كان وليد رعد في مراهقته يمشي في مدينته حاملًا كاميرا، محاولًا أن يفهم العالم قليلًا. للوهلة الأولى، تبدو الصور بالأبيض والأسود التي التقطها حينها باردة ومنفصلة. لكنه سرعان ما اكتشف أن الحرب في بيروت لا تسمح إلا بقدر محدود جدًا من المعنى. وفي يوم من الأيام، وهو يمشي قرب مخبز، صوّر كعكة معروضة في النافذة. كانت مزينة بتمنيات عيد ميلاد لشخص اسمه حسن. ولم يدرك رعد إلا لاحقًا، وهو يحمّض الفيلم في المنزل، بعد أن حوّل والده الحمام إلى غرفة تحميض تشجيعًا له على هوايته، أن التاريخ كان مرتبطًا بحسن نصر الله، الذي كان آنذاك ميلشيًا صاعدًا في الحرب الأهلية اللبنانية. تخيّل رعد لبرهة أن يسمّم الكعكة. ثم قال لي وهو يضحك: «لكنني كنت في الخامسة عشرة. كنت جبانًا».
بعد عقود، وبعد أن صار يحمل الدكتوراه وأقام معرضًا استعاديًا في متحف الفن الحديث، عاد رعد إلى تلك الصورة في سلسلة من كعكات عيد الميلاد المصنوعة رقميًا وموجهة إلى قادة سياسيين يصعب الاحتفاء بهم: عيد ميلاد سعيد لعلي وكمال وطوني ووليد، وعيد ميلاد سعيد بالفرنسية لياسر وإلياس ونبيه وأمين. بحلول ذلك الوقت كان نصر الله قد صار زعيمًا لحزب الله، ثم قُتل في غارة إسرائيلية سنة 2024. كعكات رعد الملونة تجمع بين المرح والبرود في آن واحد، وهو مزاجه المأساوي الكوميدي المعتاد الذي يمزج الخيال بالواقع. وفي كعكاته، كما في كثير من أعماله، تتكشف الأحداث السياسية الكبرى على مقياس إنساني حميم.
بدأ مشروع الكعك، بمعنى ما، عندما كان رعد في الخامسة عشرة فقط، وهو يحمل كل سمات طريقته: يبدأ بشيء حقيقي، بوثيقة، ثم يمدّ منطقها ليصنع شيئًا خياليًا، وربما عجائبيًا قليلًا. وقد رافقته هذه الطريقة في مهنة تقارب أربعين عامًا ولا تزال مستمرة.
في المعرض الرئيسي لبينالي البندقية هذا العام، يبرز عمله ضمن الأعمال اللافتة: لوحاته ورسومه وصوره لأسرّة تبدو عادية تنبض بالحياة حين تقرأ نصًا على الجدار يقول إن ياسر عرفات نام عليها، وإنه قيل إنه لم ينم في السرير نفسه ليلتين متتاليتين. وقد نجا زعيم منظمة التحرير الفلسطينية من أكثر من أربعين محاولة اغتيال، ولم يكن يستطيع أن يترك الحذر جانبًا، فعاش ونام وهو متنقل. ويضيف رعد أنه أمضى ثلاثين عامًا يبحث عن الأسرّة التي نام عليها عرفات، ويرسم لوحات لمراتبه وألحفته لكنه لا يستطيع إكمالها.
في الأسرّة والكعكات alike، تظهر الحكاية حرفيًا على أطراف الصور: لوحات الأسرّة ناقصة، محاطة بشريط لاصق وضربات فرشاة. وكعكات عيد الميلاد تبدو مسحوبة من مظاريف بنية مع أكوام من الصور، كأنها تُدخل دليلًا في محاكمة. يقول رعد إنه «يصنع الوثائق التي تمنيت لو كانت موجودة».
