيع بوزارة الخارجية بدا روبيو واعياً لمحدودية نطاق الاتفاق، واصفاً إياه بأنه «بداية البداية». وأضاف: «هناك عمل كثير يجب أن يُنجز».
الخلاصة
يبقى الإطار خطوة دبلوماسية مهمة لكنها ناقصة: فهو يرسم منهجية لإعادة السيادة اللبنانية تدريجياً، لكنه يربط ذلك بشروط — أهمها نزع سلاح حزب الله — الذي يرفضها الطرف الأساس في النزاع. نجاح الاتفاق أو فشله مرتبط بالتطورات الميدانية وموقف الفاعلين الإقليميين والدوليين، وبدرجة قدرة الدولة اللبنانية والهيئات الدولية على تنفيذ بنود النص والمحافظة على أمن المدنيين وإعادتهم إلى ديارهم. «لن نقلل بأي حال من الأحوال من صعوبة المهمة المقبلة، لكننا ندرك مدى أهميتها وحيويتها، ويشرفنا أن نكون قد ساهمنا في جمع الأطراف معاً»، قال ذلك مع اعتراف صريح بالتحديات.
اتفاقان لوقف إطلاق النار توسطت فيهما واشنطن في السابق فشلَا في وقف القتال في لبنان، وكذلك مذكرة تفاهم اسلام آباد التي وقعها الرئيس ترامب ونظيره الإيراني مسعود بيزشكيان في وقت سابق من هذا الشهر.
رد طهران الرسمي لم يظهر بعد بشأن الاتفاق، لكن وسائل الإعلام الحكومية انتقدت الصفقة بشدة. وذكرت وكالة فارس أن الاتفاق في جوهره يسمح للولايات المتحدة لإسرائيل بانتهاك البند الأول من مذكرة تفاهم اسلام آباد، الذي طالب بوقف الأعمال العدائية على كافة الجبهات، بما في ذلك لبنان.
هل يتعارض اتفاق إسرائيل ولبنان مع مذكرة تفاهم إسلام آباد؟
المحلّلون يشيرون إلى تناقضين مباشرين بين الاتفاق الأولي الموقع بين الولايات المتحدة وإيران، والاتفاق الأخير بين إسرائيل ولبنان. باختصار، تنص مذكرة تفاهم اسلام آباد على إنهاء الأعمال العدائية على كل الجبهات بلا شروط — بينما يربط اتفاق إسرائيل ولبنان وقفاً مماثلاً بتفكيك سلاح حزب الله.
إسرائيل لم تلتزم بأي من اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة، واستمرت في تصعيد هجماتها على الأراضي اللبنانية. وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام أن تقاطع حديقة الملاهي «الفراح» في النبطية الفوقا استُهدف بضربة لطائرة إسرائيلية مسيّرة يوم السبت.
ومنذ بداية الحرب على إيران قبل أربعة أشهر، قتلت إسرائيل ما لا يقل عن 4,192 شخصاً في لبنان.
ثانياً، مذكرة تفاهم اسلام آباد لا تشير أو تذكر أي من الفصائل المسلحة المدعومة من إيران ضمن البنود المدرجة للتفاوض من أجل إنهاء الحرب. تهاني مصطفى، زميلة زائرة في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، قالت للجزيرة إن إسرائيل وواشنطن «ستستغلان بالتأكيد رفض حزب الله نزع السلاح وال capitulate لإلقاء اللوم عليه في إفشال العملية برمتها». وأضافت أن إسرائيل «أثبتت أيضاً أنها تتصرف بسوء نية، وهذا لا يمنح حزب الله أي ثقة للانسحاب المسلح أو الاستسلام كما يُطالبون».
ولم تخلُ واشنطن من المسؤولية، بحسب مصطفى، مشيرة إلى أن «المفاوضين الأمريكيين يعملون بنشاط خلف الكواليس لمحاولة فصل لبنان عن إيران». وأضافت: «ما حصل حقاً هو محاولة إسرائيليين وأمريكيين للطهو خلف الكواليس ومرة أخرى تمييع المسؤولية عن فشلها».
المشيعون يضعون أكاليل على قبر الجندي الإسرائيلي ألكسندر فيلين، الذي أعلنت القوات الإسرائيلية أنه جرح ثم توفي في هجوم تفجيري نسب إلى حزب الله في جنوب لبنان، في حيفا، إسرائيل، 21 يونيو 2026 [شِير توريم/رويترز]
هل يمكن أن ينجح اتفاق إذا رفض حزبالله؟
ليست هذه المرة الأولى التي تُطرح مسألة نزع سلاح حزب الله على الطاولة، والتحديات نفسها لا تزال قائمة. الاتفاق الذي تم عام 2024 دعا أيضاً إلى نزع سلاح حزب الله، لكنه تعذّر لأن إسرائيل استمرت في قصف لبنان ورفضت سحب قواتها، مخترقةً نصوص الاتفاق.
ألون بينكاس، سفير وقنصل سابق لإسرائيل في نيويورك، قال إنه «متشكك جداً ويشكّ في إمكانية نجاح ذلك» لأن الاتفاق يتم بين إسرائيل ولبنان بوساطة الولايات المتحدة؛ والقضية هنا هي حزب الله. وربط إيران صراع لبنان بنضوج اتفاق مع الولايات المتحدة «يزيد الأمور تعقيداً» لأن نتنياهو قال إن إسرائيل لن تقبل بأي ربط مع إيران وأنها ستدافع عن نفسها في لبنان.
قال علي هاشم من الجزيرة إن الاتفاق يمثل «تهديداً وجودياً» لوجود حزب الله. وأضاف: «بدون موافقة حزب الله، هذا لن يتم. سيكون وصفة لتصعيد جديد. الحكومة اللبنانية غير قادرة على فرض هذا الاتفاق؛ فهي ليست القوة المهيمنة على الأرض.»