واشنطن، دي.سي. — أصبح السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هوكابي، أول مسؤول بارز في إدارة الرئيس دونالد ترامب ينضم إلى موجة النقد الدولي الموجّهة لوزير الأمن القومي اليميني المتطرف، إيتامار بن غفير.
ردّ هوكابي، الذي صدر بعد يوم واحد من فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على منظمي قافلة المساعدات المتجهة إلى غزة، اعتبره محلّلون أنه جاء بلا مضمون فعلي، لا سيما بعدما استدعت عدة دول سفراء إسرائيل احتجاجًا على فيديو نشره بن غفير يظهر فيه ناشطين أجانب محتجزين من القافلة وهم جاثون على الأرض وربطت أيدي بعضهم، وفي أحيانٍ طُحِنوا أرضًا، بينما لوّح بن غفير بعلم إسرائيلي وصاح ملوّحًا بأصابعه نحو المعتقلين.
استنكرت إيطاليا وفرنسا وهولندا وكندا الفيديو واستدعَت سفراء تل أبيب، فيما أشار هوكابي في منشور على منصة “إكس” إلى سلسلة من المسؤولين الإسرائيليين الذين عبّروا عن انتقادهم لسلوك بن غفير، من بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر، كما وضع إشارة لِمكتب رئيس الدولة اسحاق هرتسوغ وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، يخئيل لايتر.
كتب هوكابي: «القافلة كانت فعلاً خدعة غبية، لكن بن غفير خنق كرامة أمّته.» وقد اعتبر كثيرون أن الحيرة في الخطاب الأمريكي تعكس ازدواجية معايير تجاه إسرائيل والفلسطينيين وأن التباين بين واشنطن ودول غربية أخرى يتسع أمام أنظار المجتمع الدولي.
سجّل ملاحظون حقوقيون منذ زمن واسعًا توثيقًا لانتهاكات إسرائيلية ضدّ فلسطينيين معتقلين وضدّ داعمين لهم من الخارج، بما في ذلك ناشطون احتُجزوا إثر محاولات فكّ الحصار عن غزة، بينما تنفي السلطات الإسرائيلية صحة مزاعم كثير من هؤلاء المراقبين.
تساءل نقّاد عما إذا كان سيل الإدانات من داخل حكومة نتنياهو، التي أعطت زخماً لتيّارات اليمين المتطرف مثل بن غفير، نابعًا من الاهتـمام بمضمون الانتهاكات أم من سخط على نشرها عبر الإنترنت وحده. وقال مايكل عمر-مان، مدير ملف إسرائيل وفلسطين في منظمة DAWN، إن «الاهتمام الأكبر لديهم يبدو أنه جانب العلاقات العامة: تجاه المجتمع الدولي… ولأننا في موسم الانتخابات [في إسرائيل]، فهم يسعون إلى الظهور كجهات أكثر وقارًا وأقلّ راديكالية».
رأت أنيل شيلين، زميلة بحثية في معهد كوينسي للسياسة المسؤولة، أن أفعال بن غفير ليست شذوذاً معزولاً، بل جزء من سياسة أميركية طويلة شجّعت الإفلات من العقاب ومنحت اليمين المتطرف في إسرائيل مزيدًا من الجرأة. «إسرائيل تعلم أنّها طالما تحظى بالدعم غير المشروط من الولايات المتحدة فلن تواجه عواقب حقيقية»، قالت شيلين.
عقوبات أحاديّة الجانب
الإدارة السابقة للرئيس جو بايدن كانت قد استبعدت فرض عقوبات على بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش قبل نهاية ولايتها في 2024، رغم مطالِب متزايدة من أعضاء الكونغرس. وفي رسالة آنذاك، اتهم نحو ثمانين نائبًا في الكونغرس بن غفير بالمساهمة في «تحريض على العنف ضدّ المدنيين الفلسطينيين، وتشجيع بناء مستوطنات غير قانونية، ومنع تطبيق القانون ضدّ المستوطنين العنيفين»، بما في ذلك استغلال منصبه لإحباط حماية قوافل إنسانية متجهة إلى غزة والسماح للمستوطنين بالهجوم وعرقلة المساعدات.
عند تولي إدارة ترامب منصبها، ألغت سلسلة من العقوبات الأميركية التي كانت مفروضة على مستوطنين عنيفين. وبعد ذلك بفترة وجيزة، فرضت الإدارة عقوبات على عدد من منظمات المجتمع المدني الفلسطينية ومجموعات حقوقية بدعوى دعمها تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في مسؤولين إسرائيليين، كما فرضت قيود سفر وعقوبات على مدّعين في المحكمة وعلى مسؤولين في السلطة الفلسطينية.
جولة العقوبات الأخيرة استهدفت أربعة منظّمين لقافلة «السمُد العالمية» التي هدفت إلى كسر الحصار عن غزة وتوصيل مساعدات والتضامن مع الفلسطينيين؛ اثنان منهم من المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج واثنان آخران من شبكة الأسرى والتضامن سامدون. وصف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الناشطين بأنهم جزء من «قافلة مؤيدة للإرهاب» وادّعى أن الجهد الإنساني كان «دعماً لحماس».
ورفض المنظّمون هذه الاتهامات بشدة، واعتبرت سامدون العقوبات بحق ناشطي القافلة والمنظمات الفلسطينية مساهمة في «تسهيل وابادة جماعية»، على حد وصفهم.
قال عمر-مان إن هذه العقوبات الأخيرة تؤكّد أن إدارة ترامب تقبل حجج إسرائيل، التي تقول إن محاولات فكّ الحصار تُعدّ غير قانونية، دون تمحيص. «أظن أنه يمكننا القول إن الولايات المتحدة، رسميًا، لن تنتقد إسرائيل تحت إدارة ترامب»، أضاف.
وشدّدت شيلين على أن المرات النادرة التي تصدر فيها الإدارة انتقادات عامة لإسرائيل، مثل تصريحات هوكابي في نوفمبر الماضي التي وصفت عنف المستوطنين بأنه «إرهاب»، لا تقوّض البتة مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية التي لا تزال واشنطن تقدّمها لتل أبيب. «الإيماءات الضعيفة… لا تساوي شيئًا أمام مليارات الدولارات سنويًا»، خلصت.