طهران، إيران – كانت فرح، وهي سيدة تبلغ من العمر 59 عاماً وتسكن العاصمة الإيرانية طهران، تتناول دواءً سويسرياً لعلاج مرض مناعي ذاتي. أما الآن، فقد تحولت إلى النسخة الإيرانية الصنع، وهي قلقة من أن هذه النسخة قد تواجه هي الأخرى نقصاً قريباً.
قالت فرح، التي اكتفت بذكر اسمها الأول فقط، للجزيرة: “تحولت إلى النسخة الإيرانية بسبب السعر والتوفر. فقد لا تجد النسخة الأجنبية لاحقاً، ولا يمكنك تغيير الدواء باستمرار لأن النوعين ليس لهما الجودة والفعالية نفسها”.
وهي الآن تستعد لاحتمال نقص الدواء الإيراني أيضاً.
أفادت وسائل إعلام إيرانية بتزايد نقص أدوية السرطان وأمراض خطيرة أخرى، وسط أزمة في قطاع الأدوية الإيراني، بينما تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً عسكرية وعقوبات وحصاراً بحرياً للضغط على الإيرانيين.
ووفقاً لهدي أحمدي، المتحدث باسم نقابة الصيادلة الإيرانيين، هناك نحو 800 منتج دوائي يعاني نقصاً في أنحاء البلاد، من بينها 90 منتجاً يُعد أساسياً ومنقذاً للحياة. وقال أحمدي لوسائل إعلام محلية الأسبوع الماضي إن 400 من هذه الأدوية تُصنع داخل إيران.
في الوقت نفسه، قفزت الأسعار بشكل حاد.
ذكرت وكالة مهر للأنباء أن سعر الغابابنتين، المستخدم لعلاج الصرع وألم الأعصاب، ارتفع بنسبة 220 بالمئة خلال العام الماضي. وارتفع سعر الأسيتامينوفين لعلاج الألم والحمى بنسبة 375 بالمئة، والمضاد الحيوي أموكسيسيلين بنسبة 285 بالمئة، ومضاد الاكتئاب فلوكسيتين بنسبة 100 بالمئة. أما الأنسولين، الضروري يومياً لمرضى السكري، فأصبح سعره الآن يصل إلى ستة أضعاف سعره قبل عام.
هذه الزيادات جزء من دوامة تضخم أوسع في البلاد. فمعدل التضخم في إيران من بين الأعلى في العالم، إذ ارتفعت تكلفة المواد الغذائية الأساسية بأكثر من 123 بالمئة على أساس سنوي حتى أغسطس/آب، وقفز سعر بعض السلع الأساسية مثل زيت الطعام إلى أكثر من ثلاثة أضعاف.
## الدمار الناتج عن الحرب
لسنوات، سعت إيران إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الأدوية، كما فعلت في صناعات أخرى، وبنَت قدرات محلية لتصنيع المكونات الصيدلانية الفعالة والمعدات والأدوية الجاهزة. لكن القطاع ما زال يعتمد بشكل كبير على الاستيراد في عدد من المكونات الحساسة والمعدات والأدوية النادرة.
عقوبات “الضغط الأقصى” الأمريكية التي استمرت سنوات أعاقت الشبكات المالية واللوجستية التي كانت تسهّل استيراد المستلزمات الطبية، ما أدى إلى ارتفاع التكاليف بشكل كبير، رغم الإعفاءات الإنسانية القائمة.
وتفاقم النقص بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في فبراير/شباط، إذ تضررت أو دُمرت نحو 44 شركة أدوية ومعدات طبية. وقال مسؤولون إيرانيون إن نحو 50 عاملاً في القطاع قتلوا أو أصيبوا.
من بين الشركات الدوائية الرئيسية التي قُصفت خلال الحرب شركة “توفيق دارو”، المملوكة لأكبر صندوق معاشات في إيران.
قالت مريم فرحاني، مديرة المبيعات في الشركة، للجزيرة إن الضربات الجوية الإسرائيلية أصابت كل خطوط الإنتاج والبحث، بما فيها الخطوط المنتجة للمكونات الفعالة من الببتيدات والمواد المخدرة، إضافة إلى الأدوية المضادة للسرطان.
وأضافت: “جمهورنا المستهدف في الأساس مرضى السرطان وأصحاب الأمراض المزمنة. وبعض الأدوية التي كنا ننتجها كانت حصرية لا تتوفر في مكان آخر”.
ومنذ ذلك الحين، استأجرت الشركة خط إنتاج بديلاً لإبقاء الإنتاج فوق الصفر، بحسب فرحاني، بينما يرفع الحصار البحري الأمريكي والعقوبات تكاليف الاستيراد عبر منع الشحن في مضيق هرمز وتعطيل الطرق الجوية والسككية والبرية.
