في فيلم “بيت الأمل” الوثائقي، تنهار منار وهّاب في زاوية من صف دراسي في المدرسة التي أسستها هي وزوجها في الضفة الغربية المحتلة. الكاميرات لا تتوقف عن التصوير.
تقول المخرجة مارجولين بوسسترا لـ”الجزيرة”: “الدخول إلى حياة شخص ما بالكاميرا في لحظة ضعفه أمر غير مريح قليلاً، لكننا اتخذنا القرار معاً بمواصلة التصوير في تلك اللحظات. أردت أن يكون الجمهور معهم هناك.”
الفيلم يتابع منار، وهي امرأة فلسطينية أسست مدرسة “فالدورف” مع زوجها ميلاد فوسغيريتشيان في بلدة العيزرية بالضفة الغربية المحتلة. مدرسة “بيت الأمل” لرياض الأطفال والابتدائية تتبنى فلسفة فالدورف في المقاومة اللاعنفية، وتوفر للأطفال مساحة للتعبير عن مشاعرهم والتعامل مع صدمات ومعاناة العيش تحت الاحتلال.
تقول بوسسترا: “المدرسة تحمي كرامة الأطفال في اللحظة الحالية. الأمر يتعلق برفض أن يشكل الاحتلال عالمهم الداخلي، ليتمكنوا من أن يكونوا أطفالاً حقيقيين ولهم إرادة. في فلسفة فالدورف، يمنحون مساحة للتعبير عن المشاعر.”
عملت بوسسترا مع طاقم فلسطيني، وقضت ثلاث سنوات مع منار، وسافرت إلى الضفة الغربية المحتلة تسع مرات أثناء إعداد الفيلم. التقت بها لأول مرة قبل 18 عاماً في ورشة عمل سينمائية هناك.
على الرغم من أن الفيلم يركز على المدرسة الابتدائية، إلا أن منار هي القوة الدافعة للقصة. يتابع الفيلم منار وميلاد، سواء في المدرسة أو في المنزل مع أطفالهما.
تقول بوسسترا: “بدأت بتصوير المدرسة، لكنني عرفت فوراً أنني أريد التحدث عن الحياة الداخلية لمنار. أعتقد أن كلمة أمل صعبة في هذه اللحظة، لكنني أشعر بإعجاب عميق بمنار التي تواصل الإبداع والتعليم رغم ما تحمله من أعباء.”
أما منار، فتقول إن احترامها لبوسسترا وصداقتهما السابقة ساعداها على الثقة بطاقم التصوير في لحظات الضعف. وتضيف لـ”الجزيرة”: “نؤمن كلانا بعمق بالتعليم، وبإبداع الأطفال وحريتهم، ورؤية الإنسان ككيان كامل وجميل في العقل والروح والجسد. هذه القيم المشتركة خلقت انفتاحاً وثقة بيننا، وساعدت في إنتاج فيلم لا يتحدث عن الأحداث فقط، بل عن الإنسانية أيضاً.”
الفيلم من إنتاج شركة “ثينك فيلم”، التي أنتجت أيضاً فيلم “صوت هند رجب” الذي يروي قصة الطفلة هند التي قُتلت على يد القوات الإسرائيلية عام 2024. أطلق الجنود 335 رصاصة على السيارة التي كانت تقل الطفلة وستة من أفراد عائلتها، وأصبحت قصتها رمزاً لفشل النظام في حماية الأطفال في غزة.
رغم الصعوبة، تقول منار إنها بذلت جهداً للسماح للطاقم بتوثيق جوانب متعددة من حياتها. وتضيف: “على مدى ثلاث سنوات، قابل الطاقم نسخاً كثيرة من منار. أحياناً كانوا يصلون وأكون نضرة ونشيطة ومتعاونة. وأحياناً أخرى كانوا يجدونني منهكة أو غاضبة أو مرهقة أو مريضة. فهمت أن عليّ أن أكون صادقة قدر الإمكان، لأنني لم أمثل نفسي فقط، بل أمثل مجتمعي والأمل والسلام وصوت الفلسطينيين.”