حين تحدثت الباحثة سيدييا هارتمان عن صور عرفات التي قدمها رعد في البينالي، وصفت «إيمانه بالخيال والتأمل» بأنه «حاسم». وقد كرست هارتمان عملها لتخيّل حياة المقهورين الذين تركوا آثارًا محدودة في الأرشيف: أناس أُسكتوا أو لم يعرفوا القراءة والكتابة، أو سُجلت أصواتهم فقط تحت الإكراه، أو عاشوا حياة سرية بالضرورة، مثل عرفات. وتسمي هارتمان منهجها «التخييل النقدي».
والواقع أن رعد معروف أكثر بطريقته في التخييل، تلك التي تزوّج القصص بالصور، والخيال بالتاريخ. ولهذه الطريقة علاقة مباشرة بموضوعه الأساسي: العالم العربي وسياساته وصراعاته، ولا سيما الحرب الأهلية اللبنانية بين 1975 و1990 التي شهدها رعد في شبابه. ومع أن تدفقات الصور ورواياتها المتنافسة صارت تكاد تحدد العصر الرقمي، فإن ساحة التضليل هذه تركت آثارًا واضحة في المنطقة. يتذكر خليل جريج، وهو فنان لبناني آخر يشارك في بينالي البندقية هذا العام، فيقول: «خلال الحرب، كان لكل ميليشيا محطتها التلفزيونية أو صحيفتها أو إذاعتها. كانت هناك حرب صور حقيقية». ويضيف جريج أن هذه الحرب أثّرت في علاقة جيله «المركبة» بالصور.
لذلك وصفت مؤرخة الفن في جامعة هارفارد كاري لامبرت بيتي عمل رعد بأنه نموذج لـ«التخييل الموازي»، مضيفة أن من أقوى ما يستطيع الفن فعله أن يجعل المشاهدين يعيشون سيناريو ما كأنه كان حقيقيًا، وأن يذكّرهم بأن عوالم أخرى ممكنة. وفي كتابها الأخير عن البحث الفني، اختارت مؤرخة الفن كلير بيشوب رعد أيضًا، ملاحظة أنه في حين يعيد كثير من الأعمال في هذا النوع إنتاج تجربة فرط المعلومات، مثل الوثائق داخل خزائن العرض، فإن رعد يقدم تركيبًا في شكل سرد، من دون أن ينزلق إلى نمط الروايات الكبرى ذات السلطة الذي تتفاعل ضده كثير من الأعمال القائمة على البحث.
في كتابي «خرافات وأدلة جنائية»، أصف عمل رعد بنوع من السريالية الخاصة بعصر المعلومات، وألاحظ كيف يمنح شكلًا مرحًا للوفرة العادية المذهلة من التضليل، لكنه يفعل ذلك من دون أن يقع في فخ إعادة إنتاج الأخبار الزائفة. وأي حقيقة، سواء كانت سريرًا أو كعكة عيد ميلاد، يمكن أن تُفهم خطأً على أنها صحيحة، ليست ذات أثر كبير، فهناك دائمًا دلائل على الطبيعة المصنوعة لوثائقه؛ فقط تذكّر أن تنظر إلى الأطراف.
يُعرف رعد أكثر بالعمل الذي أنجزه باسم مجموعة متخيلة تُدعى «مجموعة أطلس»، وهو عمل يضغط على علاقة التصوير الفوتوغرافي المضطربة بالحقيقة. في فيديو المجموعة «رهينة: أشرطة بشار» (رقم 17 ورقم 31)، المنسوب إلى سنة 2000، يروي سهيل بشار تجربته في الاحتجاز رهينة في لبنان بين 1983 و1993 إلى جانب خمسة رجال غربيين؛ كان هو العربي الوحيد. بعض المشاهد تُظهر بشار فقط أمام جدار أبيض، مع أن الفيديو يكشف عن نفسه بوضوح باعتباره معدلًا عبر مشاهد مفبركة بالشاشة الخضراء للرئيس رونالد ريغان. وهناك أيضًا دلائل أقل وضوحًا: من لا يتحدث العربية قد يفوته أن كلمات بشار تناقضها أحيانًا الترجمة الإنجليزية.
