وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث يواجه تدقيقًا متزايدًا في طريقة إدارته للبنتاغون، وبعض الانتقادات تأتيه من داخل حزبه الجمهوري نفسه.
ففي يوم الأربعاء، دعا السيناتور الجمهوري توم تيليس الرئيس دونالد ترامب إلى إقالة هيغسيث، متهمًا إياه بخلق “فراغ قيادي” في قمة الجيش الأمريكي. وقال تيليس: “لم أرَ في حياتي إدارة أكثر سوءًا من طريقة إدارة هذه المؤسسة للرجال والنساء الشجعان الذين يخدمون بلادنا. إنه يخاف من الكفاءة”.
وجاءت تصريحات تيليس بعد استقالة وزير الجيش دان دريسكول يوم الاثنين، وهو أحدث مسؤول كبير يغادر البنتاغون وسط تقارير عن توتر مع هيغسيث. وقبل ذلك، حدثت سلسلة من الإقالات والتقاعد القسري ومنع الترقيات بين كبار القادة العسكريين، الأمر الذي أثار مخاوف من عدم استقرار قيادة البنتاغون.
هيغسيث مذيع سابق في قناة فوكس نيوز وجندي سابق في الحرس الوطني الأمريكي، أصبح وزيرًا للدفاع في يناير/كانون الثاني 2025 بعد تصويت مثير للجدل في مجلس الشيوخ. ومنذ دخوله المنصب، يسعى بقوة إلى إعادة تشكيل الجيش، ويركّز على ما يسميه “الفتك” و“روح المحارب”. لكن مسؤولين كبارًا يرون أن أسلوبه سبّب عدم استقرار، وأنه يهتم بالمعارك الثقافية على حساب الجاهزية العسكرية.
في ما يلي أبرز الملفات المثيرة للجدل في فترة هيغسيث حتى الآن:
## فضيحة “سيغنال”
كانت أول أزمة كبرى في مارس/آذار 2025، بعد شهرين فقط من توليه المنصب.
أحد أعضاء إدارة ترامب أضاف بالخطأ جيفري غولدبرغ، رئيس تحرير مجلة ذي أتلانتيك، إلى محادثة خاصة على تطبيق سيغنال، وكان مسؤولون يتبادلون فيها نقاشًا حول هجوم وشيك على اليمن. وكان هيغسيث حاضرًا بقوة في النقاش، إذ تضمّنت رسائله تفاصيل عن توقيت إقلاع الطائرات وتنفيذ الضربات.
لكنه أصرّ على أنه لم تشارَك أي “خطط حرب” عبر التطبيق. غير أن خبراء اعترضوا على ذلك، مشيرين إلى أن تفاصيل عملية عسكرية وشيكة تُصنَّف سرية عادة. والجيش الأمريكي يحظر استخدام منصات خارجية للحديث عن عمليات عسكرية حساسة. وفي وقت لاحق، قال تقرير المفتش العام إن أي تسريب من تلك المحادثة كان يمكن أن يعرّض الجنود للخطر.
كما ظهرت تقارير عن محادثة “سيغنال” ثانية شارك فيها هيغسيث مع زوجته وأخيه ومحاميه الشخصي، وتضمّنت معلومات عسكرية حساسة. لكن هيغسيث لم يواجه أي عقوبة رسمية بسبب هاتين الحادثتين.
## نزيف الكوادر في البنتاغون
شهدت فترة هيغسيث تغييرات واسعة في صفوف القادة العسكريين والمدنيين. فبعد توليه المنصب بفترة قصيرة، أُقيل عدد من كبار القادة، بينهم الأدميرال ليزا فرانشيتي من البحرية، وليندا فاغان قائدة خفر السواحل، وتشارلز براون رئيس هيئة الأركان المشتركة.
وكانت فرانشيتي وفاغان أول امرأتين تشغلان هذين المنصبين. وعند إقالة فاغان، قالت إدارة ترامب إن هناك “أوجه قصور في القيادة” و“تركيزًا زائدًا” على قضايا التنوع.
كما غادر مسؤولون آخرون المناصب أو اختاروا التقاعد المبكر، ومنهم الأدميرال ألفين هولسي، الذي تعرّض لانتقادات بسبب مشاركته في حملة ضرب القوارب التي تشنّها القوات الأمريكية في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ.
