تريد تقليل وقت الشاشات في المدارس؟ إليك النموذج المثالي

في أنحاء الولايات المتحدة، تتوالى سياسات حظر الهواتف الذكية في المدارس، وتحديد أوقات استخدام الشاشات، وسحب الأجهزة الرقمية من الطلاب الصغار. وتعكس هذه السياسات نفوراً متزايداً من الاستخدام المتنامي للتكنولوجيا داخل الفصول الدراسية.

بالنسبة إلى جاريد كوني هورفاث، وهو معلم سابق أصبح باحثاً في علم الأعصاب، فإن هذه النتائج كانت قادمة منذ سنوات. ويشير إلى نتائج اختبارات مثل «التقييم الوطني للتقدم التعليمي» و«البرنامج الدولي لتقييم الطلبة» منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وحتى اليوم، وهي نتائج تُظهر استقرار أداء الطلاب أو تراجعه.

في كتابه المحدَّث «الوهم الرقمي: كيف تؤذي تكنولوجيا الفصول تعلّم أطفالنا وكيف نساعدهم على الازدهار من جديد»، يُحمّل هورفاث المسؤولية الأساسية للتبنّي الواسع للتكنولوجيا الرقمية في المدارس. وفي شهادة أدلى بها أمام الكونغرس الأمريكي في 15 يناير/كانون الثاني وانتشرت على نطاق واسع، قال إن البلدان التي اعتمدت تكنولوجيا التعليم بشكل كبير يميل أداء طلابها إلى الانخفاض بدلاً من التحسن.

وخلال شهادته، قال هورفاث إن «جيل زد» هو أول جيل في العصر الحديث يقدّم أداءً أضعف من الجيل الذي سبقه في مؤشرات معرفية رئيسية مثل القراءة وحل المشكلات والإبداع. ويرى أن التفسير بيولوجي في الأساس. قال: «ليست المشكلة أن التكنولوجيا لا تُستخدم جيداً، أو أننا لم نتدرب بما فيه الكفاية، أو أننا بحاجة إلى برامج أفضل. المشكلة أننا تطورنا بيولوجياً لكي نتعلم من البشر الآخرين، والشاشات تلتف حول هذه العملية».

وقد أعطى التعليم عن بُعد خلال جائحة كوفيد دفعة هائلة لاستخدام المدارس للأدوات الرقمية. وعندما عاد الطلاب إلى الفصول، بقيت هذه الأدوات. كتاب هورفاث ليس مجرد ملخص أبحاث يُظهر ركود الأداء أو تراجعه، بل هو أيضاً دليل عملي ودعوة للتحرك، يمنح الآباء والمعلمين لغةً وأدواتٍ ونماذجَ للتصدي لتكنولوجيا المدارس.

وقال هورفاث: «معظم الناس، معلمين وآباء وطلاباً، يشعرون بهذا الأمر ويعرفونه من الداخل؛ هذا لا يعمل وهذا ليس سليماً. عليهم أن يعرفوا أنهم محقون، فالبيانات تدعمهم».

لكن آراءه واجهت انتقادات. فبعض الباحثين يرون أنه يعتمد على ارتباطات لا تثبت السببية، ويشيرون إلى عوامل أخرى مثل أزمة الصحة النفسية لدى الشباب لتفسير انخفاض الدرجات. ويرى آخرون أن أحكامه واسعة جداً، ويذكرون أن هناك دراسات تشير إلى فوائد معينة للاستخدام المعتدل للحاسوب.

والمناطق التعليمية تقاوم هي الأخرى جانباً من هذه الأفكار. من بين اقتراحات هورفاث للآباء أن يطلبوا إعفاء أطفالهم من الأجهزة الرقمية خلال اليوم الدراسي. لكن بعض المناطق تقول إن الموافقة على إعفاء مئات الطلاب أمر غير عملي، لأن المناهج الدراسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأدوات التكنولوجية.

يقرأ  الهند تضع معايير جديدة للكريكيت العالمي

ومع ذلك، يؤكد هورفاث أنه ليس ضد التقنية. قال: «لا يهمني التقنية، بل يهمني التعلم. فإذا أثبتت التقنية أنها تساعد على التعلم، سأكون أول من يقول: تفضلوا، استخدموها، هذه أفضل طريقة. المشكلة أن البيانات لا تدعم ذلك؛ إنها تشير في اتجاه آخر».

وفي حوار له مع منصة «مايند شيفت»، قال هورفاث إن الحل هو العودة إلى الإنسانية. «نبدأ بالتواصل مع بعضنا من جديد. هذا هو الشيء الوحيد الذي خُلقنا له. لا بأس أن نكون بشراً من جديد».

