حوّلت إيران قدرتها على تقييد المرور التجاري عبر مضيق هرمز إلى سلاح اقتصادي فعال في الحرب التي تفرضها الولايات المتحدة وإسرائيل.
تُظهر بيانات منصة مراقبة الموانئ التابعة لصندوق النقد الدولي أنه في الأيام السبعة المنتهية في الثاني من أغسطس/آب، بلغ متوسط السفن العابرة نحو أربع سفن فقط يوميًا، مقارنة بنحو 90 سفينة خلال الأسبوع ذاته من عام 2025. وانخفض حجم العبور المقدَّر من 3.5 مليون طن متري يوميًا إلى نحو 143 ألف طن متري يوميًا. أي أن المؤشرين تراجعا بنحو 96%.
لم يكن هذا انهيارًا مؤقتًا في حركة المرور، بل اضطرابًا مستمرًا. فمنذ 28 فبراير/شباط، بقيت حركة السفن والحمولات المقدَّرة أدنى بكثير من مستوياتها في العام السابق، مع انتعاشات قصيرة فقط. وهكذا أثبتت طهران بالفعل أنها قادرة على فرض اضطراب شديد في حركة التجارة. لم يعد السؤال ما إذا كانت إيران تستطيع تعطيل التجارة عبر هرمز، بل ما مدى فعالية تحويل هذا الاضطراب إلى نفوذ سياسي، وإلى متى.
يقدّم العالمان السياسيان هنري فاريل وأبراهام نيومان إطارًا مفيدًا لفهم هذه الاستراتيجية، إذ يصفان كيف يمكن للدول أن تحوّل السيطرة على نقاط الارتكاز المركزية في الشبكات الدولية إلى قوة قسرية، وهي عملية يسميانها “الاعتماد المتبادل المسلّح”. في حالة هرمز، نقطة الارتكاز الحرجة مادية وليست مالية أو رقمية. الجغرافيا تمنح إيران نفوذًا على ممر يعتمد عليه منتجو الطاقة وشركات الشحن والاقتصادات المستوردة اعتمادًا كبيرًا.
وحجم هذا الاعتماد يُظهر النفوذ الذي تملكه طهران. ففي عام 2025، كان ما يقرب من 20 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية يعبر هرمز يوميًا، أي ما يعادل نحو ربع التجارة البحرية العالمية للنفط. اتجه نحو 80% من هذه التدفقات إلى آسيا. واستقبلت الصين والهند وحدها 44% من النفط الخام الذي مر عبر المضيق. كما صدّرت قطر والإمارات عبر هرمز غازًا طبيعيًا مسالًا يعادل نحو خُمس التجارة العالمية، من دون مسار تصدير بديل عملي.
الآثار الاقتصادية تبدأ قبل أي إغلاق رسمي. فشركات الشحن والتأمين تستجيب للخطر المتوقع كما تستجيب للهجمات الفعلية. حتى مجرد التهديد بصواريخ أو ألغام أو طائرات مسيّرة أو احتجاز سفن يمكن أن يرفع أقساط التأمين وأسعار الشحن وأوقات الانتظار. وتُظهر دراسة نشرت في دورية “نيتشر كوميونيكيشنز” أن الاضطرابات في الممرات البحرية تنقل الخسائر الاقتصادية عبر التأخير وتغيير المسارات وتكاليف التأمين والانقطاعات في الإنتاج.
لذلك تستطيع إيران الضغط على عدة جهات في الوقت نفسه. فدول الخليج تواجه مخاطر على إيرادات التصدير والموانئ والخدمات اللوجستية. ومستوردون آسيويون كبار مثل الهند يواجهون تكاليف طاقة أعلى واحتمال نقص في الإمدادات. أما الولايات المتحدة فتستورد كمية قليلة نسبيًا من النفط عبر هرمز، لكنها تبقى معرّضة لأسعار الطاقة العالمية المرتفعة وأسعار الوقود المحلي، وللتكاليف العسكرية لحماية الملاحة التجارية. لذلك، ربما يأتي أقوى نفوذ لطهران بشكل غير مباشر، بدفع حكومات الخليج والمستوردين الآسيويين إلى الضغط على واشنطن لخفض التصعيد.
