آلاف الكينيين يستعدون للتظاهر الخميس في ذكرى مرور عامين على موجة احتجاجات “جيل زد”، ويتأهبون لإحياء ذكرى أكثر من 120 قتيلاً سقطوا في حركة هزّت جيلًا كاملاً من الشباب قبل عامين.
بدأت الاحتجاحات في 2024 بعد اقتراح مشروع قانون ضريبي أثار سخطًا واسعًا؛ فتجمّع الشباب المعروفون بـ«جيل زد» احتجاجًا على تدهور مستوى المعيشة والبطالة والفساد الحكومي، وبهدف الضغط لإسقاط الرئيس ويليام روتو. لم تؤدِ الحركة إلى الإطاحة بالحكومة، لكن الضغوط أفضت إلى تراجع عن بعض بنود مشروع القانون، فيما استمرت القضايا الأوسع، لا سيما التفاوت الاقتصادية، في إشعال غضب الشبان بحسب خبراء.
الذكرى السنوية الأولى تحولت إلى عنف عندما تصدّت قوات الدولة للمحتجين وقتلت أكثر من 60 شخصًا. هذا العام حذّرت حكومة روتو مرارًا من التظاهر وأمرت بنشر كثيف لقوات الشرطة. من المتوقع أن تعود تظاهرات جيل زد إلى المدن الكبرى، بما في ذلك العاصمة نيروبي، يوم الخميس.
ما وراء تسمية “احتجاجات جيل زد” أنّها تنبع من مرحلة متصلة رقميًا، يقودها شباب مولودون بين أواخر التسعينيات وبداية عشرينات القرن الحادي والعشرين، وتُنظَّم بشكل لامركزي عبر منصات التواصل الاجتماعي بدلاً من القيادات الحزبية التقليدية. وعلى الرغم من اختلاف مطالبها بحسب واقع كل بلد، فإنها عادةً ما تركز على المساواة الاقتصادية ومقاومة تراجع الحريات الديمقراطية، وتتميّز بهياكلها غير القيادية.
أدت موجات مماثلة إلى سقوط حكومات أو تحولات سياسية في بلدان مثل سريلانكا (2022)، بنغلادش (2024) ونيبال (2025)، وشهدت إندونيسيا والفلبين احتجاجات مماثلة في الأعوام الأخيرة. ويُعدّ تحرّك جيل زد في كينيا منذ 2024 من أبرز هذه الحركات تأثيرًا وانتشارًا.
كيف اندلعت الاحتجاجات في كينيا؟ بدأت المعارضة في 2024 ضد مشروع قانون مالية كان يهدف إلى جمع 2.7 مليار دولار من الإيرادات الضريبية الجديدة. في ذروة الاحتجاجات اقتحم المتظاهرون البرلمان وأحرقوا قسمًا منه بعد أن مرّ النِصاب على مشروع القانون في 25 يونيو 2024. في النهاية عاد روتو عن بعض بنود المشروع وأرسله للتعديلات، لكن ذلك لم يحدث دون قمع أمني واسع.
وصل روتو إلى السلطة عام 2022 على برنامج شعبوي يَعِد بسياسة “من القاع إلى القمة” لصالح الفئات العاملة والمحرومة، لكنه شهد حكماً تميز بزيادات ضريبية أدّت إلى تضخّم الأسعار. عادت الاحتجاجات في العام التالي عندما سارت آلاف المسيرات لإحياء ذكرى القتلى في يونيو 2025 وتفاقمت بعد وفاة المدوّن ألبرت أوجوانغ في حجز الشرطة، مما أعاد إشعال الغضب العام بشأن وحشية أجهزة الأمن ومساءلة الحكومة. أسفرت حملات القمع عن أكثر من 60 قتيلاً ونحو 500 جريح وفق منظمات حقوقية وتقارير إعلامية.
