هل يمكن لروسيا ضرب شمال أوروبا إذا سيطرت على «ممر بير» في القطب الشمالي؟ — أخبار عسكرية

فجوة بيرر: ممر استراتيجي في المحيط القطبي الشمالي يثير القلق

مسافة بحرية ذات أهمية استراتيجية في المحيط القطبي الشمالي، المعروفة باسم «فجوة بير»، تصدرت مؤخراً الانتباه الدولي بوصفها بؤرة للقلق من الطموحات العسكرية لرووسيا في أقصى الشمال.

تحذير النرويج
في مقابلة مع صحيفة التايمز البريطانية يوم الاثنين، حذر وزير الدفاع النرويجي تور ساندفيك من أنه لا ينبغي السماح لموسكو بالسيطرة على هذا الممر، لأن ذلك سيمنحها قدرة خطيرة على نشر الغواصات والأسلحة. وقال إن موسكو تطور أنظمة سلاح متقدمة، وإن السيطرة على فجوة بير قد تمكّن من استخدام صواريخ فرط صوتية ضد حلف شمال الأطلسي — ضد لندن والنرويج والدنمارك — مضيفاً أن هذه التطورات تقضي بأنه لا يجوز السماح لهم بالتحكم في هذا الممر.

تزايد التنافس في القطب
التحذير يأتي في وقت يتحول فيه القطب الشمالي بسرعة إلى واحد من أكثر المناطق التنافسية في العالم. إذ فتح ذوبان الجليد ممرات ملاحية جديدة، وبرزت فيه ثروات نفطية وموارد طبيعية هائلة، بينما أضحى التنافس المتصاعد بين روسيا وحلف الأطلسي والصين والولايات المتحدة يحوله إلى مسرح عسكري وتجاري متنامٍ الأهمية.

البلدان المحيطة
تحيط بالقطب ست دول رئيسية: روسيا وكندا والولايات المتحدة والدنمارك والنرويج وآيسلندا. وقد أمضت روسيا سنوات في إعادة بناء قواعدها القطبية وتعزيز أسطولها الشمالي، في حين وسّع أعضاء حلف الأطلسي وجودهم العسكري في المنطقة.

ما هي فجوة بير ولماذا هي مهمة استراتيجياً؟
فجوة بير هي نقطة اختناق بحرية استراتيجية في المحيط القطبي الشمالي، تمتد نحو 650 كيلومتراً تقريباً بين رأس الشمال في البر النرويجي وجزيرة بير، أقصى الجنوب من أرخبيل سفالبارد النرويجي. تقع بين بحر بارنتس والبحر النرويجي، ما يجعلها إحدى المسارات البحرية الرئيسية التي يمكن للسفن والغواصات الروسية أن تنتقل عبرها من قواعدها القطبية إلى المحيط الأطلسي الشمالي. وتبعد الفجوة مباشرة إلى غرب شبه جزيرة كولا، حيث يتركز الجزء الأكبر من الردع النووي البحري الروسي ومقر الأسطول الشمالي.

بوابة بحرية ورأس حربة دفاعية
كريستيان أتلاند، باحث أول في مؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية، أوضح أن فجوة بير «تعمل كبوابة رئيسية لحركات البحرية والمراقبة البحرية في الشمال البعيد». وبيّن أن روسيا تعتبر هذه المنطقة جزءاً أساسياً من ما يسمى «استراتيجية الدفاع بالحصن»؛ فلكي تضمن العمل الآمن لغواصات الأسطول الشمالي الحاملة للصواريخ الباليستية ضمن الجزء الداخلي من الحصن، أي في بحر بارنتس، تسعى روسيا للسيطرة على ممر جزيرة بير.

يقرأ  تزور بي بي سي مدينة تشيرنوبل المهجورة بعد أربعين عاماً على أسوأ كارثة نووية في العالم

هل من المرجح أن تفرض روسيا سيطرتها على الفجوة؟
حالياً، لا تمارس روسيا سيطرة فعلية على الفجوة. يقع الممر ضمن منطقة يهيمن عليها أعضاء حلف الأطلسي مثل النرويج وكندا ودول حليفة أخرى. ومع ذلك، تحافظ روسيا على قدرات عسكرية كبيرة في محيط المنطقة؛ فأسطولها الشمالي يعد أحد أقوى التشكيلات العسكرية لموسكو، واستمرت روسيا في تحديث قواعدها القطبية وموانئها ومهابطها الجوية مع تكثيف النشاط العسكري المحيط.

