جيفري ويب: كيف يعلّم الطلاب ألّا يصدّقوا أول رواية تصل إليهم؟

جيفري ويب: معلّم الأسئلة لا الإجابات

هناك معلّمون يلقّنون المنهج، وهناك معلّمون يغيّرون طريقة رؤية الطلاب للعالم. جيفري ويب ينتمي بلا تردّد إلى الفئة الثانية.

في زمن يضغط على التعليم لإنتاج درجات أعلى، ونتائج أسرع، وسرديّات أنظف، يذكّرنا ويب بأن غاية التعليم ليست تقديم إجابات جاهزة، بل تعليم الطلاب كيف يطرحون أسئلة أفضل. ولهذا السبب بالذات اختير واحداً من أفضل خمسين معلّماً.

بدأت رحلته مع التعليم قبل حصوله على شهادة التدريس. فقد نشأ في بيت أمّه وخالته، وكلتاهما معلّمة، وقضى ساعات طويلة بعد المدرسة وفي الصيف داخل الصفوف، يساعد في تجهيز لوحات الإعلانات، وتنظيم المواد، ويعيش إيقاع الحياة المدرسيّة عن قرب. جذبه حبّ الأدب إلى تدريس اللغة الإنجليزية، لكن ما ثبّته في المهنة لم يكن شكسبير ولا الروايات؛ بل الناس. يقول: «العلاقات التي بنيتها مع زملائي وطلابي هي التي ساندتني على مرّ الوقت، وجعلتني أعود سنة بعد سنة».

هذا الفهم العميق، بأن التدريس في جوهره علاقة إنسانية، يمرّ عبر كل ما يفعله.

يدرّس ويب اليوم مادة دراسات ولاية فرجينيا الغربية لطلاب الصف الثامن؛ وهي مادة قد يظنّها كثيرون مجرّد تاريخ محليّ، لكنها في صفّه تتحوّل إلى عدسة قوية لفحص العدالة، والهوية، والعمل، والديمقراطية.

هناك لحظة تاريخية واحدة تواصل تشكيل طريقة تدريسه. أثناء دراسته حروب مناجم «بينت كريك وكابين كريك»، اطّلع على شهادة أدلى بها الصناعي تشارلز برات أمام مجلس الشيوخ الأمريكي. حين سُئل لماذا لم يُنشئ مدرسة لأطفال عمّال المناجم في فرجينيا الغربية شبيهة بمعهد برات في بروكلين، أجاب بأن هؤلاء الأطفال «ليسوا مستعدّين». بالنسبة إلى ويب، هذه العبارة ليست مجرّد خبر من تاريخ تجاوز عمره قرناً؛ بل قضيّة غير مكتملة.

يقرأ  كيف سارت تسريحات شركة بايس — وما التالي؟

كثير من طلابه يسكنون الأرض نفسها التي سكنتها عائلات عمّال المناجم. وبعضهم على الأرجح ينحدرون من أناس رأى فيهم برات أنهم لا يستحقّون فرصة تعليمية. هذه المعرفة صارت رسالته. كل درس يعلّمه هو، في وجوهٍ كثيرة، ردّ هادئ على ذاك الافتراض.

لكن ما يميّز ويب ليس فقط ما يدرّسه، بل كيف يدرّسه. إنه لا يطلب من الطلاب حفظ الأحداث التاريخية، بل يشجّعهم على محاكمة القصص التي يختار التاريخ أن يرويها. في هذا العام، ركّز عمداً على مفهومَي السرد المهيمن والسرد المضاد، ليجعل الطلاب يدركون أن كل رواية تاريخية تتضمن أصواتاً تمّ إبرازها، وأصواتاً أخرى تمّ تجاهلها.

ومن المفارقات أن الأداة التي فتحت هذا التفكير العميق كانت أداة يستهين بها كثير من المعلمين بوصفها مبسّطة: مخطط المعرفة الذي يبدأ بـ«ماذا أعرف؟ ماذا أريد أن أعرف؟ ماذا تعلّمت؟». بواسطة هذا المخطط المألوف، درس الطلاب أوّلًا السرديات التقليدية في الكتاب المدرسي التي تحتفي بالفحم بوصفه محرّك اقتصاد فرجينيا الغربية. ثم طلب منهم ويب أن يطرحوا أسئلة أصعب: من استخرج الفحم؟ من ربح؟ ومن دفع الثمن؟

وبينما استكشف الطلاب مصادر أولية من حروب المناجم، تحوّل فهمهم. بقي الفحم مهمّاً من الناحية الاقتصادية، لكنهم اكتشفوا أيضاً العنف، والاستغلال، والتضحيات التي رافقت إنتاجه.