تمتد العواقب أيضًا إلى مجالات أقل وضوحًا، منها المنافسة الناشئة في الذكاء الاصطناعي. فدول الخليج تستثمر بكثافة في مراكز البيانات والبنية التحتية الحاسوبية، سعيًا إلى استغلال وصولها إلى طاقة رخيصة نسبيًا لتصبح مراكز مهمة في الاقتصاد العالمي للذكاء الاصطناعي. ومن خلال رفع أسعار الطاقة وزيادة المخاطر على البنية التحتية الخليجية، يمكن للاضطراب في هرمز أن يرفع كلفة توسيع قدرات الذكاء الاصطناعي ويضعف إحدى استراتيجيات التنويع الاقتصادي المركزية في المنطقة.
كما ينقل هرمز سلعًا كثيرًا ما يحجب التركيز على النفط أهميتها. وأظهرت دراسة حديثة في دورية “نيتشر فود” أن عددًا من الاقتصادات الزراعية الكبرى يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الأسمدة التي تُصدَّر عبر مضيق هرمز. فالهند، على سبيل المثال، تستورد نحو نصف وارداتها من الأمونيا والأسمدة النيتروجينية، أي حوالي تسعة ملايين طن، من منتجين خليجيين. والاضطراب سيجمع بين تراجع توافر الأسمدة وارتفاع تكاليف الغاز الطبيعي والشحن، ما يزيد مخاطر انخفاض المحاصيل وارتفاع أسعار الغذاء في الأمد القصير، خاصة في البلدان المستوردة للغذاء.
ويقدّم الهيليوم مثالًا آخر على هذا الاعتماد الأقل وضوحًا. فقطر والإمارات توردان الهيليوم المستخدم في إنتاج أشباه الموصلات والتصوير الطبي والبحث العلمي والتقنيات النظيفة. الهيليوم صعب التخزين، وقدرات التسييل مركّزة، ولا توجد بدائل كثيرة لبعض التطبيقات. ويُظهر التحليل أن اقتصادات مسؤولة عن أكثر من 60% من صادرات الدوائر المتكاملة عالميًا تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الهيليوم الذي يمر عبر مضيق هرمز. وهكذا يربط هرمز الأزمة الأمنية الإقليمية بسلاسل توريد التصنيع المتقدم والرعاية الصحية في آسيا.
هذه الهشاشات تمنح إيران قوة تفاوضية في الحرب التي تفرضها أمريكا وإسرائيل، لكنها تحدد أيضًا حدود هذه القوة.
أولًا، الاضطراب يضر بإيران نفسها. فصادراتها النفطية ووارداتها الغذائية ومدخلاتها الصناعية وتجارتها البحرية تعتمد بشكل كبير على الممرات المائية الجنوبية. لدى السعودية والإمارات خطوط أنابيب يمكنها تحويل ما يُقدَّر بنحو 3.5 إلى 5.5 مليون برميل يوميًا بعيدًا عن هرمز. ولذلك سيكون لهذين البلدين حوافز أقوى وموارد أكبر لتوسيع مسارات بديلة. أما طريق جاسك الإيراني خارج المضيق فلا يزال غير فعّال عمليًا. وبالتالي فإن الانقطاع المطوّل سيحرم طهران من عائدات التصدير ويزيد التضخم والندرة في الداخل. والحصار الأمريكي على الموانئ الجنوبية لإيران يفاقم هذا الضعف ما دامت التوترات حول هرمز قائمة. فمن بين نحو 170 مليون طن من التجارة الخارجية السنوية لإيران، يمر نحو 160 مليون طن، أي 94%، عبر الموانئ الجنوبية. وبالمقارنة، تتعامل الموانئ الشمالية على بحر قزوين مع نحو 4% فقط من تلك التجارة، وربما لا تستطيع رفع حصتها إلى أكثر من 10% إلى 15% حتى في الأزمات. قد تحافظ الطرق الشمالية وشبكات التهرب من العقوبات على شحنات محددة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الموانئ الجنوبية بوصفها بوابات لكميات كبيرة من النفط والحبوب والصلب والبضائع في الحاويات.
