محادثات وقف إطلاق النار في القاهرة تواجه اختباراً حاسماً بعد مطالبة نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، بألا يبقى في غزة «طلقة واحدة».
مطالب هيئة الإشراف التي يرتبط بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتسم بالتشدد، من بينها نزع السلاح الكامل لحركة حماس، وتسليم خرائط أنفاقها وورش تصنيعها، وحتى الاستيلاء على الأسلحة الشخصية التي بحوزة فلسطينيين داخل القطاع.
مصادر مشاركة في المفاوضاتا بالقاهرة تقول إن ملف تسليم السلاح الفلسطيني هو العقبة الأساسية أمام إنهاء الحرب الإسرائيلية التي تصفها فصائل فلسطينية بأنها إبادة جماعية في قطاع غزة.
المسؤولون الفلسطينيون يؤكدون أن شرط النزع الكلي للسلاح يحوّل ملادينوف، عملياً، إلى وسيط يروّج للمطالب الإسرائيلية القصوى.
المعركة على البند الثامن
جوهر الجمود الحالي يتمثل في «البند الثامن» من خطة وقف إطلاق النار التي توسطت فيها الولايات المتحدة في أكتوبر 2025، وهو بند محوري يحدد شروط نزع السلاح بدقة، وكيفية إدارة البنية العسكرية في غزة بعد الحرب، وانتقال مسؤوليات الأمن إلى هيئة فلسطينية موحّدة.
مصدر مطلع أوضح للجزيرة أن حماس أبدت في البداية موقفاً إيجابياً بدرجة كبيرة تجاه هذا البند، إذ وافقت للمرة الأولى على تسليم «جرد ومخازن الأسلحة الثقيلة» — إشارة إلى ترسانة الصواريخ والذخائر وصواريخ كورنيت المضادة للدروع التي تُنسب إليها.
المسهلون رحبوا بهذا التطور لأن حماس لم تكن تتناول هذا الموضوع من قبل.
حكايتان لنص واحد
مصدر من حماس شارك في المباحثات زوّد الجزيرة بمسودتين متنافرتين للبند الثامن، الذي يغطي تسليم أسلحة الفصائل الفلسطينية في غزة.
ملادينوف، بوصفه الممثل الأعلى المسؤول عن مرحلة ما بعد الحرب، يطالب بتسليم غير مشروط لكل الأسلحة التي بحوزة المجموعات المسلحة الفلسطينية في القطاع.
بينما ربطت حماس والفصائل تسليم السلاح بانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة.
نص المقترح الذي طرحه الممثل الأعلى تضمن عملية تدريجية وممنهجة لـ«جرد/جمع» كل الأسلحة وفق جدول زمني متفق عليه، تحت مراقبة الممثل الأعلى ولجنة التحقق من التنفيذ وقوة الاستقرار الدولية (ISF). وتُدار العملية بقيادة فلسطينية عبر «اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG)»، مع مشاركة جميع المجموعات المسلحة في جرد البنية التحتية وجمع الأسلحة، مع ضمان ألا يُطلب من أي جهة تسليم أسلحتها مباشرة لإسرائيل.
أما النص النهائي الذي طرحته حماس والفصائل فربط عملية «جرد وتخزين الأسلحة الثقيلة» بعملية انسحاب عسكري إسرائيلي مرحلية من القطاع، وجعل التطبيق مشروطاً بإتمام المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، وتولّي NCAG مهامها، ونشر قوة ISF، وتفكيك الميليشيات المسلحة. وشدّد النص أيضاً على أن تنفيذ الاتفاق، بما يشمل بند الأسلحة، يجب أن يفضي إلى مسار سياسي يكفل لشعب فلسطين حقه في إقامة دولة وتحقيق تقرير المصير.
«تحييد البنية التحتية» و«الطلقة الواحدة»
عندما قدّم ملادينوف النص الفلسطيني المعدّل للإسرائيليين، رُفض رفضاً قاطِعاً، وردّوا بمطالبة جديدة خاصة بهم: تفكيك شبكة أنفاق كتائب القسام وخلع كل المنشآت التابعة للحركة.
وعند رفض حماس، أميل ملادينوف إلى الموقف الإسرائيلي. ونُقلت عنه عبارة مفادها: «لا نقبل بذلك، ويجب عليكم تسليم كل شيء، خرائط الأنفاق، وورش التصنيع، والأسلحة الثقيلة والخفيفة».
مسؤول كبير في حماس أكد للجزيرة أن المحادثات لم تنهار، لكن مطلب نزع سلاح حماس بالكامل يضع المفاوضات تحت ضغط شديد.
وقال المسؤول: «ملادينوف شدد على أن غزة يجب أن تكون خالية تماماً من أي سلاح، حتى الطلقة الواحدة. لا فصائل، لا عائلات، لا ميليشيات، ولا حتى أفراد».
مسودة 12 يونيو والأسلحة العائلية
مصدر آخر من فصيل فلسطيني مشارك في مباحثات القاهرة أوضح كيف انقلبت الأمور إلى المأزق الحالي.
بعد اجتماعات متواصلة أربعة أيام بدءاً من 9 يونيو، توصلت الفصائل في 12 يونيو إلى تعديل موحّد للبند الثامن يقضي بجرد وتخزين الأسلحة الثقيلة. ولقاءات ملادينوف مع ممثلي حماس بعد أربعة أيام ناقشت هذا الإطار.
ملادينوف عبّر في البداية عن «انزعاج» من التعديلات الفلسطينية، ثم قدّم تعديلات شاملة استندت إلى خارطة طريق من 15 نقطة لسلام بين حماس وإسرائيل، تضمنت مطلب تفكيك قدرات حماس وغيرها من الفصائل العسكرية في غزة، بما يشمل «مرافق تخزين السلاح والأنفاق والورش».
