هل سيصبح الذكاء الاصطناعي جواباً لكل شيء؟ يبدو أن هذا هو الطرح الذي يكرره عدد من المتحدثين في حفلات التخرج بالجامعات الأميركية هذا الموسم. لكن الخريجين لم يستقبلوا هذه الرسالة دائماً بالترحاب؛ فقد ردّدوا صيحات الاستهجان في مناسبات عدة.
لا غرابة في ردّ فعلهم. يترك الطلاب الجامعة في وقت يُروَّج فيه للذكاء الاصطناعي ليس فقط كأداة ينبغي عليهم إتقانها، بل كقوة قد تغيّر سوق العمل الذي هم على وشك دخوله. والتحدي يتجاوز الوظائف: فالضغط قائم أيضاً لتحويل مؤسسات التعليم العالي كي تُبنى حول الذكاء الاصطناعي، بوصفه حلاً لمشكلات الميزانيات والأعباء الإدارية ومتطلبات أرباب العمل.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي. في «عصر الذكاء الاصطناعي» قد تصبح الجامعه ضحية احتضان غير نقدي للتكنولوجيا، لا سيما في ظل الضائقة المالية الحادة. الجهات الصناعية دفعت بقوة في هذا الاتجاه.
ورقة حديثة برعاية شركة سيسكو، العملاق الأميركي في شبكات وتقنية المعلومات، أعلنت أن «المؤسسات الرائدة تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كحل لمحدودية مواردها»، مضيفة أن «الذكاء الاصطناعي يمكنه أتمتة المهام الروتينية، تحسين خدمات الطلبة ومساعدة الجامعات على العمل بكفاءة أكبر». كما شددت الورقة على ضرورة أن تتبنّى الجامعات دورها كسلاسل توريد لمهارات متعلقة بالذكاء الاصطناعي، مستشهدة بأن «الطلاب المتجهين إلى سوق العمل يتوقعون تكامل الذكاء الاصطناعي، وأرباب العمل يطلبون تزايداً معرفة بالذكاء الاصطناعي».
هذا الخطاب يكشف رؤية جديدة للتعليم العالي: يُطلَب من الجامعات أن تعتبر الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة بل مبدأً تنظيمياً، حيث يُتصوَّر الطلاب عمالاً مستقبليين بحاجة إلى ثقافة حول الذكاء الاصطناعي، ويُحثّ العاملون على تبسيط أعمالهم، وتُعاد تشكيل المؤسسات لتصبح أكثر كفاءةً وأتمتةً وملاءمةً لسوق الشغل.
وبعض الجامعات استجابت لهذا المنطق. أبرمت جامعات مثل مينيسوتا، دارتموث، وسيراكيوز صفقات مع شركات ذكاء اصطناعي. وفي 2025، وقّعت نظام جامعات ولاية كاليفورنيا (CSU) صفقة بقيمة 17 مليون دولار مع شركة OpenAI لتزويد أكثر من نصف مليون طالب وأعضاء هيئة تدريس بشات بوت «موجه للتعليم».
أظهرت استطلاعات أن الكثير من أعضاء هيئة التدريس والطلاب في CSU لم يقتنعوا بـ«وعود الذكاء الاصطناعي البراقة». ومع ذلك لم يمنع هذا الشك من تصوير الاتفاق كبصمة فارقة: بالنسبة إلى OpenAI، كانت صفقة النظام الجامعي العام الأكبر في الولايات المتحدة دليل إثبات أن الذكاء الاصطناعي يمكن إدراجه على نطاق واسع في التعليم العالي؛ وبالنسبة إلى CSU كانت «فرصة ضخمة للعلامة التجارية»، إذ لم تعتمد أي جامعة أخرى الذكاء الاصطناعي بهذا الحجم. المنطق المالي أقل سهولة في التتبع: فبينما كانت CSU تواجه خفضاً في الميزانية بنحو 144 مليون دولار، جدّدت الاتفاق في الشهر الماضي بشروط أكثر تكلفة، متعهدة بدفع 13 مليون دولار سنوياً لثلاث سنوات — أي نحو 39 مليون دولار إجمالاً — مما عمّق رهانها على الذكاء الاصطناعي في وقت كانت تقصّص فيه من مصاريف أخرى.
ماذا يحدث عندما تبدأ الجامعات بمعاملة المزيد من مهامها كأشياء قابلة للأتمتة أو التفويض أو التخفيف بتكلفة أقل عبر الذكاء الاصطناعي؟ رأينا نموذجاً صغيراً لكن معبّراً في حفل تخرج كلية Glendale Community College في أريزونا، حيث استُخدم نظام ذكاء اصطناعي لقراءة أسماء الخريجين أثناء تسلّمهم الشهادات. فشل النظام في مطابقة الأسماء الصحيحة مع الخريجين العابرين على المسرح، وكانت الأسماء المعروضة على الشاشة الكبرى لا تطابق حامل الشهادة.
واجَهت تيفاني هرنانديز، رئيسة الكلية، صيحات الاستهجان عندما فسّرت ما جرى: «نعم، نعم. هذه درْس تعلمناه»، قالت. وقال طالب خريج لوسائل الإعلام إن اعتذار هرنانديز «لم يبدُ صادقاً وكان يبدو أنهم لا يبذلون جهداً»، مضيفاً: «كنت أتمنى لو فُكِّر قليلاً قبل دفع مهمة بسيطة مثل قراءة الأسماء إلى جهاز ذكاء اصطناعي».
