اتجاه بوتوتشاري: من إبادة سربرينيتسا إلى مباراة بلغراد | جرائم ضد الإنسانية

في 11 تموز/يوليو 1995، دخل الجنرال الصربي البوسني السابق راتكو ملاديتش سريبرينيتسا وهو يردد «برافاك بوتوتشاري»، أي «اتجاه بوتوتشاري». كانت بوتوتشاري قرية مجاورة تستضيف قاعدة تابعة للأمم المتحدة، وأصبحت نقطة تجمّع أولى للاجئين البوشناق خلال الحرب في البوسنة. وفي الأيام التالية، ارتكبت قوات صرب البوسنة تحت قيادة ملاديتش إبادة جماعية راح ضحيتها آلاف من رجال وفتيان البوشناق.

يوم الأحد، استخدم مشجعو النجم الأحمر الصربي الشعار نفسه في مباراة «الديربي الأبدي» أمام غريمهم بارتيزان، تكريماً للرجل الذي عُرف بـ«جزار البوسنة». رفعوا في ملعب ماراكانا صورة ضخمة لملاديتش، ووقفوا دقيقة صمت في ذكراه. وكان ملاديتش قد توفي في لاهاي في 27 آب/أغسطس أثناء قضائه عقوبة السجن المؤبد بعد إدانته بالإبادة الجماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

جاء هذا التكريم بعد أيام قليلة من تغريم الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» النجم الأحمر 98,250 يورو، أي نحو 114,100 دولار، بسبب لافتة كُتب عليها «أيها الجنرال، المجد الأبدي والامتنان»، خُصّصت لملاديتش ورفعها مشجعو الفريق المتشددون خلال مباراة خارج أرضهم في الدور الفاصل للدوري الأوروبي بمدينة بلزن التشيكية. وشملت العقوبة منع مشجعي النجم الأحمر من السفر لحضور مباراتي الفريق الأوروبيتين المقبلتين خارج أرضه، في لوغانو السويسرية يوم 15 تشرين الأول/أكتوبر، وفي غنت البلجيكية يوم 26 تشرين الثاني/نوفمبر. ولم تكن هذه أول مرة يعبّر فيها مشجعو النجم الأحمر عن دعمهم لملاديتش في مباراة أوروبية؛ فقد سبق أن رفعوا رسائل مماثلة قبل تسع سنوات خلال مباراة في الدوري الأوروبي أمام باتي بوريسوف البيلاروسي.

قال سلوبودان غيورغييف، مدير الأخبار في تلفزيون نوفا إس في صربيا، إن دقيقة الصمت في ملعب ماراكانا تمثل تحولاً نوعياً، وليست مجرد تكرار لما رأيناه سابقاً. وأوضح: «تمجيد مجرم حرب مدان ليس جديداً، لكن الإشادة به رسمياً عبر دقيقة صمت أمر جديد، وهو أكثر حدث مخزٍ شهده هذا الملعب». وأضاف: «لا يمكن تبرير رفع الشعار المخزي “برافاك بوتوتشاري”، رغم أننا سنشهد بالتأكيد في الأيام المقبلة محاولات لتبريره». ومنذ تفكك يوغوسلافيا، كما يقول غيورغييف، كانت المدرجات مركز تجنيد للتشكيلات شبه العسكرية، وظلت تحمل أسوأ الرسائل. «كل ما لم تجرؤ السلطات على قوله مباشرة، قالته غالباً عبر المدرجات، كما حدث في مباراة النجم الأحمر وبارتيزان».

يقرأ  لماذا يلمّح بوتين الآن إلى إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا؟تقرير توضيحي

لكن ما جعل «الديربي الأبدي» يوم الأحد لافتاً ليس فقط ما فعله مشجعو النجم الأحمر؛ فمشجعو بارتيزان المتشددون المعروفون باسم «غروبارا» رفعوا لافتة خاصة بهم قبل أسبوع واحد فقط، أي في 31 آب/أغسطس، خلال مباراة في الدوري الصربي أمام أوفك بلغراد، حملت عبارة «شكراً أيها الجنرال». وظلت راية ملاديتش مرفوعة فوق المدرج الشمالي طوال 90 دقيقة.

ويرى غيورغييف أن مجموعات المشجعين ليست ظاهرة مستقلة بل أداة. وقال: «الدولة، عبر أجهزتها الاستخباراتية والجماعات الإجرامية، ظلت تدير هذه المجموعات وتستخدمها في أسوأ المهام: التعبئة في الحرب، والجريمة في السلم، وإيصال أبشع الرسائل السياسية». وأضاف: «مدرج يتباهى بأن مؤسسه جيلكو رازناتوفيتش أركان، ويغنّي في مدح راتكو ملاديتش دون أن يواجه عقوبة قانونية، يتحدث عن نفسه». وأركان قائد شبه عسكري صربي ارتكبت وحدته فظائع خلال حروب يوغوسلافيا، وكان قبل اغتياله في بلغراد عام 2000 قريباً جداً من جمهور النجم الأحمر المتشدد المعروف باسم «دلييه»، ويُقال على نطاق واسع إنه ساعد في تنظيم هذا الجمهور.