وعند سؤاله عن أفضل طريقة للتخلي عن التقنية السيئة من منظور الآباء والمعلمين والمديرين، قدّم ثلاث خطوات واضحة.

أما بالنسبة إلى الآباء، فالأفضل أن يبدأوا بحياة غير رقمية. قال: «اشتروا طابعة. إذا كان الواجب المدرسي على الإنترنت، اطبعوه. إذا كانت القراءة ملفاً إلكترونياً، اطبعوه. إذا كانت ورقة عمل في الرياضيات، اطبعوها». ومن يريد الانتقال إلى خطوة أبعد، يمكنه أن يطلب من المدرسة إعفاء أطفاله من التقنية غير الضرورية أثناء اليوم الدراسي، لكن هذا قد يكون أصعب في بعض الولايات.

وبالنسبة إلى المعلمين، قال إن أسهل خطوتين هما العودة إلى الورق والقلم في تدوين الملاحظات، والعودة إلى الكتب والمواد المطبوعة. فإذا لم يغيّر المعلم شيئاً آخر، فإن تعليم الطلاب بالورق والكتابة اليدوية يرفع مستوى التعلم مقارنة بالنظر إلى الشاشة والكتابة عليها. أما إذا كان سيستخدم التقنية، فعليه أن يكون هو من يقودها.

أما بالنسبة إلى المديرين، فقد اقترح وضع وقف مؤقت لاقتناء أي تقنية جديدة. قال: «لديكم ما يكفي من التقنية. أجروا جرداً شاملاً لما تملكونه: ما البرامج؟ ما الأجهزة؟ ما الذي يُستخدم فعلاً؟ وما الذي لا يُستخدم؟ ستكتشفون غالباً أن نحو 50% من تقنيتكم مجرد إهدار للمال. بعد هذا الجرد يمكنكم إجراء تحليل التكلفة والفائدة، ومعرفة ما إذا كانت التقنية تفيد التعلم بما يكفي، ثم اتخاذ القرارات النهائية».

وحين سُئل عما إذا كان يمكن تنفيذ هذه الخطوات فوراً، قال إنه لا يتوقع أن تتخلى أي مدرسة عن كل تقنيتها غداً. ونصح المديرين بأن يمنحوا أنفسهم عاماً كاملاً قبل اتخاذ القرارات، لفهم ما يحدث فعلاً في مدارسهم. أما المعلمون، فيستطيعون أن يبدأوا فوراً بتجارب صغيرة. قال: «التدريس ليس علماً مضبوطاً، ولن يُحسم أبداً. ما ينجح مع صف لن ينجح بالضرورة مع صف آخر، وما ينجح يوم الاثنين قد لا ينجح يوم الثلاثاء. لذلك أجروا تجربة: أسبوع بالطريقة المعتادة، ثم أسبوع تعطون فيه الطلاب دفاتر ورقية وتدوّنون الملاحظات على الورق وتجرون اختباراً قصيراً في نهاية الأسبوع. واسألوا الطلاب: ماذا تعتقدون؟ ماذا فضّلتم؟ ما الذي وجدتموه أكثر إرباكاً؟ وما الذي وجدتموه أسهل؟».

يقرأ  شي جين بينغ يتوجه إلى كوريا الشمالية سعياً لتعزيز العلاقات الثنائية

وأضاف أن التعلم بيولوجي؛ فالإنسان إذا كان حياً يتنفس وينمو، فسوف يتعلم. والسؤال هو: كيف نستثمر الوقت المحدود الذي نملكه، نحو اثنتي عشرة سنة مع الطفل، لنضمن وصوله إلى أفضل مستوى ممكن؟ قال: «الأطفال الذين يستخدمون التقنية الآن يتعلمون، لا بأس، لكنهم يتعلمون ببطء أكثر، وبعمق أقل، ودقة أقل من الذين يتعلمون بالطرائق غير الرقمية. لا تعتقدوا أنكم تؤذون أطفالكم الآن، لكننا نستطيع أن نفعل أفضل مما نفعل إذا فكرنا في مواردنا».

وعن نصيحته بعدم التركيز على مناهج «المواطنة الرقمية»، فسّر ذلك بأن المشهد الرقمي يتغير بسرعة كبيرة. قال: «ما تركّز عليه اليوم في التربية الرقمية سيكون قديماً بعد سنتين أو ثلاث. كثير من البرامج الحالية تركّز على أشياء مثل: كيف تتعامل مع الآخرين في المحادثات النصية؟ ثم بعد عامين لا أحد يستخدم المحادثات النصية بعد الآن. تحاول أن تحدّد شكل المواطنة الصالحة في هذه السياقات، فتبقى دائماً تجري خلف هدف لا تدركه».

