قبل أيام، كنتُ على وشك أن أفقد أعصابي في الحصة الثانية. كانت الإدارة قد جمعت كل الطلاب الأقل مستوى في القراءة في مدرستنا الملحقة، ووضعتهم في صف واحد وعهدت إليّ بهم. وبصفتي مدرّساً في سنتي الثانية، كان يملؤني حماسٌ ساذج لفكرة مساعدة أكثر الطلاب حاجة. لكنني بعد ثلاثة أسابيع من بداية الفصل الدراسي الذي يمتد تسعة أسابيع، وصلت إلى نقطة الانهيار. إذ يبدو أن جمع الطلاب الذين يعانون كثيراً من القراءة في فصل واحد يجعل المشكلات السلوكية أكثر حضوراً. من كان يتوقع ذلك؟
كنت مستعداً للاستسلام. بعد أسبوعين من المشكلات مع كل درس وكل واجب، قررت أن أتعامل معهم بصرامة قاسية لبضعة أيام كي أجعلهم يخافون قليلاً ويعودون إلى الطريق الصحيح. كانت الخطة أن نجري قراءة صامتة خلال الحصة كلها مع ورقة عمل، ثم اختباراً في النهاية. وكنت أنوي الاستمرار يومين أو ثلاثة، على أمل أن يفهم الطلاب أنهم مهما كانوا يكرهون اللغة الإنجليزية، فبإمكانهم أن يكرهوها أكثر. لم أكن أريد أن أكون سجّاناً، وكنت حزيناً لأنّ هذه الطريقة ستجعلنا نقرأ مشاهد من النص الذي اخترناه، وهو مسرحية «هامليت»، بشكل ممّل ومحدود. كتبت رسالة إلى الإدارة أوضح فيها خطتي، ثم قررت في اللحظة الأخيرة أن أمنحهم فرصة أخيرة.
لم أخبر الطلاب أنهم يسيرون على جليد رقيق، ولم أحذرهم. دخلت الفصل في اليوم التالي مثلما أفعل في أي حصة: تحية ودية، وروتين ثابت، وتشجيع مستمر. كان هذا يومنا الثاني مع النص، وقد حضّرت نفسي لأسوأ الاحتمالات. كنت أريد من بعضهم أن يقرؤوا الأدوار بصوت عالٍ، وهذا طلب صعب ومحرج، ليس فقط لطلاب وصلوا إلى هذا المسار بسبب تراكم الساعات المعتمدة، بل لأنهم أيضاً الأضعف قراءة بين زملائهم.
وفي ذلك اليوم الثاني، حين كان صبري قد نفد تقريباً، فاجأوني. فقد طلب اثنان من أكبر مصادر التشتيت في الصف أن يقرآ اليوم. وأصرّ أحد الطلاب على أن نلعب لعبتنا المسرحية السخيفة، رغم أنني لم أكن أخطط لها. وتنهّد كثيرون بخيبة أمل عندما انتهينا من المشاهد المقررة لهم. الفصل الذي لم يكن يسكت أبداً أصبح صامتاً، ينصت باهتمام لينتظر معرفة شيء فاسد في مملكة الدنمارك.
ما الذي نجح إذن؟ كيف بدأ طلاب لا يحبون القراءة فجأة يهتمون بشكسبير؟ عندي نظريات.
أولاً، شعر الطلاب بالمسؤولية وبأن لهم دوراً في الصف عندما تولّوا شخصيات مختلفة في المسرحية. صحيح أن القراءة بالتناوب المعروفة لها عيوب كثيرة، لكن إعطاء الطلاب أدواراً محددة بدل أن يقرؤوا جزءاً عشوائياً، مع ترجمة معاصرة يفهمونها فعلاً، منحهم ثقة أكبر بقدراتهم. كنت قد هيّأت الطلاب لشكسبير خلال الأسبوعين الأولين؛ إذ كلفتهم بقراءة مقالة غير روائية عن خلفيته عبر أحد البرامج الرقمية في المنطقة، وقرأنا معاً بعض قصائده. وصرّحت لهم بأن معظم الناس يجدون شكسبير مملاً وصعباً في البداية. وحين وصلوا إلى النسخة الميسّرة التي تعرض الترجمة الحديثة بجانب النص القديم، واكتشفوا أنهم قادرون على فهم القصة ومتابعتها، شعروا بالفخر. كنت أستخدم كل ما بنيته من علاقة في الأسبوعين الأولين لأقنع عدداً قليلاً منهم بالقراءة، وكان عليّ أن أتقبل أكبر الأدوار في المشاهد بنفسي. وبعد كل مشهد، كنت أصرّ على أن يصفّق الجميع لمن قرأ لشجاعته، ويمكنكم أن تتخيلوا أني كنت أصفّق بأعلى صوت. هذا الشعور بالمسؤولية، مع الثقة التي منحتهم إياها، أشعل عندهم دافعاً داخلياً للانضباط والاستمرار.