يقول رعد إن المجموعة استمرت من 1989 إلى 2004. لكن التواريخ، مثل كل الحقائق، هي مادته. ستجد أيضًا مجلات ومتاحف تعيد أصل المجموعة إلى سنة 1967، سنة ميلاد رعد، أو إلى 1948، أو 1945. وقد نسبت المجموعة صورًا أرشيفية إلى مؤسسات غير موجودة، مثل متحف الفنون الجميلة في نيويورك. وقد اقتنى كل من متحف تيت ومتحف الفن الحديث في نيويورك نسخًا من سلسلته «رقبتي أرقّ من شعرة: محركات»، لكن كلًا منهما يسجل العمل بتاريخ مختلف: 2000 إلى 2003، و1996 إلى 2004 على التوالي. ومع أن رعد يقول إنه أوقف «مجموعة أطلس» سنة 2004، يظهر عمل للمجموعة في كتالوج بينالي البندقية 2026، بتاريخ «طُبع 2023»، مما يترك الأمر غامضًا: متى صُنع العمل؟ وهل تفككت المجموعة فعلًا؟
ومع ذلك، هناك تاريخ واحد واضح: خلال العقدين الماضيين، ومنذ محفّز في 2005، صار عمل رعد أغرب فحسب. لقد هيّأت «مجموعة أطلس» المشاهدين لقراءة وثائقه باعتبارها غير مستقرة، لكن الأعمال اللاحقة تطلب منهم أن يتعاملوا مع أشياء تصغر، ولوحات تُبعث من جديد، ومصاصي دماء يتربصون في الأرشيف. هناك شيء تغيّر، ولغة الحقيقة والخيال القديمة لم تعد تلمس إلا السطح.
في حظيرة مرمّمة من القرن التاسع عشر تقف على قمة في ما يسمى «الألب الإيرلندية» شمال ولاية نيويورك، يحتفظ رعد بأرشيف بالغ الدقة. على بعد ساعة تقريبًا بالسيارة من كلية بارد حيث يدرّس، نسخ هو وزوجته مخطط أرضية الحظيرة ليبنيًا مبنى ثانيًا قريبًا هو بيتهما. والمنظر من شرفتهما يخرج مباشرة من لوحة لمدرسة نهر هدسون، ولقاؤه للمرة الأولى يبدو كأنه نظرة خلف الستار: فلأكثر من عشرين سنة، أخفى رعد صورته بانتظام من كل زوايا الإنترنت، وملأ الخوارزميات بوجوه أخرى ليبعدها عن أثره. وقد شرح تحفظه بكلمة واحدة: «رهاب». لكن كان من الصعب ألا نرى ذلك مجرد طريقة أخرى يستخدم بها رعد التصوير ليجعل العالم يبدو أوسع وأغرب، بدلًا من محاولة «التقاطه». أما شخصيًا، فهو دافئ ومرحب، يقدم تبولة وحمصًا منزليين «بالطريقة الصحيحة»: مع السماق وزيت الزيتون.
في الحظيرة، نظّم رعد بعناية مواد عابرة مثل بطاقات الجدران من معارضه وبطاقات الأسماء من عشاءات حضرها، وكلها مواد قد تتحول أو لا تتحول إلى عمل فني في المستقبل. كان في حافظة جلدية ذات أشرطة شيء من أعماله الأولى، ومنها تلك الصور التي التقطها في مراهقته. ذهب إلى المدرسة الثانوية في بوسطن، وقال: «كان لديهم غرفة تحميض وفريق كرة سلة، فكان ذلك رائعًا». وهناك صنع صورًا على غرار سيندي شيرمان وديان آربوس وغاري وينوغراند وستيفن شور وهنري كارتييه بريسون ولوكاس ساماراس. استطاع رعد أن يقارب أساليبهم جميعًا، لكن ما حمله من التجربة بوضوح أكبر هو خبرة تجسيد شخصية من خلف الكاميرا.
