الحصار الإسرائيلي على غزة يجبر أطباء الأسنان على العمل في الشوارع

في مدينة غزة، وتحت حرٍّ يلفّ المكان، يجلس الدكتور رزق سفيان أبو حليمة في خيمة صغيرة نُصبت في زقاق، منتظراً مريضه التالي.

كانت هذه الخيمة الملاذ الأخير للطبيب؛ فارتفاع الطلب على العقارات وندرتها في قطاع غزة بسبب حرب الإبادة الإسرائيلية جعل استئجار عيادة بسعر معقول أمراً مستحيلاً.

وقال للجزيرة: «الارتفاع الخانق في درجات الحرارة كان أول تحدٍّ واجهته؛ اضطررت إلى تعديل زوايا الخيمة ورفع أطرافها للسماح بمرور الهواء».

عيادته القديمة «سميل ون» في منطقة الشيخ زايد شمالي قطاع غزة، قُصفت في الأيام الأولى من الحرب عام 2023. وفي مايو/أيار من العام الماضي بنى عيادة جديدة إلى جانب المكان الذي تقوم فيه خيمته الحالية في حي النصر بمدينة غزة، لكنها دُمرت بعد ثلاثة أشهر حين اجتاحت القوات الإسرائيلية المنطقة، قبل أسابيع فقط من وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

ويضطر الآن إلى إجراء عمليات الأسنان والإجراءات الطارئة داخل الخيمة القريبة من أنقاض عيادته السابقة. وعندما ينقطع التيار الكهربائي، وهو أمر متكرر، لا يجد ما يفعله سوى الجلوس في خيمته وانتظار عودة الكهرباء.

قد يبدو استئجار مكان آخر حلاً واضحاً، لكن الوحدات السكنية والتجارية في غزة أصبحت صعبة المنال، والقليل المتبقي منها لا يُطاق ثمنه. وأكثر من أربعة أخماس المباني في مدينة غزة وشمال القطاع دُمّرت بالكامل أو تضررت بشدة، وفقاً لمركز الأمم المتحدة للاستشعار عن بُعد. وأقل من خُمس المباني في غزة لا يزال صالحاً للاستخدام، في حين أن المنع الإسرائيلي لإدخال مواد البناء يجعل أي إصلاح مستحيلاً. وهذا ما خلق وضعاً مختلاً في المعروض جعل أسعار المكاتب والمساكن بعيدة عن قدرة الناس.

وقال أبو حليمة: «قبل الحرب كنت أستأجر شقة كاملة لعيادتي بخمسمئة شيكل (166 دولاراً) شهرياً، أما اليوم فلا أستطيع تحمل أسعار الشقق المتبقية إطلاقاً». ويقول إن الإيجار الآن يقترب من ألف دولار.

يقرأ  ذروة الإيمان والتقنية" في تأملات الفنان إم يونغزو من "آل ذا ليت

الخيمة هي الحل الأرخص الذي وجده، وهو لا يريد أن ينقل إلى مرضاه سعر استئجار المبنى الباهظ، خصوصاً أنهم يعانون أصلاً من مصاعب شخصية ومالية كبيرة.

ويوضح: «لو كنت استأجرت شقة لعيادتي بدل الخيمة، لكانت كلفة حشو السن الواحد عند المريض قد تضاعفت. أنا هنا أتحمل حر الصيف اللاهب لأحمي الناس من الأسعار المرتفعة التي سأضطر حتماً إلى فرضها إذا استأجرت شقة، إضافة إلى أنه لا توجد أمامي أي خيارات أخرى على الإطلاق».

ويعتني أبو حليمة بأدواته بعناية فائقة، فيعقمها بانتظام لحمايتها من الغبار والجراثيم. كما يستعين بحارس أمن، لأن جدران الخيمة القماشية الرقيقة لا توفر حماية كافية من اللصوص.

ورغم كل ذلك، فإن الاقتصاد المنهار والمفتقر إلى الموارد في غزة يجعل علاج الأسنان ترفاً لا يستطيع كثير من المرضى تحمله. ويقول أحد المرضى، يوسف أبو حليمة (25 عاماً)، في كلمات قليلة: «أستطيع تحمل الحر الشديد داخل الخيمة، لكنني بالتأكيد لا أستطيع تحمل الكلفة المرتفعة للحشوة في العيادات التي تعمل داخل شقق سكنية».

بعد أن تخرجت هبة ريحان (23 عاماً) من جامعة الأقصى في تخصص التمريض العام، واجهت صعوبة في إيجاد عمل بمجالها. لذلك كانت تقطع يومياً مسافة طويلة سيراً على الأقدام من جنوب قطاع غزة إلى الجزء الغربي منه بحثاً عن عمل. وفي مايو/أيار وجدت عيادة الدكتور رزق، وبدأت العمل فيها.

وتقول هبة إن من أكثر ما يتكرر في عملها أن تشرح للمرضى أن ارتفاع كلفة العلاج يعود إلى ندرة المواد ومشاكل الحرب والحصار.

وتضيف: «في أحد الأيام جاء مريض يعاني ألماً شديداً. وعندما سأل عن سعر الحشوة، قيل له إنها 350 شيكلاً (116 دولاراً)، لكنه لم يملك المال. فسأل مباشرة عن سعر خلع السن، وهو 50 شيكلاً فقط (17 دولاراً). فقرر أن يخلع سنَّه الأصلي لأنه لم يعد قادراً على تحمل الألم ولا التكلفة. كانت تلك أكثر لحظة مؤلمة مررت بها هنا».

يقرأ  فودين يسجّل ثنائية ويقود مانشستر سيتي إلى الفوز على بوروسيا دورتموند في دوري أبطال أوروباأخبار كرة القدم

أضف تعليق