وقالت فرحاني إن قواعد البيانات ومواقع الخوادم، إضافة إلى الكثير من المعدات المتخصصة التي جُمعت على مدى 26 عاماً من العمل، دُمرت بسبب الضربات الإسرائيلية. وأشارت إلى أن إعادة البناء الجزئي تحتاج عامين على الأقل وعشرات الملايين من الدولارات. وفي هذه الأثناء، يعمل باحثو الشركة على الحفاظ على المعرفة المؤسسية التي فُقدت عندما دُمرت البيانات.
في أواخر مارس/آذار، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف توفيق دارو لأنها كانت مورّداً رئيسياً للفنتانيل إلى هيئة أبحاث عليا تابعة لوزارة الدفاع الإيرانية، واتهمها باستخدام هذه المادة في أبحاث تتعلق بالأسلحة الكيميائية.
نفت توفيق دارو هذه الرواية، وقالت إنها أنتجت فقط سترات الفنتانيل، بكميات صغيرة، للاستخدامات الطبية المرخص بها مثل التخدير الجراحي.
وقالت فرحاني إن الشركة كانت تنتج أيضاً غلاتيرامير أسيتات، وهو دواء يُحقن لعلاج الانتكاسات في مرض التصلب المتعدد. النسخة الأصلية منه، كوباكسون، طورتها وسوّقتها شركة تيفا الإسرائيلية، وسيطرت على السوق العالمي مدة طويلة قبل تطوير نسخ جنيسة في أماكن أخرى.
وأضافت: “من المؤسف حقاً أن كثيراً من الأماكن التي استُهدفت في أنحاء إيران كانت مواقع بحثية، وهي ما يقود تطور أي بلد”.
## المسؤولون يقللون من خطورة الأزمة
رغم التدهور السريع للأوضاع، يحاول المسؤولون الإيرانيون إظهار الصلابة، ويقولون إن صناعة الأدوية، مثل قطاعات أخرى في الاقتصاد الإيراني، ترفض الانهيار تحت الضغط.
قال مهدي پیرصالحی، رئيس إدارة الغذاء والدواء الإيرانية، الثلاثاء، في افتتاح معرض صيدلاني يستمر ثلاثة أيام في مجمع إيران مول الشاسع بطهران: “العدو حدد الدواء بوصفه أحد المجالات الحساسة في البلاد، ويحاول الإساءة إلى صورة إيران ووصف أوضاعها بأنها غير مواتية عبر نشر المحتوى في الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي”.
وأضاف أن إيران تواجه نقصاً في الأدوية أقل من العام الماضي، لكنه لم يقدم أرقاماً تدعم هذا الادعاء.
وأشار إلى أن شركتي أدوية كبيرتين قصفتا من الولايات المتحدة وإسرائيل، بينهما توفيق دارو، تشاركان في معرض “فارمكس” المخصص للتعاملات بين الشركات. وحضر المعرض في غالبيته شركات إيرانية، وكانت هناك أعداد صغيرة من ممثلي شركات صينية وغيرها.
لكن أطباء في طهران يقلقون من تهديد نقص الأدوية، ومنها اللقاحات، للصحة العامة.
اختصاصية في أمراض الجهاز الهضمي وأستاذة جامعية في طهران، تحدثت شريطة عدم الكشف عن اسمها، وصفت الارتفاع الأخير في الأسعار، بما فيها أسعار الأدوية الجنيسة المصنعة محلياً، بأنه “مهول”. وقالت إنه أصبح عائقاً يصعب تجاوزه لكثير من الإيرانيين الأكثر عرضة للمعاناة.
وأوضحت أن الإزالة التدريجية للدعم الحكومي عن العملة الأجنبية المخصصة لاستيراد الأدوية، إضافة إلى الديون غير المسددة التي تترتب على شركات التأمين تجاه الصيدليات، ساهمت في الوضع الحالي. ووفقاً لوسائل إعلام محلية، تبلغ هذه الديون نحو 8 كوادريليون ريال، أي حوالي 3.56 مليار دولار.
وقالت: “تقارير عن توقف استيراد لقاح فيروس الروتا بسبب الحصار البحري، وعن احتمال أن يواجه لقاح الأنفلونزا المشكلة نفسها قريباً، تمثل تهديداً خطيراً ومقلقاً للجهود الوطنية لمنع الأمراض المعدية التي يمكن الوقاية منها باللقاحات”.
كما حذرت من تأثير تدهور الأوضاع على الفئات الأكثر هشاشة. وأضافت أن “التضخم الجامح والفقر وعدم كفاية الوصول إلى المواد الغذائية الأساسية بين الفئات الضعيفة، بما فيها الرضع والأطفال والحوامل، هي مؤشرات على بدء سوء التغذية وانتشاره”. ونتيجة لذلك، يرتفع خطر الإصابة بالأمراض المعدية وغير المعدية معاً، ما يخلق حلقة مفرغة يتطور فيها سوء التغذية ويزداد سوءاً تدريجياً.