ما الذي يجري هذا العام؟ في 21 يونيو تجمع أقارب ضحايا القمع، بمن فيهم عائلات القتلى، في كنيسة المعمدانيين بنيروبي مطالبين الحكومة بالاستماع إلى المواطنين. قال كريس كينيانجوي، الأمين العام للمجلس الوطني للكنائس في كينيا، بعد خدمة تأبينية: «نقف مع كل كيني ما زال يحمل ألم وذكريات ذلك الموسم المظلم في وطننا». ووصفت اللاهوتية جاكي ماكينا من الكنيسة الميثودية الوضع بأن «كينيا تقف في قاعة محكمة»، وأضافت: «دماء الشبان تنادي من الأرض، وأصوات من فقدناهم في احتجاجات جيل زد 2024 و2025 تتردّد في شوارعنا».
التوترات متصاعدة في نيروبي؛ فقد قدمت حكومة روتو قانون المالية الجديد لسنة 2026، وعرّفته بأنه قانون داعم للنمو وجاذب للاستثمار يهدف إلى توسيع الاقتصاد، وقال إنه تحول عن سياسات التحصيل الضريبي العدواني نحو دعم المؤسسات وتحفيز الاستثمار الخاص، واصفًا المعارضة بأنها «دعاية». ودعا الرئيس الكيني الناخبين إلى عدم التظاهر والتركيز على أنشطتهم اليومية والإنتاج والنمو الاقتصادي، مؤكداً أن المدارس ستستمر وأن العمال سيذهبون إلى أعمالهم لرفع إنتاجية الوطن.
من جانبه حثّ زعيم المعارضة البارز ومحافظ مقاطعة سيايا، جيمس أورينغو، الكينيين على المشاركة في خدمات إحياء الذكرى، ومسيرة إلى مبانٍ حكومية في نيروبي ومراسم تأبينية في أنحاء البلاد، ودعا أيضاً إلى تضامن ساكن عبر البقاء في المنزل حتى تكون «صمت شوارعنا الفارغة شهادة مدوية ضد الطغيان»، وأضاف أنه لا ننسى ولن نتراجع، ودعا المواطنين للالتقاء في 25 يونيو.
هل سينال ضحايا قمع الاحتجاجات عدالة؟ أعلن روتو الأسبوع الماضي عن صندوق بقيمة تقارب 15 مليون دولار لتعويض نحو 1,100 شخص تضرروا من أعمال عنف بين 2017 و2025 وتم تحديدهم من قبل منظمات حقوق الإنسان. قال إن الدفعات تمثّل «اعترافًا بوقوع ضرر» لكنه امتنع عن تقديم اعتذار صريح. وعلّق معارضون بأن هذا الإجراء محاولة لـ«تغطية الأخطاء التي ارتكبتها الدولة». «هو يريد منا أن نسكت بسبب المال الذي يمنحه لنا — الفتات»، قالت جيليان مونياو، أم ريكس ماساي، 29 عاماً، الذي كان من بين أوائل الذين قُتلوا في احتجاجات يونيو 2024.
«لا أرى عدلاً في أي مكان… لماذا يدفعون لنا من دون أن يُحال الجاني إلى العدالة؟» قالت مونياو لوكالة فرانس برس أمام محكمةنايروبي الأسبوع الماضي، حيث لا تزال قضية تتعلق بعمليات القتل مستمرة.
لم تُحال إلى المحاكمة سوى ثلاث قضايا تتعلق بوفيات احتجاجات 2024 وقضية واحدة عن 2025، ولم تُدَن أيُّ ضابطٍ حتى الآن.
أشارت منظمات حقوقية دولية مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إلى أن عشراتَ من منتقدي الحكومة اختفوا قسرياً في 2024 و2025، وكثيرٌ منهم لم يُعثر عليهم منذ ذلك الحين.
في مايو 2025 قال روتو إن هناك اية «آلية للمساءلة» لإحضار المسؤولين أمام العدالة. لكن كثيرين، بمن فيهم المدعي العام السابق المقرب منه، يتهمونه بالمسؤولية المباشرة عن عمليات الاختطاف، ولم تبرز أية دلائل على فتح تحقيق جاد.