مع اقتراب نهاية ولاية قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان في نهاية عام 2026، بعد نحو خمسين عاماً على إنشائها، بدأت المقترحات المتعلقة بإرسال بعثة أوروبية لسد جزء من الفراغ تلفت الأنظار.
لبنان، الذي لا يزال يتعرض لقصف إسرائيلي شبه يومي، وتحتل إسرائيل نحو خُمس أراضيه، فيما يتجاوز عدد النازحين فيه 335 ألف شخص، من المتوقع أن يكون على جدول أعمال اجتماع وزراء الدفاع والخارجية في الاتحاد الأوروبي في أيرلندا هذا الأسبوع.
وقد عمّمت دائرة العمل الخارجي الأوروبي، وهي الجهاز الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي، مقترحاً لبعثة عسكرية ومدنية مدتها ثلاث سنوات، لتقديم المشورة والتدريب للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بما في ذلك أمن الحدود والأمن البحري. وقال مسؤولون إن هذا المقترح لا يهدف إلى استبدال قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، بل إلى تعزيز الدولة اللبنانية.
غير أن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس قالت في أيار إن الأوروبيين مستعدون للمساعدة في تدريب الجيش اللبناني، لكنها شكّكت في وجود رغبة حقيقية في إنشاء بعثة أوروبية جديدة كلياً لتحل مكان اليونيفيل.
ولاية محدودة
أُنشئت اليونيفيل في 19 آذار 1978، بعد أيام من اجتياح إسرائيل لجنوب لبنان. وقد توسعت ولايتها عدة مرات منذ ذلك الحين، وأبرزها بعد حرب 2006 بين إسرائيل وحزب الله، عندما أضاف قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 إلى مهامها مراقبة وقف إطلاق النار ودعم انتشار الجيش اللبناني في الجنوب.
لكن اليونيفيل لم تُمنح يوماً سلطة فرض أي من تلك المهام. فقد كانت قادرة على المراقبة وإعداد التقارير ومرافقة القوات، لكنها لم تكن تستطيع إجبار إسرائيل على الانسحاب أو نزع سلاح أي جماعة مسلحة.
ومع ذلك، كانت إسرائيل هي الطرف الرئيسي الذي سعى إلى إنهاء اليونيفيل، بعد أن اتهمتها بالفشل في منع حزب الله من بناء قدرات عسكرية على طول الحدود بين إسرائيل ولبنان.
ويقول ريموند ميرفي، الأستاذ في المركز الأيرلندي لحقوق الإنسان بجامعة غالواي، والذي خدم سابقاً جندياً في قوات حفظ السلام ضمن اليونيفيل، إنه من غير المرجح أن تُكلَّف قوة أوروبية جديدة بتأكيد انسحاب إسرائيل أو نزع سلاح حزب الله. وأضاف أن دورها سيكون على الأرجح مراقبة الوضع، لكن مع قدرات كافية لاستخدام القوة العسكرية لحماية نفسها ولتنفيذ ولايتها، مثل حرية الحركة والقدرة على منع نقل الأسلحة في منطقة عملها.
أوروبا ليست الخيار الوحيد
ليست أوروبا الخيار الوحيد المطروح. إذ تجري الأمم المتحدة تخطيطاً خاصاً لخلافة اليونيفيل، ومن بين المقترحات إسناد دور متبقٍّ إلى هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة. وفي حزيران، طرح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ثلاثة خيارات على مجلس الأمن، تراوح عدد جنودها بين 900 و3,000، مقارنة بنحو 7,000 جندي كانت تنتشر بها اليونيفيل في ذلك الوقت.
إسرائيل قد تستفيد من فراغ القوة
يرى الباحث السياسي اللبناني عماد سلامة أن خطر الفراغ المؤقت خطير جداً، خصوصاً لأن إسرائيل قد تستفيد منه. وقال إنه في غياب قوة دولية، قد تسعى إسرائيل إلى ترتيب يجعل الجيش اللبناني مضطراً إلى التنسيق بشكل أكثر مباشرة مع القوات الإسرائيلية، مع قيام الولايات المتحدة بدور وسيط أو ضامن، بحيث يتحول الإطار من مراقبة تحت إشراف دولي إلى تنسيق ثنائي بين جيش لبناني وجيش يحتل أرضاً لبنانية.
وأضاف سلامة: "بمجرد اختفاء اليونيفيل، قد تصبح الترتيبات البديلة التي تنشأ في غيابها دائمة، مما يجعل إنشاء قوة خلفة أكثر صعوبة بكثير".
وقد توسطت الولايات المتحدة في محادثات بين إسرائيل ولبنان لأشهر، لكن منتقدين يقولون إن تلك المحادثات لم تفعل الكثير لإجبار إسرائيل على وقف هجماتها وانسحابها من الأراضي اللبنانية.
أما ميرفي فلا يتوقع أن يؤدي نشر قوة أوروبية إلى تغيير الموقف الإسرائيلي أو دفعها إلى الانسحاب، مشيراً إلى أن ذلك سيجعل حياة أي انتشار أوروبي صعبة للغاية. وقال: "في الواقع، لن أفاجأ إذا قامت إسرائيل بإنشاء ما يعادل خطاً أزرق جديداً، على بعد نحو عشرة كيلومترات شمال خط الهدنة القديم".
المشكلة قد تكون في الإطار لا في القوة
في أواخر حزيران، اتفق لبنان وإسرائيل على إطار لإنشاء ما يسمى المناطق التجريبية، وهي مناطق تنسحب منها القوات الإسرائيلية وينتشر فيها الجيش اللبناني ليتولى مسؤولية الأمن، بما يشمل منع عودة حزب الله. وانتهت المحادثات التي عُقدت في روما في أوائل آب دون اتفاق على توسيع نموذج هذه المناطق.
وهذا هو المسار السياسي الذي تعتمد عليه أي بعثة أوروبية، ولذلك فإن هوية القوة الجديدة أقل أهمية من شروط وجودها. وقال سلامة إن أي قوة تُنشر بدون اتفاق سياسي شامل وولاية مقبولة من الطرفين تخاطر بمواجهة القيود ذاتها التي واجهتها اليونيفيل.
وإذا واصلت إسرائيل عملياتها وأبقّت قواتها داخل لبنان، بينما يرفض حزب الله الإطار، فقد يجد الأوروبيون حيادهم موضع تساؤل سريعاً من طرف أو آخر. وفي غياب التزامات متبادلة وقواعد متفق عليها وآلية إنفاذ واقعية، فإن استبدال اليونيفيل بقوة أخرى لن يحل المشكلة.