مدينة غزة – في ساعة مبكرة من صباح السبت، أمسكت رنا طوتة بيدَي ولديها وهي تصحبهما إلى المدرسة في حي الكتيبة بمدينة غزة، وتراقبهما وهما يعودان إلى روتين كادا أن ينسياه.
بالنسبة لطوتة، 30 عاماً، لم يكن ذلك الصباح مجرد أول يوم في عام دراسي جديد، بل عودة إلى حياة عائلية انقطعت بسبب نحو ثلاث سنوات من الحرب والنزوح، بعد أن بدأت حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023.
بعد أن نزحت من حي الزيتون في مدينة غزة إلى الكتيبة في غرب المدينة، أمضت طوتة الليلة السابقة وهي تجهز أطفالها لأول يوم لهم في التعليم الوجاهي.
حرصت على أن يناموا مبكراً، ثم أيقظتهم وألبستهم وأخذتهم إلى المدرسة.
«بصراحة، كان اليوم جميلاً بالنسبة لي. حتى شعرت كأنه يوم عيد»، قالت طوتة للجزيرة. «جهزت أولادي، وكانوا متحمسين وناموا مبكراً. جهزتهم كما لو كان يوماً دراسياً عادياً».
أقيمت مدرسة بلدية غزة في نحو عشر خيام في حي غرب مدينة غزة، كمساحة مؤقتة للعودة إلى التعليم الوجاهي. وقالت طوتة: «أحياناً كانت تمر أشهر أتوقف فيها عن إرسالهم تماماً».
خلال الحرب، بما في ذلك عندما كانت العائلة في خان يونس، حاولت طوتة إبقاء أطفالها الأربعة في التعليم عبر مبادرات تطوعية للتعلم غير الرسمي. لكن الحضور كان متقطعاً، إذ كانت مخاطر الحرب ومشقة تأمين الاحتياجات الأساسية أولوية للآباء والمعلمين والطلاب. وفي النهاية، سبق البقاء المدرسة، وتولى أطفالها مهام أساسية مثل جلب الماء، رغم توسلاتها لهم كي يركزوا على التعلم.
«كانت هناك أيام صعبة جداً. كانوا يفكرون في أشياء مثل: ماما، أحضري لي ماء، أو ماما، دعيني أذهب وأجلب لك هذا. وكنت أقول لهم: لا، أريدكم أن تركزوا على دراستكم. التعليم أساس كل شيء في الحياة».
في خيمة، عاد هؤلاء الأطفال الفلسطينيون إلى دروسهم بأدوات بسيطة، والموارد التعليمية شحيحة في كل أنحاء غزة.
عودة هشة إلى التعلم
تأتي العودة إلى التعليم الوجاهي بعد نحو ثلاث سنوات من الانقطاع بسبب حرب الإبادة الإسرائيلية، التي نزح فيها تقريباً كل سكان غزة ودُمّرت معظم مباني القطاع.
وقالت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية إن نحو 541 ألف طالب عادوا إلى التعليم في غزة مع بدء العام الدراسي الجديد في 19 سبتمبر، وذلك بعد تراجع العنف، لا انتهائه، عقب وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.
وفي يناير، قالت الوزارة إن 317,332 طالباً كانوا يتابعون التعليم الوجاهي في مساحات ومدارس ومبادرات تعليمية في غزة. وسُجل 120 ألفاً آخرين في مدارس افتراضية يدرّس فيها معلمون من الضفة الغربية.
لكن رغم وقف إطلاق النار في غزة، استمر القصف الإسرائيلي، وقُتل طالبان في وقت سابق من هذا الشهر. وقد أثرت هذه المخاطر بشدة على بيئة التعلم، ولا يزال التعليم مقيداً بشدة بسبب الحرب وواقع الميدان.
ووفقاً لليونيسف، تضرر نحو 98 بالمئة من مباني المدارس في غزة منذ أكتوبر 2023، ويحتاج أكثر من 93 بالمئة منها إلى إصلاح كبير أو إعادة بناء كاملة.
وكان نحو 700 ألف طفل بين الرابعة والسابعة عشرة قد فاتهم التعليم المدرسي الوجاهي الرسمي لثلاث سنوات دراسية متتالية تقريباً، بينما لم يتلق نحو 420 ألفاً أي تعليم وجاهي على الإطلاق.
داخل إحدى الخيام، كانت نسمة ناهض أبو عاصم تدرّس الرياضيات لطلاب الصف السادس، تكتب على سبورة بيضاء بينما جلس الأطفال على فرش ووضعوا دفاترهم على أحضانهم.
أبو عاصم معلمة رياضيات منذ 2010. عملت في وزارة التعليم قبل الحرب، وهي الآن تدرّس ضمن برنامج لليونيسف يدعم التعليم في غزة.
«خلال هذه الفترة، كان التعليم صعباً جداً. واجه الآباء والمعلمون تحديات كبيرة ونحن نحاول إيصال الطالب إلى مكان آمن»، قالت.
«التعليم حق لكل طالب… لكن الطلاب يأتون من دون قرطاسية أساسية أو كتب مدرسية، فيما تغيب الطاولات والكراسي إلى حد كبير. يأتي الطالب إلى المدرسة اليوم في وضع خطير، في وضع حرب».
وبسبب الحصار الإسرائيلي المستمر على غزة، أبلغت المدارس عن نقص حاد في القرطاسية والكتب المدرسية والمقاعد والطاولات. لكن أكبر قلق لأبو عاصم هو خطر انقطاع التعليم مرة أخرى.