من جانبه، يرى ساشا جوردجيفيتش، كبير المحللين في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، الاستمرارية نفسها، ويمتد بها إلى الوراء أكثر. يقول إن العلاقة بين شغب الملاعب والقومية والسياسة في صربيا تعود إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، واتضحت خصوصاً أثناء تفكك يوغوسلافيا وبعده. ومنذ ذلك الحين، استُغلت عناصر من مشهد الشغب بوصفها «أدوات سياسية قابلة للاستئجار»، وحصد بعض قادة المجموعات منافع من حماية سياسية أو فرص أعمال. وقال إن أكثر ما يقلقه الآن ليس الحادثة نفسها، بل خطر أن تتحول إلى أمر اعتيادي: «هناك خطر أن يُنظر إلى حوادث مثل تلك التي شهدها ملعب ماراكانا بوصفها شيئاً روتينياً، لا مظهراً خطيراً من مظاهر خطاب الكراهية. النقاش العام كاد يختفي، والمجتمع يبدو أكثر لا مبالاة تجاه العنف وخطاب الكراهية في الملاعب. وعندما يبدو هذا السلوك عادياً، فقد يكون ذلك أوضح مؤشر على أن المشكلة أصبحت متجذرة بعمق».

يقرأ  جيفري إبستين ناقش اقتناء ليون بلاك لعمل بيكاسو من غاغوسيان

ويعزو جوردجيفيتش آلية هذا الالتقاء إلى الفترة نفسها التي أشار إليها غيورغييف. وقال: «أثناء تفكك يوغوسلافيا، تحولت ملاعب كرة القدم إلى فضاءات للتعبئة القومية، وكانت الخطوة من عنف الملاعب المنظم إلى التشكيلات شبه العسكرية قصيرة لدى بعض الشباب».

وتشير إيفانا يريميتش، المحررة في موقع بالكان إنسايت، إلى ما يجعل الملاعب تقوم بهذا الدور بكفاءة. وقالت: «منذ زمن، لم تعد الملاعب مجرد ساحات رياضية؛ إنها أرض خصبة لإرسال رسائل لا يمكن قولها علناً، أو تأتي في شكل مخفف». وأضافت أن مباريات بارتيزان والنجم الأحمر والمنتخب الوطني تبرز على وجه الخصوص في هذا السياق. وترى أن العلاقة بين قادة المدرجات وأصحاب السلطة «سر مكشوف»، مع وجود أمثلة موثقة على تأثير مباشر. وقالت: «ما نسمعه أو نراه في المدرجات لا يمكن أن يحدث تقريباً من دون شكل من أشكال الإذن من السلطات». وفي ما يخص ملاديتش، قالت إن هذه الرسائل ازدادت في الأيام الأخيرة، وإن مشجعي النجم الأحمر والنادي نفسه يُنظر إليهم حالياً بوصفهم لسان حال الحكومة.

الخميس، حملت طائرة حكومية صربية جثمان ملاديتش من لاهاي إلى بلغراد لدفنه، حيث استُقبل الجثمان بتكريم عسكري. منذ ذلك الحين، تعمل عصابات الهوليغان على ترسيخ ثقافة الولاء، والتسلسل الهرمي، والاستعداد للعنف، والتعبئة السريعة، من أجل تحقيق أفكارها المتطرفة التي تتجاوز حدود التشجيع الرياضي.

هذا البنيان ليس حكراً على صربيا، لكنه يظهر فيها بشكل أكثر حدة. فقد درس باحثون من GI-TOC 122 مجموعة جماهيرية، ووجدوا أن 78 منها تُصنَّف ضمن “الألتراس”، وأن 21 مجموعة تجمع بين شغب كرة القدم والارتباط بسياسات متطرفة. قال دورديفيتش إن الوضع الأكثر إشكالية كان في صربيا، تليها البوسنة والهرسك، لكنه حذّر في الوقت نفسه من المبالغة في التصنيف. وأكد أن مصطلح “الإرهاب” يجب استخدامه بحذر، لأن الأدلة تشير إلى مجموعات أو أفراد بعينهم مرتبطين بالتطرف العنيف وهياكل شبه عسكرية، وليس إلى الجماهير ككل.

يقرأ  نتائج انتخابات مولدوفا: من انتصر وهل لعب الشتات دوراً؟

في قرارها التأديبي، حددت UEFA طبقات العقوبة: غرامة قدرها 50 ألف يورو، أي حوالي 58 ألف دولار، بسبب إرسال رسالة لا تليق بحدث رياضي، وغرامة أخرى قدرها 8250 يورو، أي حوالي 9580 دولاراً، بسبب سوء سلوك الفريق، إضافة إلى تفعيل عقوبة موقوفة صدرت في أبريل 2025 على خلفية سلوك عنصري من مشجعي النجم الأحمر. كانت العقوبة حظراً على المدرجات، وتحولت الآن إلى منع سفر الجماهير لمباراة واحدة، مع تمديد التعليق شرطياً لمدة عامين إضافيين.

لكن دورديفيتش يرى أن الغرامات المكتوبة على الورق نادراً ما تصل إلى المسؤولين الفعليين. قال: “المشكلة أن الغرامات المفروضة على الأندية لا تؤثر بالضرورة في المسؤولين عن هذه الحوادث. إذا بقي الهوليغان بعيدين عن أي عقاب، فإن العقوبات المالية تصبح مجرد تكلفة إضافية ضمن العمل، وليست أداة لتغيير السلوك. هذا لا يعني أن الأندية لا تهتم؛ فهي تستجيب عندما تكون العقوبات مؤكدة وكبيرة ومطبقة باستمرار، كما نرى بوضوح أكبر في مباريات كرة السلة مقارنة بكرة القدم.”

وأضاف أن الفجوة ليست في غياب القوانين، بل في تنفيذها. قال: “صربيا تملك بالفعل إطاراً قانونياً متيناً. المشكلة الحقيقية هي التنفيذ. يجب أن تُطبَّق العقوبات بسرعة وبثبات وبدون استثناءات، على الأندية وعلى الأفراد المسؤولين عن العنف وخطاب الكراهية.”

أضف تعليق