وأعاد الإطار الذي طرحه ملادينوف التأكيد على مطلب تسليم الأسلحة الشخصية للفلسطينيين في غزة؛ حيث سيُسلم كل البنادق والأسلحة النارية إلى NCAG التي ستديرها بموجب نظام صارم يرتكز على «الشراء أو الترخيص».
قدّم ملادينوف هذا المستند رسمياً في 17 يونيو، ويجري حالياً مراجعته من قبل جميع الفصائل. وأكد مصدر فلسطيني مشارك للجزيرة أن «سيكون هناك بالتأكيد اجتماع شامل لكل القوى للتوصل إلى صيغة مشتركة وعرضها مجدداً على ملادينوف. الباب لم يُغلق».
رفض واسع من الفصائل
مطلب النزع الكلي للسلاح قوبل برفض حاسم من كل القيادات الفلسطينية، التي تعتبره وسيلة لتقويض عملية السلام في غزة.
محمد البريم، المسؤول الإعلامي في لجان المقاومة الشعبية — أحد الفصائل الحاضرة رسمياً في القاهرة — قال للجزيرة إن المجموعات أبدت «مرونة غير مسبوقة» في ترتيب شؤون السلاح.
وأضاف: «لن نرفع الراية البيضاء، ولن نستسلم تحت أي تهديد أو ضغط أو مماطلة».
واتهم البريم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وملادينوف بمحاولة تحويل ملف السلاح إلى «بوابة للسيطرة على كل المسارات»، مشدّداً على أن أي خطوات لنزع السلاح يجب أن تكون مرتبطة بحل سياسي شامل وانسحاب إسرائيلي كامل من غزة. «هذا الأمر لن يكون بالمجان»، هكذا أضاف المتحدث.
«موظف لنتنياهو»
تحوّل موقف ملادينوف أثار لاذعًا من المراقبين الفلسطينيين للعملية، الذين اعتبروا أن مقاربته تنحاز لمواقف تل أبيب. قال سعيد زياد، محلل سياسي فلسطيني، لقناة الجزيرة إن العرض الأولي للفصائل كان يهدف بالدرجة الأولى إلى «إعادة ترتيب أسلحة المقاومة». ويتسق ذلك مع تصريحات سابقة لمسؤولين في حماس تفيد بأن السلاح لن يظل ظاهراً في شوارع غزة، مع الاحتفاظ بجزء منه كاحتياط لدى التشكيلات المسلحة.
وأضاف زياد: «لا يوجد نقاش حول نزع السلاح أو حل التشكيلات العسكرية إلا بعد قيام دولة فلسطينية متكاملة وذات سيادة». ونفى أن يملك أي زعيم أو طرف فلسطيني صلاحية إنهاء المقاومة أحاديًا أمام الاحتلال الإسرائيلي، متهمًا ملادينوف بالتخلي عن حياديته.
«ملادينوف لا يعمل كوسيط حيادي يسعى للسلام في المنطقة»، قال زياد. «هو يعمل كجهة ترعى وتنفذ ما تريده إسرائيل. إنه موظف لدى نتنياهو يحاول تحقيق مكاسب شخصية».
ويرى الفلسطينيون أن مطلب نزع سلاح حماس الكامل ما هو إلا ذريعة لدى إسرائيل للتملص من التزاماتها السابقة. ولم تنفذ إسرائيل حتى الآن أيًا من التزاماتها المتعلقة بالمرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر؛ ففي مقابل التزامات الانسحاب المفترضة، وسّع الجيش الإسرائيلي انتشاره داخل القطاع، فيما يُعتقد أن أكثر من ألف فلسطيني قُتلوا منذ طرح الهدنة.
وحذّر زياد من أن «ما يقترحه ملادينوف شديد الخطورة»، مؤكداً أنه يمثل رؤية اليمين الإسرائيلي التوراتي المتطرف، ورؤية [وزير المالية بيتسيلئيل] سموتريتش و[وزير الأمن القومي إيتامار] بن غفير… وأن ما يقترحه بالضبط هو إعادة تثبيت المستوطنات داخل قطاع غزة.
رد مجلس السلام
ورداً على طلب الجزيرة للتعليق على اتهامات التحيز ونطاق مطالب نزع السلاح، رفض مسؤل في مجلس السلام الانتقادات ودافع عن جهود ملادينوف الوسيطية الجارية. وقال المسؤول لقناة الجزيرة إن «الادعاءات بأن الممثل الأعلى يدفع بموقف طرف بعينه غير دقيقة». وأضاف أن الإطار هو نتيجة حوار موسع بين الأطراف والوسطاء — مصر وقطر وتركيا — بهدف التوفيق بين المخاوف المشروعة التي أثارتها جميع الأطراف.
وأكد المسؤول أن خارطة الطريق «لا ينبغي فهمها كمقترح صادر عن فرد أو مؤسسة واحدة»، موضحًا أن دور ملادينوف يكمن في «ردم الفجوات ودعم الجهود للوصول إلى ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ على الأرض». ورداً على مخاوف الفصائل الفلسطينية من أن مطالب نزع السلاح تعطل الاتفاق الأوسع، أوضح المسؤول أن النقاشات ليست محورها «أية مادة أو تدبير أمني منفرد»، بل تشكل جزءًا من حزمة شاملة تقوم على مقاربة تبادلية.
«لا تضع هذه الخطة التزامات على طرف واحد فحسب، ولا تنظر إلى أي عنصر بمفرده»، قال المسؤول. «التقدم في مجالات الأمن والحوكمة والوصول الإنساني وإعادة الإعمار وترتيبات الانسحاب مُصمم أن يتحقق عبر خطوات منسقة ومعززة متبادلاً من جميع الأطراف».