تجاوز الدرس حدود تاريخ فرجينيا الغربية. صار درساً في التفكير الناقد. وصار إذناً بالسؤال. والأهم من ذلك، كان دعوة إلى رفض التفسيرات المختزلة، ليس في التاريخ فحسب، بل في فهم الطلاب لأنفسهم أيضاً.

هذا الالتزام بالدقة والتعقيد يمتدّ إلى أصعب أحاديث التعليم. فالتدريس في قلب وباء المواد الأفيونية يجعل من المستحيل على ويب أن يتجاهل موضوع الإدمان لمجرّد أنه غير مريح. إنه يدرك أنّ كل طالب تقريباً تأثّر بالأزمة بطريقة ما. وبدلاً من أن تترك الوصمةُ وحدها تحدّد النقاش، يدعو قادة المجتمع، ومديري المنظمات غير الربحية، وأشخاصاً يتعافون من الإدمان إلى صفّه ليحكوا قصصهم.

يقرأ  حرب إيران تقترب كيف ستضرب جيبك؟

إنه نهج جذوره في التعاطف، لا في إثارة الجدل. يتعلّم الطلاب أنّ ثمة إنساناً خلف كل إحصائية، وأسرةً خلف كل نقاش سياسي، ومجتمعاً يحاول أن يتعافى خلف كل عنوان خبر.

تأثير ويب يتجاوز أيضاً جدران الصفّ. فهو كاتب ينشر في مجلة «أمريكا»، وموقع «جستور ديلي»، ومنصة «ليرنينغ فور جاستيس»، وموقع «ليتيراري هب»، وأصبح واحداً من أكثر الأصوات التربوية عمقاً في منطقة أبالاتشيا. ومن خلال كتاباته، والمواد التعليمية التي طوّرها لصالح «سي-سبان كلاسروم» و«بي بي إس ليرنينغ ميديا»، يواصل تحدي الصور النمطية التي طالما لازمت المنطقة. يرفض أن تُختزل أبالاتشيا في الفقر، أو الإدمان، أو الانحدار. بدلاً من ذلك، يقدّم التعقيد، ويقدّم الإنسانية، ويقدّم الحقيقة.

عندما سُئل عن السياسة التي كان سيطبّقها لو ترأّس وزارة التعليم الأمريكية، لم يبدأ ويب بمعادلات التمويل أو أنظمة المساءلة. لقد اقترح شيئاً أبسط، وربما أكثر جرأة: توقّفوا عن التدريس للاختبار.

مستشهداً بكتاب كيلي غالاغر «قتل القراءة»، يرى ويب أنّ المدارس أصبحت منشغلة بالإعداد للاختبارات إلى حدّ أنها تدمر حبّ الطلاب للتعلم. ومن المفارقات، كما يقول، أنّ تعزيز الفضول الحقيقي قد ينتج نتائج أكاديمية أقوى في النهاية.

فلسفته في الفشل منعشة أيضاً. في مرحلة ما، صار التعليم يساوي النجاح في الاختبار بالتعلّم نفسه. يرفض ويب هذه الفكرة تماماً. فالفشل، كما يرى، ليس دليلاً على توقف التعلّم؛ بل في كثير من الأحيان دليل على أنّ التعلّم بدأ أخيراً.

الأمر الأكثر لفتاً في جيفري ويب أنّه، بعد نحو خمسة عشر عاماً في الصفّ، يرفض أن يقدّم نفسه خبيراً يملك كل الإجابات. ما زال يعتبر نفسه متعلّماً. كل سنة تجلب استراتيجيات جديدة، ووجهات نظر جديدة، وأسباباً جديدة تجعله يعيد التفكير فيما ظنّ أنه يعرفه.

يقرأ  بي بي سي: أمريكا تعتزم وقف المساعدات العسكرية عن حليف رئيسي في الشرق الأوسط

في عصر يكافئ اليقين في كثير من الأحيان على حساب الفضول، قد يكون هذا التواضع أعظم دروسه.

لأن أفضل المعلّمين لا يعلّمون الطلاب التاريخ فحسب؛ بل يعلّمونهم كيف يتساءلون عنه. ولا يعدّونهم للاختبارات فقط؛ بل يعدّونهم للمواطنة. وهم لا يتوقّفون أبداً عن التعلّم بأنفسهم.

جيفري ويب يجسّد نموذج المعلّم الذي تحتاج إليه مهنة التعليم؛ ليس لأنه أتقن التدريس، بل لأنه يواصل النموّ إلى جانب الطلاب الذين يخدمهم. هذا الالتزام بالتعلّم مدى الحياة، والصدق الفكري، وإبراز الأصوات التي كثيراً ما تُقصى من التاريخ، هو بالضبط ما يجعله واحداً من أفضل خمسين معلّماً.

أضف تعليق