في 1985، بدأ رعد دراسته الجامعية في معهد روتشستر للتكنولوجيا، حيث تخصص في الطب قبل أن ينتقل إلى التصوير. وهناك فاز بأول جائزة تصوير له عن عمل صنعه باسم مستعار هو «بي إكس تشيسترفيلد»، مستوحى من جنرال حقيقي في مشاة البحرية الأمريكية يدعى بي إكس كيلي، لأن الاسم كان يبدو له رائعًا. وسرعان ما التحق ببرنامج الدكتوراه في «الدراسات الثقافية والبصرية» في جامعة روتشستر، الذي ضم هيئة تدريس من النجوم الصاعدين: كريغ أوينز، وكاجا سيلفرمان، ودوغلاس كريمب. كان البرنامج «تحليلًا نفسيًا ولغويات وماركسية»، كما شرح رعد. «الثلاثي المقدس». وهكذا بدأت الشخصية والنظرية والتصوير تتقارب عنده.
حين كان طالبًا، زار رعد بيروت وصوّرها كل صيف، وهي عادة مستمرة حتى اليوم. وفي بلده، حاول أن يقلد تقنيات المراقبة لدى ديان آربوس أو أوجين أتجيه، التي كان يراها في مجلات التصوير التي أعطاه والده. لكنه وجد أن «حتى شيء بسيط مثل استخدام حامل ثلاثي كان مستحيلًا… في مدينة مليئة بالقناصة». ولم يكن يصنع تصوير حرب أيضًا: لم يلتقط الأفعال قط، بل النتائج دائمًا.
بعد أن صوّر قنابل انفجرت، كثيرًا ما شعر أن شيئًا ناقص، فبدأ يحصل على الصور نفسه، ويدوّر الحطام بقلم أحمر. جذور أشهر أعماله ظاهرة في سنوات مراهقته، وهذا مناسب لفنان يصف نفسه بأنه بدأ باهتمام بـ«طريقة معينة في التفكير في العنف والصدمة». وتتكرر نسخ من تلك الدوائر الحمراء في عمل «مجموعة أطلس» «لنكن صادقين، الطقس ساعد» (1998/2006)، حيث صور فوتوغرافية بالأسود والأبيض لبيروت معلّمة بنقاط زاهية تتوافق مع نظام الرموز الذي يستخدمه مصنّعو الذخيرة لتمييز الخراطيش والقذائف، وبالتالي مصنّعيها بشكل غير مباشر. وفي يد رعد، تبدو النقاط أقرب إلى قصاصات ورقية ملوّنة منها إلى علامات جنائية.
تحت اسم «مجموعة أطلس»، كان رعد يصنع شخصيات مثل المؤرخ المقامر الدكتور فضل فاخوري، ومحقق الشرطة سيئ الحظ يوسف بيطار: «أشخاص جديون جدًا ومهنيون جدًا»، كما شرح، من النوع الذي يترك خلفه وثائق رسمية. لكنه وجد لاحقًا أن «مجموعة أطلس» «محدودة إلى حد ما»، وبدأ يهتم بإظهار كيف أن «للعنف آثارًا خفية أخطر مما نعرف». ويضيف أنه بحلول بدايات الألفية شعر أن «لغة الخرائط والأرشيف قد استُنفدت».
بدأ تفكير رعد يتغير بعد أن التقى، في مطلع التسعينيات، الكاتب والفنان اللبناني جلال طوفيق أثناء عمله على مشروع فيديو عن احتلال جنوب لبنان. بدأ يقرأ كتب طوفيق، التي وجدها صعبة في البداية، ثم وصل أخيرًا إلى كتابه «الآتي» (2000). يضم ذلك الكتاب قصة مصوّر مدرّب تقليديًا لا يستطيع التوقف عن صنع صور ضبابية لمبانٍ في بيروت. وقد تعرف رعد فيه على نفسه فورًا.
قال لي رعد: «أصبت بالذعر. كان الأمر كما لو أنه يسمع حديثي الداخلي». فكّر كيف أن بعض أساليب التصوير، مثل شيء بسيط كالحامل الثلاثي، صارت غير متاحة له في بيروت أيام الحرب، ثم سرعان ما بدأ يفكر على نحو أوسع في كل ما سحبه العنف منه. كان تدريبه الثلاثي في روتشستر قد علّمه أن «اللغة والنفس والاقتصاد… هذه هي مادة العالم». أما طوفيق، كما قال، فقد أعطاه لغة لـ«مكان مختلف لم أُعرّف إليه من قبل».