تزداد خطورة المشكلة عندما ينتقل الذكاء الاصطناعي من الإدارة إلى التدريس والتقويم. يدّعي المؤيدون أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخفّف الأعباء الإدارية، يخفض التكاليف، ومع الوقت يتحسن في تصميم الدورات وتصحيح الأعمال وتلخيص النصوص المعقدة. لكن هذه الوعود تصطف إلى جانب مخاوف بشأن الخصوصية والتحيّز والمساءلة، فضلاً عن سؤال أعمق: إذا صار جزء كبير من الحياة الجامعية مُبسّطاً ومؤتمتاً، فماذا يبقى من منظومة التعلم والإرشاد التي تقوم عليها هذه المؤسسات؟
الأدلة في مجال التقويم مثبطة للهمم. فريق بقيادة جامعة كامبريدج اختبر ثلاثة أنظمة «حدّية» ووجد أن الذكاء الاصطناعي أقلّ تقديراً عمومًا للأعمال التي يمنحها البشر أعلى الدرجات، أو مبالغًا في تقديره لمقالات تُصنَّف من الأدنى. وعلى خلاف المقيمين البشر، كانت الأنظمة «مفرطة الحساسية للميزات اللغوية»: تمنح درجات أعلى لطول المقال، مدى المفردات وتعقيد الجمل، وهي عناصر غالباً لا ترتبط بالمعايير الأكاديمية الحقيقية.
حذّرت ديبورا تالمي، قائدة الدراسة: «التقويم ليس مجرد نظام لتوزيع الدرجات. إنه جزء من كيف يُصاغ المعنى التربوي، حتى يشعر الطلاب بأنهم مرئيون، تُحافظ المعايير وتُبنى الثقة. استخدام الذكاء الاصطناعي في التقويم يهدد هذه القيم».
هذا جوهر القضية. لا يلتحق الطلاب بالجامعة فقط لِحصولهم على شهادة أو إتقان منهج. عندما يدخلون الحرم يريدون أن يُرى شأنهم، أن تُعتنى اهتماماتهم، وأن يُساعدوا على استيعاب العالم ومكانهم فيه. إذا سلّمت الجامعات مزيداً من هذا العمل إلى الذكاء الاصطناعي، فستخاطر بإضعاف العلاقات وأشكال الحكم التي تُضفي المعنى على التعليم العالي. أظهرت دراسات أن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يعيق التفكير النقدي ويضعف المهارات المعرفية التي يحتاجها الطلاب لمواجهة الحياة بعد التخرج.
ولهذا يجب أن تحذر الجامعات من رواية الثورة الآتية للذكاء الاصطناعي. أكثر الأصوات صخباً في دفع هذه الرواية جزء من منظومة شركات وشخصيات تقنية استثمرت بكثافة في التكنولوجيا وبنيتها التحتية.
ارتفعت التقييمات السوقية، لكن هذه الاستثمارات لم تولِّد بعد الأرباح التي تُبرِّر الضجيج. منتقدون يحذرون من «فقاعة الذكاء الاصطناعي» يرون أن ربحيتها تعتمد على اعتماد الذكاء الاصطناعي في كل مكان وبوتيرة غير مسبوقة. تكتسب الجامعات أهمية خاصة في هذا المشروع: فهي تمنح شركات الذكاء الاصطناعي مشروعيّةً، وحجماً وانتشاراً، وإمكانية الوصول إلى القوى العاملة المستقبلية، ويمكن تقديمها كدليل على أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد فرضية بل جزء لا غنى عنه من الحياة العامة. المشكلة أن هذه الجامعات تُعامل الآن كترس في آلة صُممت لتوليد أرباح لشركات التكنولوجيا الكبرى، بينما يُجعل الطلاب والخريجوون يشعرون كأنهم بيادق في سعيّ يهدف إلى جعل الذكاء الاصطناعي قابلاً للربح.
ما يُقوَّض أيضاً هو الوظيفة الجوهرية للجامعة. انها لم تُبنَ لتكون مؤسسات تُقدّم الكفاءة المالية، ولا ينبغي أن يكون غرضها الأساسي تزويد سوق العمل بيد عاملة مُهَرة تُخدِم حاجة السوق فقط. بل بُنيت كهيئات للتعليم والتعلم العالي، تهدف إلى تنشئة مواطنين قادرين على التفكير النقدي ومتحمسين لتحسين العالم.
وهذا يعيدنا إلى أولئك الخريجين وصيحات الاستهجان لديهم. قد لا يكون غضبهم نقداً متكاملاً للذكاء الاصطناعي أو لشركات التكنولوجيا الكبرى أو لمستقبل التعليم العالي، لكنه عبّر عن أمر حقيقي: رفض أن يُملى عليهم قبول نظام يرى فيهم أفراداً أقل قيمة كطلاب مُعلَّمون وأكثر قيمة كعمّال يُجهّزون، وكمصادر بيانات تُعالَج ومستهلكين يُدارون.
في “عصر الذكاء الاصطناعي” هذه هي رسالة الجامعة التي يجب أن يدافع عنها المعلّمون والطلاب والجمهور.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال تعود للكاتب وحده ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.