واستمرت المغادرات حتى عام 2026، حيث استقال وزير الجيش دان دريسكول هذا الأسبوع.
ومن اللافت أيضًا أن هيغسيث أزال عشرات الأسماء من قوائم الترقيات لكبار المناصب العسكرية، وهي خطوة نادرة من وزير دفاع. ففي العادة، تُختار الأسماء من مجالس مختصة في فروع الجيش، وتُفترض أن تكون العملية بعيدة عن السياسة. لكن هيغسيث أزال نحو 80 اسمًا من قوائم الترقيات، من بينها أسماء مرشحين لرتبة جنرال بنجمة واحدة أو نجمتين.
ويشكك منتقدون في امتلاكه صلاحية منع هذه الترقيات، ويلاحظون أن النساء والضباط السود كانوا الأكثر تضررًا من هذا القرار.
## التضييق على الصحافة
تحت قيادة هيغسيث، صارت علاقة البنتاغون بالصحفيين عدائية بشكل أكبر. فقد قيّدت الوزارة دخول المراسلين إلى مكتبها الصحفي، وفي سبتمبر/أيلول 2025 أعلنت سياسة جديدة تطلب من الصحفيين التوقيع على تعهّد يقيّد عملهم في جمع الأخبار، وإلا فقدوا اعتماداتهم الصحفية.
لكن محكمة أمريكية أوقفت هذه السياسة في مارس/آذار، لأنها تخالف التعديل الأول للدستور الذي يحمي حرية التعبير. ومع ذلك، استمرت المخاوف بشأن حرية الصحافة داخل البنتاغون. ففي الشهر الماضي، رفع ثلاثة صحفيين من صحيفة “ستارز آند سترايبس” دعوى قضائية ضد وزارة الدفاع بسبب الرقابة، بعد أن فُصلوا من عملهم لأنهم تحدثوا علنًا عن استقلالية التحرير.
كذلك يهاجم هيغسيث الإعلام بشكل مباشر، وقد وصف بعض التغطيات بأنها “غير وطنية”.
## استراتيجية “الفتك الأقصى”
جعل هيغسيث من “الفتك” مبدأ أساسيًا في الجيش الأمريكي، وهو أسلوب أثار تساؤلات خلال العمليات العسكرية الخارجية. كما تعهّد بالتخلص مما يسميه “قواعد الاشتباك الغبية” التي تحدّ من العمليات العسكرية.
منذ الثاني من سبتمبر/أيلول 2025، نفّذ الجيش الأمريكي سلسلة ضربات ضد قوارب في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، بحجة حماية الولايات المتحدة من “إرهابيي المخدرات”. لكن هوية الذين قُتلوا ما زالت غامضة إلى حد كبير، ولم يُقدَّم أي دليل علني ضدهم. ويعتبر خبراء قانونيون أن هذه الضربات هي عمليات قتل خارج نطاق القضاء، إذ لم يُمنح الضحايا أي فرصة للدفاع عن أنفسهم.
وهناك عائلات في كولومبيا وترينيداد والإكوادور وغيرها تخشى أن يكون القتلى صيادين أبرياء. وقد وصل عدد القتلى في هذه الحملة إلى 227 شخصًا، وكانت آخر الضربات في أغسطس/آب الماضي.
وفي إحدى الحالات، يُقال إن هيغسيث أمر بشن “ضربة مزدوجة” لقتل الناجين من ضربة أولى ضد قارب. غير أنه نفى تورطه في عمل غير قانوني، ووصف التغطية الإعلامية لتلك الحادثة بأنها “مختلقة ومثيرة ومسيئة”.
كما تبنّى هيغسيث خطابًا حادًا في هذا الشأن، حيث كتب: “بايدن دلّل الإرهابيين، ونحن نقتلهم”.
ومنذ فبراير/شباط، تورطت الولايات المتحدة أيضًا في حرب على إيران أثارت مخاوف مشابهة حول استخدام القوة. وتباهى هيغسيث بأنه أطلق العنان للجيش الأمريكي لاستخدام “أقصى الصلاحيات في ساحة المعركة” ضد إيران، وهي عبارة تُفهم عادة على أنها تخفيف قواعد الاشتباك التي تهدف إلى حماية المدنيين.