أثّر طوفيق في كل ما صنعه رعد تقريبًا بعد ذلك اللقاء. قال لي: «أشعر بالحرج من كثرة حديثي عن ذلك الرجل. كأنني لا أستطيع أن أفكر بفكرة من دون أن أمر به». ومن أكثر ما ترك أثرًا فيه مفهوم طوفيق عن «الانسحاب»، الذي فصّله بوضوح أكبر في كتاب «انسحاب التقليد بعد كارثة متجاوزة» (2009)، لكنه تناوله أيضًا في مقالات أسبق. يصف طوفيق فيه أنواع الخسائر غير المادية التي يمكن أن تظهر بعد التحولات الثقافية الكبرى: الطرق التي تصبح بها الطقوس والأشكال غير متاحة أو تفقد فعاليتها حين يتغير المجتمع الذي أنتجها تغيرًا لا رجعة فيه بفعل الكارثة.
يقول طوفيق إن التقليد قد يُتشبث به بثبات بعد الكارثة، كما في إحياء اليهودية الأرثوذكسية بعد الهولوكوست، أو قد يُقمع كليًا، كما في نسخ من الحداثة حاولت بعد الحروب العالمية عبثًا أن تتخيل صفحة بيضاء وتلغي ما سبقها. وحين يعود التقليد إلى الحياة في سياق جديد، يكون هناك دائمًا شيء غير صحيح: يسمي طوفيق هذا الفعل «البعث»، لأن التقليد ليس حيًا بقدر ما هو غير ميت. ومهمة الفنان أن يجعل هذا الانسحاب ملموسًا، وأن يجعل الغياب حاضرًا، «مثل المرآة في أفلام مصاصي الدماء». ويرى طوفيق أن الذين يحاولون بعث التقليد المنسحب ويفشلون هم فقط «قد يصبحون حداثيين مطلقين حقًا».
أثّر مفهوم الانسحاب هذا في العمل المحوري الذي عرضه رعد في صالة صفير سيملر، أول صالة عرض بيضاء في العالم العربي، التي افتتحت في 2005. كان قد رفض الدعوة عدة مرات قبل أن يوافق في 2008، شاعرًا بأن هناك شيئًا غير طبيعي. وعندما وصل إلى الصالة، وجد أن عمل «مجموعة أطلس» الذي أرسله قد تقلص إلى واحد من مئة من حجمه الأصلي. وحين سألت رعد عن كيفية حدوث ذلك، قال إن «هناك ظروفًا يصبح فيها عملك نفسه غير متاح لك، وعلاقتك الوحيدة به تبدو مشوهة». وبالنسبة إليه، هذا ليس «عَرَضًا ولا استعارة»، وليس «كمّيًا» ولا حالة تتعلق بـ«نفس المرء أو ظروفه المادية أو لغته». إنه، كما قال، «انسحاب». والانسحاب هو السبب نفسه الذي جعله غير قادر على إكمال لوحات أسرّة عرفات.
أوجه الشبه بين رعد وطوفيق لافتة إلى حد أن أكثر من شخص اعترف بشكّه في أن طوفيق ليس إلا شخصية أخرى من شخصيات رعد. وهي نظرية لو كانت صحيحة لاحتاجت إلى حيلة معقدة، منها توظيف بديل جسدي يظهر إلى جانب رعد في المناسبات العامة. لكن رعد، مع مهارته الواضحة في صنع الخيال والشخصيات، أقل اهتمامًا بالمقالب من اهتمامه بالخرافات: بما يحدث حين يُتخيل شيء ما كأنه كان حقيقيًا، لا بالخداع والوهم.