أسست منار وزوجها المدرسة رغبةً في تقديم تعليم مختلف للأطفال الفلسطينيين، وتوفير مكان يشعرون فيه بالأمان ويستطيعون مشاركة مشاعرهم. تقول منار: “ولدت المدرسة منذ سنوات عندما رأينا الصعوبات المحيطة بمجتمعنا وأردنا خلق شيء مختلف، مساحة من الحب والأمان والإبداع والشفاء. بيت الأمل هو فكرة ورسالة وطاقة نحملها أينما ذهبنا.”
في ظل احتلال إسرائيلي متزايد العنف، ترى منار أن فلسفة فالدورف ضرورية. وتقول: “لا أرى اللاعنف ضعفاً. بل أعتقد العكس. العنف سهل. اللاعنف يتطلب شجاعة ووعياً وصبراً وعملاً داخلياً. يطلب منا أن نرى ما وراء ألمنا وأنانيتنا، وأن نتمسك بتواضعنا حتى عندما تحاول الظروف إبعادنا عنه. العالم يمتص الطاقة التي نخلقها، والآن هناك الكثير من الخوف والغضب والعنف في عالمنا. أعتقد أننا بحاجة إلى المزيد من السلام داخل أنفسنا، والسلام مع بعضنا البعض، والسلام مع الطبيعة.”
بعد هجوم حماس على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، والرد العسكري الإسرائيلي الوحشي، أصبحت الحياة أكثر صعوبة لمنار وميلاد والأطفال في بيت الأمل، لكن الطاقم واصل توثيق واقعهم. تقول بوسسترا: “القصة التي أردت صنعها مع منار بقيت كما هي، ولكن بعد 7 أكتوبر أصبح كل شيء أثقل. كانوا منهارين لفترة. أصبحوا كأشخاص مختلفين، وكأنهم فقدوا كل أمل. المدرسة بنت ملاذاً آمناً، لكن الاحتلال دائماً يقرع الباب.”
العمليات العسكرية الإسرائيلية المتصاعدة في الضفة الغربية، بما في ذلك إطلاق النار وقتل الأطفال، تشكل ظلاً دائم الخطر. في مشهد آخر، تشاهد منار ابنها وهو يغادر إلى المدرسة وتتأكد من وجود شاحن هاتف وملابس إضافية في حقيبته في حال احتجازه عند حاجز لساعات.
تقول منار: “الطاقة ثقيلة جداً الآن. أتمنى أن يفهم الناس أننا لا نطلب شيئاً استثنائياً. نطلب حقوقاً إنسانية أساسية، الحق في العيش بكرامة وحرية، الحق في الأمان، والحق في أن نكون بشراً كاملين.”
بوسسترا، التي تابعت منار عن كثب لثلاث سنوات، تقول إنها تريد أن يذهب الجمهور “وراء إطار (نحن ضدهم)”. وتضيف: “أتمنى أن يبقى هذا الفيلم مع الناس، ليس كشيء بعيد يحدث لآخرين، بل كشيء يمكنهم إيجاده في فهمهم الخاص لما يعنيه أن تحب شخصاً في عالم غير آمن.”
منار تعتقد أن الفيلم يقدم صورة أكثر عمقاً للفلسطينيين. وتقول: “أعتقد أن الكثيرين في الغرب يرون صورة محدودة جداً لفلسطين والشرق الأوسط.” تقول: “أحيانًا ينظرون إلينا من خلال صور نمطية، كإرهابيين، أو أناس غير متطورين، أو أقل منهم بطريقة ما. آمل أن يساعد هذا الفيلم الناس على رؤية ما وراء تلك الصور. الأخبار لا تنقل الحقيقة كاملة، غالبًا ما تظهر فقط العنف وقتل بعضهم البعض، ولا تظهر جوهر حياة الناس. إنها تعرض السلبيات.”
وشجعت وهاب الناس على مشاهدة الفيلم الوثائقي من منظور إنسانية مشتركة.
فاز فيلم “بيت الأمل” بجائزة أفضل فيلم وثائقي دولي طويل في مهرجان هوت دوكس الكندي للوثائقي في مايو 2026، وعُرض مؤخرًا في اليونسكو بباريس. سيُعرض قريبًا في مهرجان القدس للسينما العربية.
وتضيف: “رغم أن قصتنا متجذرة بعمق في الضفة الغربية، إلا أن رسالتها عالمية. نأمل أن يرى الناس في كل مكان قصتنا ويأخذوا منها شيئًا ذا معنى.”