ثانياً، لعبت ثقافة التسامح مع الأخطاء دوراً كبيراً. كل يوم، بعد التمرين القصير، أقف بكل الطلاب وأطلب منهم أخذ ثلاثة أنفاس عميقة، ثم نكرر ثلاث عبارات بسيطة: «نستطيع أن نفعل الأشياء الصعبة، والأخطاء جزء من التعلّم، وسنبذل قصارى جهدنا». عندما يتعثر طالب في واجب أو يجيب إجابة خاطئة ويبدو عليه الإحراج، أشير إلى السبورة حيث كتبت هذه العبارات، وأكرر له أن الخطأ ليس عيباً. كما أن جميع الواجبات يمكن إعادة تسليمها بعد التصحيح للحصول على العلامة الكاملة، وأحرص عند التصحيح على أن أحافظ على نبرة هادئة وإيجابية وأجد شيئاً يستحق الثناء. صحيح أن هذا الأسلوب كان مرهقاً في البداية، لكنه أصبح مع الوقت عادة طبيعية. وإذا لم أجد ما يستحق الثناء في إجابة الطالب، أثني على طريقة تفكيره وأقول له إنني أفهم من أين أتى، قبل أن أوضح له ما يحتاج إلى تغييره.
ثالثاً، قد يكون الطلاب يشعرون بأنني لن أطلب منهم أمراً لا أقبل أن أقوم به بنفسي. في اليوم الأول من قراءة «هامليت»، وقبل أن نبدأ القراءة، جلست معهم في دائرة واقترحت لعبة مسرحية سخيفة نعتمد فيها على قول الأرقام بصوت عالٍ مع الإحساس المطلوب. حاولت أن أجعل مراهقين لا يريدون أن يظهروا بحماس لأي شيء أن يصرخوا «سبعة» وهم غاضبون أو «أحد عشر» وهم حزينون، وكان ذلك أشبه بشرب السم. وعندما بدأت اللعبة بقولي «واحد» بأكبر قدر ممكن من الفرح والحماس، قدّمت لهم نسخة محرجة مني يعرفون أنني لم أتصنعها. لقد قاوموا كثيراً في اليوم الأول، لكنهم في اليوم الثاني بدأوا اللعبة من تلقاء أنفسهم وانغمسوا فيها وضحكوا معاً.
في النهاية، أعتقد أن السر الذي جعل الأمور تتحول هو الثقة. أخبر طلابي دائماً أنني لا أحب أن أعطيهم واجبات لملء الوقت فقط. أشرح لهم في الأسبوع الأول أن مهارات القراءة والفهم والتواصل التي نتعلمها في اللغة الإنجليزية ستكون ضرورية لهم في حياتهم، مهما كانت طريقهم أو خياراتهم. أعدهم بأنني لن أضيّع وقتهم، وأطلب منهم أن يثقوا بي ويبذلوا جهدهم، حتى لو بدا الموضوع بعيداً عن حياتهم. فقد يبدو هذا الذي نفعله أقرب إلى الجنون، لكن له أسلوباً ومنهجاً.
لن نعرف أبداً العنصر السحري الذي يغيّر مناخ الصف. فرغم أننا نتحدث كثيراً عن الأرقام والبيانات، يعرف كل معلّم أن مهنة التعليم أقرب إلى الفن منها إلى العلم. وإذا تذكرنا أن المعلّم يجهّز المسرح ويصمم الحركة ويرتّل الجمل، فقد تكون مهنتنا أقرب إلى الأداء المسرحي. وفي أي أداء، ليس المهم هو الديكور ولا الخلفية، بل الثقة الداخلية في تقديم العرض. «إن كان الأمر الآن فلن يأتي فيما بعد، وإن لم يكن الآن فسيأتي، وإن لم يأت الآن فسيأتي لا محالة، الاستعداد هو المهم». بالتوفيق لكم جميعاً.