وحذر أتلاند من أن السيطرة على هذا الممر قد تتيح لروسيا «تقييد قدرة الناتو على نشر أصول مكافحة الغواصات في بحر بارنتس لرصد وتحديد وتعقب الغواصات الاستراتيجية الروسية». كما تحتفظ روسيا بحضور على سفالبارد بموجب معاهدة دولية موقعة عام 1920 تسمح لها باستغلال موارد المنطقة، مع بقاء السيادة على الجزر لدى النرويج.

جهود المواجهة من دول المنطقة
لا توجد مبادرات موجهة خصيصاً إلى الفجوة، لكن الدول المحيطة بالقطب أو القريبة منه بدأت في تعزيز وجودها العسكري في المنطقة. ففي ديسمبر أعلنت الحكومة النرويجية شراء غواصتين صنعتا في ألمانيا، مستشهدة بـ«نشاط القوات الروسية في شمال الأطلسي» مبرراً للصفقة. وفي فبراير، أعلنت المملكة المتحدة أنها ستضاعف عدد القوات المتمركزة في النرويج إلى 2000 جندي خلال السنوات الثلاث المقبلة وتلعب دوراً وصفته بـ«الحيوي» في عملية للناتو في القطب، مع زيادة مخاوفها الأمنية من روسيا.

الاهتمام الأمريكي والموارد النادرة
أبدى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب علناً رغبته في الاستحواذ على غرينلاند، التي اعتبرها ذات أهمية أمنية للولايات المتحدة، وهي منطقة يُعتقد أنها غنية بمعادن الأرض النادرة اللازمة لتطوير التكنولوجيا وأنظمة الدفاع ولم تُستغل بعد. وهدد ترامب في مرحلة ما بفرض تعريفات تجارية إضافية على دول أوروبية أعربت عن معارضتها، لكن غرينلاند والدنمارك أكدا أن الجزيرة ليست للبيع، وفي النهاية تراجع ترامب بعد أن أعلن أنه توصل إلى «إطار لاتفاق مستقبلي» بشأن غرينلاند مع رئيس وزراء هولندا مارك روته.

يقرأ  كنيس في بورتلاند يصلي من أجل إطلاق سراح الرهائن والسلام

تعاظم الأهمية الجيوسياسية
في الشهر الماضي، وصفت الولايات المتحدة القطب الشمالي بأنه «يصبح سريعاً فضاء ذا أهمية استراتيجية جيوسياسية متزايدة». وفي بيان مشترك حول أمن القطب، قالت كندا والدنمارك (بما في ذلك غرينلاند وجزر فارو) وفنلندا وآيسلندا والنرويج والسويد والولايات المتحدة إنهم يسعون إلى تعزيز الاستقرار في المنطقة مع تزايد النشاط العسكري الروسي واهتمام الصين الاستراتيجي.

الخطر المحتمل على دول شمال أوروبا
بحسب أتلاند، فإن معظم دول شمال أوروبا ستكون «ضمن نطاق الضرب للسفن السطحية والغواصات الهجومية الروسية المنتشرة في هذه المنطقة أو أبعد»، لا سيما مع القدرات البعيدة المدى لأنظمة صواريخها المتطورة. وقالت غونهيلد هوغنسن جورف، أستاذة في الجامعة القطبية النرويجية، إن فجوة بير هي «الطريق الذي تخرج منه [روسيا] إلى شمال الأطلسي». وأضافت أنه لو سيطرت روسيا على المنطقة «فيمكنها حينئذ إطلاق صواريخ… من سفن بحرية»، وأنه «تقنياً، قد تتمكن من ضرب المملكة المتحدة والدنمارك وهولندا فضلاً عن الدول الإسكندنافية».

السؤال الحاسم، بحسب جورف، هو ما إذا كانت روسيا ستقرر فعلاً مهاجمة الدول المجاورة. وختمت قائلة: «إذا قرروا فعل ذلك، فستكون حرباً شاملة». «هذا ليس مجرد تصعيد في التهديدات دون العتبة؛ انها حرب شاملة، ومن الصعب جداً أن نرى أن روسيا مستعدة للتفكير بهذه الصيغة»، أضافت.