«هذه الظروف صعبة على الطالب، لكنها ليست ظروفاً مستحيلة. أكبر صعوبة هي أن نتوقف عن التعليم»، قالت.
«لقد خطونا خطوة جيدة وافتتحنا العام الدراسي. نحن نعود إلى الحياة الطبيعية، إلى التعليم. للطالب الحق في أن يتعلم وأن يجلس على مقعد مدرسي».
وهي الآن تأمل أن تحل الفصول المؤقتة تدريجياً محل مساحات أكثر أماناً واستدامة لأطفال مدينة غزة.
«آمل أن تفرغ المدارس من العائلات النازحة وتُعاد إلى هؤلاء الطلاب. هؤلاء الطلاب هم أطفالنا»، قالت. «لا يمكننا وضع 40 طالباً في خيمة. في الصف يمكننا أن نستوعب 40 طالباً».
وبينما تواصل معلمته درس الرياضيات، توقف أسامة عليلة، 11 عاماً، قليلاً ليقول للجزيرة كيف شعر في يومه الأول في الصف. قال: «أنا سعيد لأنني عدت إلى المدرسة».
كان أسامة الثالث في صفه، ويأمل أن ينهي العام في المركز الأول، ويقول إن مادته المفضلة هي العربية.
وقال إنه يفضل العودة إلى مبنى مدرسة عادي فيه طاولات وكراسي، بدلاً من خيمة مثل بيته، لكنه مستعد لعام دراسي جديد بدفاتر وكتب وقرطاسية توفرها جماعات المساعدات.
«لكن ماذا نفعل؟ لا بأس. المهم أن ندرس»، قال. «أنا متحمس لهذا العام الدراسي». آمل أن يستمر الوضع دون أي مشاكل.
مدرسة بلا مقاعد
قالت اليونيسف إن كثيرًا من الأطفال، مثل أسامة، ما زالوا يدرسون في خيام ومساحات تعليمية مؤقتة، في ظروف ضيقة وإمكانات محدودة.
هذا الوضع بعيد جدًا عن بيئة مدرسية طبيعية، ويظهر بوضوح في مدرسة أحباب الشجاعية، وهي مدرسة مؤقتة تقع في خيام بالية قرب منطقة ميناء مدينة غزة.
خلال الحرب، مُنع إدخال مستلزمات مدرسية إلى غزة، بما فيها أشياء أساسية مثل الدفاتر والأقلام. ورغم أن بعض القيود خُففت، قالت السلطات الفلسطينية هذا الشهر إن إسرائيل منعت إدخال شحنة من حقائب وقرطاسية أرسلتها اليونيسف إلى القطاع.
في هذه المدرسة لا توجد مقاعد ولا كراسي، لذلك يجلس طلاب الصفين الأول والثاني متزاحمين على الأرض، ويكتبون على قطع من الكرتون. أما معلمتهم، التي لا تملك هي أيضًا سوى القليل، فتشرح الدرس على لوح صغير جدًا.
قالت مديرة المدرسة، إنعام البطريخي، إن هذا أفضل ما استطاعوا تقديمه للأطفال في ظل الظروف الراهنة.
وأضافت للجزيرة: «أكثر من 300 طالب مسجلون في مدرسة أحباب الشجاعية، لكن للأسف هم طلاب بلا دفاتر ولا قرطاسية».
«نستطيع أن ندرس اليوم، وأن نجلس على الأرض اليوم. لكن غدًا، عندما يأتي المطر، لن نستطيع».
تقول إنعام البطريخي، مديرة مدرسة أحباب الشجاعية في منطقة ميناء غزة، إن المدرسة تضم 300 طالب وتحتاج بشكل عاجل إلى دعم لتوفير ظروف التعلم الأساسية. تصوير عبد الحكيم أبو رياش للجزيرة.
تخدم المدرسة أطفالًا من تسعة مخيمات نزوح حول الميناء، من الصف الأول حتى السادس. وبسبب مخاوف أمنية، مثل القصف الإسرائيلي من البحر، تم تقصير اليوم الدراسي، فأصبحت الحصص من الثامنة صباحًا حتى الحادية عشرة.
قالت البطريخي: «أحيانًا يأتي الطلاب متأخرين ويقولون لي: كنت أملأ الماء لأمي. هؤلاء أطفال نازحون. قبل فترة قصيرة كانوا يحملون الماء والطعام. الآن هم هنا يحاولون التعلم».
وتدير المدرسة تطوعًا، وطموحها أن تعود الحصص إلى مبنى مناسب.
وقالت: «آمل أن نعود إلى المدارس الرسمية، إلى المباني. كل المباني اختفت. كل المدارس أصبحت خيامًا. في الحروب السابقة كنا نغيب عن المدرسة شهرًا أو شهرين، ثم نعود فنجد مدرستنا كما كانت. كنا ننظفها وننظمها ونعود إلى الدراسة. أما الآن، فالعودة إلى مدارس كهذه تكاد تكون مستحيلة في غمضة عين».
وفي الوقت الحالي، تقول البطريخي إن الأولوية هي جعل هذه المدرسة المؤقتة أكثر راحة ممكنة للأطفال.
وأضافت: «آمل أن يتحسن وضع المدرسة والطلاب، وأن نحصل على الدعم الذي نحتاجه لتحسين ظروف تعلمهم».
«حتى وجود كراسي ومقاعد سيحدث فرقًا. هؤلاء أطفال في الصفين الأول والثاني، وهم يبدأون تعليمهم للتو. يستحقون أن تتوفر لهم الظروف الأساسية للتعلم».