ثانيًا، تستطيع إيران جعل الملاحة خطرة، لكن الحفاظ على هذا الاضطراب مكلف. ويخلص تقييم أعدته خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي إلى أن إيران يمكنها تعطيل الشحن بالألغام والزوارق السريعة والغواصات والصواريخ المطلقة من السواحل والطائرات، لكن القوات الأمريكية قد تعيد حركة الملاحة في النهاية، وإن كان ذلك قد يستغرق أيامًا أو أسابيع أو أشهرًا. لذلك، فإن أفضلية إيران لا تكمن في السيطرة على هرمز بقدر ما تكمن في فرض عدم اليقين والتأخير. لكن عدم اليقين نفسه يضر باقتصادها؛ فحتى بيئة “لا حرب ولا سلام” المطولة يمكن أن تضعف الاستثمار والإيرادات الحكومية والقدرة المالية اللازمة لمواصلة الضغط العسكري. كما أن القدرة العسكرية الإيرانية تعتمد بشكل كبير على الإيرادات العامة التي قيدتها العقوبات. ووفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ الإنفاق العسكري الإيراني في عام 2025 نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ3% في الولايات المتحدة، وبين 5% و8% في الكويت وعمان والسعودية وإسرائيل. لذلك تستطيع إيران تعطيل الممر المائي، لكنها لا تستطيع الحفاظ على هذا التعطيل إلى أجل غير مسمى بتكلفة اقتصادية وعسكرية مقبولة.
ثالثًا، الاستخدام المتكرر لمضيق هرمز كسلاح يدعو إلى التكيف. فكما سعت إيران إلى التكيف مع العقوبات، سيكون لدى منتجي الطاقة الخليجيين حوافز أقوى لتجاوز هرمز عبر توسيع خطوط الأنابيب نحو البحر الأحمر وخليج عمان. وستعمل البلدان المستوردة على تنويع الموردين والاستثمار في احتياطيات استراتيجية وتطوير مصادر بديلة للغاز المسال والأسمدة والمواد الحرجة. وستعيد الشركات تقييم سلاسل التوريد القائمة على ممر واحد.
بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، بدأت الحكومات، ولا سيما في الاتحاد الأوروبي، تتعامل بشكل متزايد مع الكهرباء المتجددة المنتجة محليًا باعتبارها أصلًا أمنيًا. ورفعت وكالة الطاقة الدولية لاحقًا توقعاتها لخمس سنوات لتوسع القدرة العالمية في الطاقة المتجددة بنحو 30%، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن انعدام أمن الطاقة عجّل بدعم السياسات.
هذه التعديلات ستكون تدريجية. لا يمكن للبدائل أن تحل بسرعة محل النفط في النقل والبتروكيماويات، ولا الغاز الطبيعي المسال في بعض أنظمة الكهرباء، ولا الغاز الطبيعي في إنتاج الأسمدة، ولا الهيليوم في الاستخدامات الصناعية المتخصصة. كما تواجه البلدان منخفضة الدخل قيودًا مالية ومؤسسية قد تبطئ التنويع والاستثمار في الطاقة المتجددة. ومع ذلك، فإن انعدام الأمن المستمر يعزز الجدوى الاقتصادية للمشاريع التي تقلل الاعتماد على هرمز.
لذلك تواجه طهران مقايضة صعبة. الاضطراب المحدود والمضبوط يمكن أن يرفع كلفة الضغط العسكري الأمريكي، ويقسم التحالفات المعارضة، ويخلق مساحة تفاوض حول العقوبات والأمن الإقليمي. أما الاضطراب المطوّل أو العشوائي فسيضر بالاقتصاد الإيراني، وينفّر شركاء آسيويين مثل الصين، ويسرّع الاستثمارات التي تضعف نفوذها في المستقبل. لذلك فإن هرمز سلاح اقتصادي قوي، لكنه سلاح لا تستطيع إيران استخدامه دون أن تتحمل بعض تكاليفه.
هرمز سلاح قوي لأن الاعتماد الحالي عليه مرتفع والبدائل قصيرة الأمد محدودة. لكن فعاليته لها تاريخ انتهاء. ومتى يصل هذا التاريخ يعتمد على التقدم التكنولوجي ورأس المال المتاح والإرادة السياسية، والأهم من ذلك على مدى العدوانية التي تختار إيران استخدامه بها. تستطيع إيران تسليح هرمز للتأثير في المفاوضات اليوم. لكنها في كل مرة تفعل ذلك، تمنح الآخرين سببًا جديدًا لتقليل اعتمادهم على المضيق. وكلما استخدمت إيران السلاح بقوة أكبر، أسرع ذلك في إضعافه.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة التحريري.