ما هي الأسلحة بعيدة المدى التي تمتلكها روسيا؟

تمتلك روسيا أحد أكبر ترسانات الصواريخ بعيدة المدى في العالم.

من بين أحدث الأنظمة الصاروخ الباليستي العابر للقارات “أوريشنيك”، الذي كُشف عنه لأول مرة علنياً في نوفمبر 2024. تقول موسكو إنه قادر على حمل رؤوس نووية ويمكن أن يتحرك بسرعات تفوق الصوت (هايبرسونيك). يبلغ مدى الصاروخ نحو 5000 كيلومتر (حوالي 3100 ميل).

وفقاً لمسؤولين أميركيين، فإن أوريشنيك مشتق من النظام الأقدم آر إس-26 “روبيج”. وتزعم روسيا أن الصاروخ يستطيع التملص من أنظمة الدفاع الجوي الحالية، وهو ادعاء أثار تشكيك عدد من المحللين.

يقرأ  بعد تمديد «وقف إطلاق النار»: إسرائيل تقتل خمسة على الأقل في لبنان

كما تمتلك روسيا تشكيلة واسعة من صواريخ كروز، وصواريخ باليستية تُطلق من الغواصات، وأنظمة ضربة بعيدة المدى أخرى.

لماذا أصبح القطب الشمالي ذا أهمية متزايدة؟

يُصبح القطب الشمالي ساحة متزايدة الأهمية لـ “تنافس القوى العظمى”، بحسب أتلاند من معهد FFI.

«مع استمرار تراجع جليد البحر، تظهر فرص جديدة للنقل البحري، واستخراج الموارد، والأبحاث العلمية، والعمليات العسكرية، والمناورات الجيوسياسية»، أوضح.

«الاهتمام المتجدد بشؤون القطب الشمالي مدفوع بمزيج من الفرص الاقتصادية والاعتبارات الاستراتيجية.»

شددت غيورف على أن القطب الشمالي كان منذ زمن طويل فضاءً أمنياً، خصوصاً خلال الحرب الباردة. عقب انهيار الاتحاد السوفييتي في 1994، تبلور “اهتمام معلن بزيادة التعاون”، بما في ذلك إنشاء مجلس القطب الشمالي في 1996.

ومع ذلك، قالت غيورف إن روسيا حافظت على “قدم على كل جانب” من الخط الفاصل بين التعاون والتنافس، لا سيما في ظل حكم الرئيس فلاديمير بوتين، الذي جمع بين تعاون محدود وخطاب متصاعد حول “السيادة الروسية” وطموحات لـ”هيمنة إقليمية أوسع”. «في الجوهر، يبدو الأمر كما لو أنها تبني نوعاً من إمبراطورية روسية.»

بعيداً عن البُعد الأمني، يمثل القطب الشمالي أهمية تجارية مرتبطة بقضايا تغير المناخ، حسب قولها.

من ذلك مصائد الأسماك المشتركة المهمة مثل سمك القد الموجود في المنطقة القطبية، «وخاصة تلك المشتركة بين النرويج وروسيا»، وكذلك عمليات استخراج النفط والغاز المستمرة، والتي تظل ـ رغم المخاوف البيئية ـ أمراً حيوياً لكل من النرويج وروسيا.

أي دول أخرى تتسابق للتأثير في القطب الشمالي؟

بعيداً عن طموحات دونالد ترامب بشأن غرينلاند، تعمل كندا أيضاً على تعزيز إنفاقها العسكري وقدرات المراقبة في القطب الشمالي.

في ديسمبر 2024، أصدرت أوتاوا استراتيجية أمنية من 37 صفحة تحدد كيف تعتزم تعزيز كل من وضعها العسكري وبصمتها الدبلوماسية في القطب الشمالي استجابة للمخاطر المتصاعدة المرتبطة بأنشطة روسيا والصين.

ووصفت الوثيقة تجارب الأسلحة الروسية ونشر أنظمة صاروخية في المنطقة بأنها «مقلقة للغاية».

كما يُعتقد أن الصين ترسل بانتظام سفناً إلى المياه الشمالية مزوَّدة بتقنيات ذات استخدام مزدوج بحثية وعسكرية لجمع البيانات.

أضف تعليق