مدريد، إسبانيا – تحمل حقول من الزهور البنفسجية مياسم قرمزية اللون، ويُستخرج من هذه المياسم الزعفران، وهو من التوابل الأساسية في إعداد الباييا، الطبق الوطني الإسباني. والزعفران هو ما يمنح طبق الأرز لونه الأصفر المميز ورائحته الترابية.
على الرغم من أن منطقة كاستيا-لا مانتشا في وسط إسبانيا تزرع محصولها الخاص من الزعفران، فإن إسبانيا تعتمد اعتمادًا كبيرًا على إيران لتأمين حاجتها منه. وقد صار هذا الوضع مهددًا بعد أن أعلنت الولايات المتحدة في أواخر أغسطس/آب أنها ستشن “هجومًا اقتصاديًا” على الشركاء التجاريين لإيران في أنحاء العالم كافة، بهدف إضعاف إيران ماليًا. كما أعلنت الإمارات تعليق علاقاتها التجارية مع إيران.
ولم يتضح بعد كيف ستتعامل واشنطن مع جميع شركاء إيران التجاريين، لكن وزارة الخزانة الأمريكية فرضت في الرابع من سبتمبر/أيلول عقوبات على بنك “غولدن غلوبال” التركي، متهمة إياه بتسهيل تحويل أموال إلى إيران، وفق ما ذكرت شبكة “سي إن بي سي”.
وقال خوسيه لويس غيريرو، من شركة إسبانية عريقة لتصدير الزعفران تأسست عام 1904، للجزيرة: “هذا التهديد الأمريكي قد يشكل مشكلة لنا. فموردنا الأكبر هو إيران بفارق كبير، ونحن نبيع الزعفران إلى أسواق في جميع أنحاء العالم. وعلينا أن نقلق عندما تكشف الولايات المتحدة عن الإجراء الذي ستتخذه فعليًا”.
أما ماريا نارانخو، مديرة قطاع الأغذية الزراعية في الهيئة الحكومية الإسبانية للتجارة والاستثمار، فقالت إن إسبانيا كانت “بوابة مهمة بشكل خاص” لدخول الزعفران إلى أوروبا. فقبل عامين، كانت إسبانيا تستحوذ على ثلاثة أرباع واردات الاتحاد الأوروبي من الزعفران الإيراني. وأضافت: “هذا يُبرز الدور الذي تلعبه الشركات الإسبانية، ليس فقط كمستورد، بل أيضًا في معالجة الزعفران وتعبئته وتسويقه تحت علامات تجارية وتوزيعه على الأسواق الدولية”.
وأضافت أنه في ظل هذا كله، فإن أي اضطراب محتمل في التدفقات التجارية مع إيران لن يؤدي بالضرورة إلى نقص الزعفران لدى المستهلكين الإسبان أو في المطبخ الإسباني، لكن التأثير قد يكون أكبر على الشركات الإسبانية التي تستورد المنتج وتعالجه وتعبئته وتوزعه دوليًا. وأوضحت أنه لن يكون ممكنًا تقدير أثر العقوبات الأمريكية على تجارة الزعفران الإسبانية قبل معرفة التفاصيل الكاملة للعقوبات، ثم أضافت مازحة: “ما زال لدينا زعفران كاستيا-لا مانتشا. الباييا ليست في خطر”.
ويلزم إنتاج غرام واحد من الزعفران الجاف نحو 150 زهرة زعفران.
ويقول محللون إن نجاح الاستراتيجية الأمريكية سيتوقف إلى حد كبير على موقف الصين، التي تعد المشتري الأكبر للنفط الإيراني والشريك التجاري الأول لإيران. وكان وزير الخزانة الأمريكية، سكوت بيسنت، قد صرّح قائلًا: “من يقف إلى جانب الولايات المتحدة سيجني ثمار الشراكة معها، ومن يربط نفسه بالنظام الإيراني فليتوقع أن يشاركه العزلة”. وأطلقت هذه التهديدات أجراس الإنذار في أوساط الشركاء التجاريين لإيران.
غير أن العلاقات التجارية الإسبانية مع إيران محدودة مقارنة بدول مثل تركيا وباكستان. ففي عام 2025، بلغت صادرات الشركات الإسبانية إلى إيران 143 مليون دولار، والواردات من البضائع الإيرانية 141 مليون دولار، أي نحو 245 مليون يورو (285 مليون دولار) من التبادل التجاري السلعي، وفق أرقام الحكومة الإسبانية. وبلغت واردات الزعفران من إيران 61 مليون دولار، أي أكثر من 40% من إجمالي الواردات من إيران.
وفي الوقت نفسه، كانت العلاقات بين الولايات المتحدة وإسبانيا متوترة. فقد سبق أن وقع خلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز حول الإنفاق الدفاعي بين دول الناتو. وفي يوليو/تموز، هدد ترامب بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا، واصفًا مدريد بأنها “شريك سيئ” في الناتو، لكنه لم ينفذ التهديد. كما اختلفت واشنطن ومدريد بسبب إدانة سانشيز الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والتي وصفها بأنها “غير قانونية”. وبينما كان سانشيز قد أدان هجوم حماس على جنوب إسرائيل في عام 2023، فإنه انتقد أيضًا حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل على غزة.
غير أن فيسنتي روخا، طباخ الباييا من بلنسية، المدينة التي تعد موطن هذا الطبق الإسباني الشهير، لا يشعر بالقلق إزاء هذه التطورات. وقال: “لا يمكن لأحد أن يمس الباييا. إنها جوهر إسبانيا. ومهما حدث، فسوف نتجاوز الأمر”.
ومن المعروف أن الإسبان يفتخرون كثيرًا بالباييا، وقد قوبلت اللمسات الجديدة على الطبق في الماضي بانتقادات لطيفة. ففي عام 2022، أثارت سلسلة المتاجر البريطانية “تيسكو” حفيظة الإسبان عندما ابتكرت ساندويتشًا بحشوة الباييا. وردًا على ذلك، احتفل الحرس المدني الإسباني، الذي عادة ما يكون مشغولًا بمطاردة المجرمين، باليوم العالمي للباييا، وقال في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، مع رموز تعبيرية مبتسمة: “ساندويتش الباييا بالنسبة للبعض هرطقة، وبالنسبة لآخرين اعتداء على الذوق الرفيع، وقد يشكل تهديدًا للصحة”.
وفي عام 2016، ارتكب الطاهي البريطاني جيمي أوليفر مخالفة طهي مماثلة عندما اقترح إضافة الكوريزو إلى الباييا. هذا الاقتراح الذي بدا غير ضار جعله يتعرض لاتهامات بأنه “إرهابي في الطهي”.