الحل عند هورفاث هو تدريس المواطنة الإنسانية أولاً. قال: «علّم الأطفال كيف يكونون مواطنين حقيقيين، ثم سيعرفون كيف يتكيفون مع أي عالم رقمي. لم يعلّمنا أحد كيف نكون لطفاء مع البشر على الإنترنت. لقد علّمونا كيف نكون لطفاء مع البشر، وعندما جاء الإنترنت حملنا هذه المشاعر والقيم إلى العالم الرقمي. المسألة ليست في معرفة التصرفات الرقمية المحددة، بل في العودة إلى الأساسيات: ما هو السلوك الإنساني السليم؟».

وحول إمكانية تعافي الأطفال والعودة إلى التعلم العميق والتفكير النقدي، قال: «أنت لست تحارب التقنية ولا تحارب خصماً عملاقاً. أنت تحارب من أجل شيء تحبه: عائلتك، ونمو أطفالك، وتعلمهم. تريد لهم الأفضل، وهذا يعني أن نعود معاً إلى الوراء، إلى أساليب التفكير والتفاعل القريبة من طبيعتنا، وهذا أمر رائع».

وتطرق إلى حالات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، فقال: «سيقول بعض الناس: لدي طفل يعاني من اضطراب في التعلم، أو طفل في طيف التوحد لا يستطيع الذهاب إلى المدرسة. تذكروا أن شيئاً أفضل من لا شيء. كل ما أقوله عن تكنولوجيا التعليم يفقد معناه عندما تتذكر أن شيئاً أفضل من لا شيء. إذا كان طفلك لا يستطيع الكلام من دون أداة رقمية، فهذه الأداة هي أعظم اختراع، استخدمها. إذا كان لا يستطيع التفاعل من دون شاشة، فاستخدم الشاشة. لكن لا تأخذوا كلامي إلى أقصى حد. الفكرة هي: إذا كنت محظوظاً ولديك خياران، فاختر دائماً الخيار الذي يحقق هدفك بشكل أفضل. وإذا كان هدفك التعلم، فالتعليم غير الرقمي سيكون غالباً الخيار الأفضل لهذا الغرض. أما إذا كانت ظروفك لا تسمح بذلك، فاحتضن التقنية ولا تتردد. لكن هذا لا يعني أننا جميعاً بحاجة إليها طوال اليوم».

يقرأ  الاختبارات الحاسمة في التعليم (من الروضة إلى الصف الثاني عشر) والتصميم التعليمي

وحين سُئل عن وجود أنواع من تكنولوجيا التعليم يمكن اعتبارها «جيدة» للتعلم العميق، قال: «أين تفضّل أن تتعلم الحروف الأبجدية: عبر شارع سمسم، أم يوتيوب، أم عبر إنسان؟ السؤال سيظل: هل تتفوق التقنية على المعلم البشري؟ في أغلب الأحيان لا. لكن داخل تكنولوجيا التعليم هناك مجالان قويان، مع بعض التحفظات. الأول هو التدريس التكيفي أو الذكي، إذ يطرح النظام أسئلة، وبناءً على إجاباتك يقدم سؤالاً أصعب أو أسهل. هذا الأسلوب جيد لتثبيت المهارات ورفع مستوى الأداء. المجال الثاني هو معالجة صعوبات التعلم، حيث يجلس الطلاب الذين يعانون من ضعف في المهارات الأساسية أمام الحاسوب، ويكررون المهارة نفسها مرات كثيرة. لكن التحفظ المهم هو أن هذا يصلح فقط لمهارات محدودة جداً، وهي المهارات التي تعتمد على إجابات صحيحة أو خاطئة. وقال جاستن رايش من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عبارة دقيقة: التدريس التكيفي ممتاز لتعلم القراءة، لكنه سيئ جداً للقراءة من أجل التعلم. يمكنك استخدامه لبناء المهارة، لكن عندما تريد الانتقال إلى توظيف هذه المهارة، تتخلى التقنية عن دورها».

وأخيراً، سُئل عن كيفية التعامل مع الشعور بالإرهاق بسبب كثرة مشاكل التعليم. قال هورفاث إن تكنولوجيا التعليم هي أسهل هدف يمكن التصدي له الآن. فمشاكل التعليم على المستوى البنيوي صعبة التغيير، لكن الابتعاد عن التكنولوجيا لا يتطلب بنية تحتية جديدة، بل العودة إلى نظام موجود. قال: «الأمر أشبه بمن بنى سكك حديد في كل أنحاء البلاد، ثم انتقل إلى السيارات، ثم قرر يوماً ما أنه لم يعد بحاجة إلى السيارات. الخبر الجيد أن سكك الحديد ما زالت موجودة؛ لم نرفعها من الأرض، وما زلنا قادرين على استخدامها».

أضف تعليق