بعد أن نبشت «مجموعة أطلس» الأرشيف وجعلته غريبًا، تجاوز عمل رعد خلط الحقيقة والخيال نحو شيء أقرب إلى الواقعية السحرية. وعلى الطريق، صار التصوير، الذي يصعب قراءته من دون التفكير في الحقيقة، أقل مركزية. عمل «من الأفضل أن تراقب الغيوم مرارًا وتكرارًا» (2000/2017) سلسلة كولاجات منسوبة إلى ضابطة متخيلة في الجيش اللبناني تدعى فدوى حسون، تدربت في علم النبات. خلال الحرب، أعطت حسون الساسة أسماء زهور كرموز سرية، والعمل الذي يروي قصتها يضم صورًا بالأسود والأبيض لبنيامين نتنياهو وصدام حسين ورونالد ريغان وآخرين، وقد توّجت رؤوسهم بتلات ملونة، وصنعت أرجلهم لتبدو كسوق نبات.
وفي الآونة الأخيرة، تعاون رعد مع المصمم الجرافيكي بيير هويغبيرت على عمل «ظننت أنني سأفلت من قدري (مرة أخرى)» (2025)، وهو تنصيب يجمع تصريحات أشخاص ارتبطوا بمعارض وبرامج أُلغيت بسبب تعبيرات تضامن مع فلسطين. طُبعت هذه الاقتباسات وقُصّت ولُصقت منخفضة على طول قاعدة الجدار في الصالة، بحيث يصعب قراءتها من دون الانحناء. أما ما يلفت النظر بدلًا من ذلك فهو شرائط لاصقة ملوّنة تمتد عبر الجدار، كأنها علامات مكان لأعمال لم تُتح لها فرصة التعليق في مثل ذلك المكان. وهو مثال آخر على كيف يمكن أن تظهر الكارثة في الفن بشكل جانبي، وعلى فكرة طوفيق بأن الصراع يترك آثارًا لا تكون مرئية في الأعمال الفنية والتقاليد الثقافية إلا في شكل غياب، وأن العمل الفني «الحداثي حقًا» قد يجعل هذا الغياب مرئيًا.
تعود فكرة مرآة مصاصي الدماء عند طوفيق إلى أعمال أخرى لرعد معروضة في البندقية إلى جانب أعمال عرفات. نسخ من أعمال عربية وتركية مسروقة تظهر مرسومة على الوجوه السفلية لمنصات خشبية. وهنا، كما في أعمال حديثة عدة، يكون مصاص الدماء الذي يرفع رعد المرآة أمامه هو الفن العربي الحديث نفسه، الذي مر مؤخرًا بفترة «اكتشاف جديد»، بتعبير عالم الفن المفضل، أو بعث. يخبرنا نص على الجدار أنه حين انتهت الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1990، باعت الميليشيات أسلحتها، ووصل كثير منها إلى البلقان؛ وهكذا خيضت حروب يوغوسلافيا جزئيًا بأسلحة لبنانية. ويضيف النص أن المنصات المطلية وُجدت مؤخرًا في ليوبليانا، في موديرنا غاليريا، حيث كان قد أغلق للتو معرضًا استعاديًا لمنتصف مسيرته.
في ربيع العام المقبل، في صالة بولا كوبر في نيويورك، سيضع رعد سيارة فولكسفاغن بيتل قديمة على ظهرها في الصالة كحشرة تحتضر، في إشارة إلى «الفولكسفاغن الطائرة»، كما كان الجنود الأمريكيون يسمون القذائف المدفعية التي أطلقوها على بيروت في الثمانينيات. وستحيط بها على الجدران نسخ من ملاحظات مكتوبة بخط اليد تركها جنود على قنابل بلغات مختلفة، منها الإنجليزية والروسية والعربية والعبرية والفرنسية، مثل «قُبَل وأحضان»، أو «عواقب الأمور نادرًا ما تأتي ميسّرة»، أو «من وادي السيليكون مع الحب». وجد رعد الصور على منصة ريديت، نشرها جنود متفاخرون من أنحاء العالم، ثم بالغ في حجم كتاباتهم وغيّر ألوانها. ليس في هذا العمل الكثير من الخيال أو الفانتازيا: أحيانًا تكون الحقائق غريبة بما يكفي.