وقد تعرّض لانتقادات بعد أن أصاب صاروخ توماهوك أمريكي مدرسة ابتدائية إيرانية في اليوم الأول للحرب، مما أسفر عن مقتل نحو 170 شخصًا، معظمهم أطفال. وفي هذا الأسبوع أيضًا، اتهم مسؤولون إيرانيون الولايات المتحدة بقصف حفل زفاف في مدينة كوهستاك، ما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص على الأقل وإصابة أكثر من 60 آخرين.
## أسئلة حول استخدام الموارد العسكرية
طلب البنتاغون في عهد هيغسيث مبلغًا قياسيًا قدره 1.5 تريليون دولار من الكونغرس لميزانية السنة المالية 2027، وجزء كبير منه إنفاق تقديري. ووصف البنتاغون هذا المبلغ بأنه “استثمار جيلي”. لكن منتقدين يرون أن الجيش يطلب فعليًا “شيكًا على بياض” دون تقديم مبررات واضحة لزيادة حجم الميزانية بنسبة 42 بالمئة.
وذهب معهد كوينسي للدولة المسؤولة إلى حد وصف المبلغ بأنه “منفصل عن الواقع”.
ويُرجَّح أن جزءًا من هذا المبلغ يهدف إلى تغطية تكاليف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وفي يوليو/تموز، قال هيغسيث أمام لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ إن 37.5 مليار دولار أُنفقت على الحرب حتى الآن، وهو مبلغ أعلى من تقديرات وزارة الدفاع في أبريل/نيسان، والتي كانت نحو 25 مليار دولار.
كما ظهرت تقارير تفيد بأن مخزون الولايات المتحدة من بعض الذخائر انخفض بشكل كبير، مما أثار مخاوف بشأن الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران وقدرة واشنطن على الدفاع عن نفسها أمام تهديدات أخرى.
## الالتزام بالقانون الدولي
في عهد هيغسيث وترامب، شنّ الجيش الأمريكي حملات عسكرية تبدو مخالفة للقانون الدولي. ففي الثالث من يناير/كانون الثاني، أطلقت القوات الأمريكية عملية لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك للمحاكمة.
وتقول إدارة ترامب إن هذه العملية كانت إجراءً لإنفاذ القانون. لكن منتقدين يعتبرونها انتهاكًا لسيادة دولة أجنبية.
كذلك، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الضربات الأولى في الحرب الحالية على إيران. وبينما تقول إدارة ترامب إن إيران كانت تشكل تهديدًا وشيكًا، يرى خبراء قانونيون بارزون أن هذه الحرب غير مبررة، وأنها حرب اختيار وليست حرب دفاع.
ومع دخول الحرب شهرها السابع، يواجه هيغسيث انتقادات لأنه لا يملك استراتيجية واضحة للخروج منها. وقد أسهمت هذه الحرب أيضًا في عدم الاستقرار والعنف في أنحاء الشرق الأوسط، وفي قفزة كبيرة لأسعار النفط.
## حرب ثقافية داخل الجيش
يرفض هيغسيث ما يسميه “الووكنس” أو ثقافة الاستيقاظ داخل الجيش الأمريكي. وخلال فترة ولايته، تراجعت السياسات التي كانت تهدف، أو يُنظر إليها على أنها تهدف، إلى تعزيز التنوع في صفوف القوات المسلحة. كما أشرف، بناءً على أوامر ترامب، على طرد الأفراد المتحولين جنسيًا من الخدمة العسكرية.
وتبنّى هيغسيث أيضًا أفكارًا تقليدية عن الرجولة، ومنها خطط لفحص هرمون التستوستيرون لدى الجنود فوق سن الثلاثين، ومعايير جديدة للمظهر تحت شعار “لا مزيد من أصحاب اللحى”.
كذلك يثير هيغسيث انتقادات بسبب خلطه بين الدين والدولة. فمن المعروف أنه يقود صلاة مسيحية بانتظام داخل البنتاغون، ويؤطر بعض العمليات العسكرية بلغة دينية.