الفجوة الحقيقية في الذكاء الاصطناعي ليست تقنية، بل تعلّم المعلمين.

تنفق المناطق التعليمية في مختلف أنحاء البلاد ملايين الدولارات لإدخال الذكاء الاصطناعي إلى الفصول الدراسية. تشتري تراخيص من مايكروسوفت وغوغل وأوبن إيه آي ومن عدد متزايد من شركات تكنولوجيا التعليم. وتصدر الولايات والمدن توجيهات رسمية، وتطلق المناطق برامج تجريبية، ويشجع قادة المدارس المعلمين على التجربة.

لكن هناك استثمارًا بالغ الأهمية لم يحظَ بما يستحقه من الاهتمام: المعلمون أنفسهم.

لقد تركز النقاش العام حول الذكاء الاصطناعي في المدارس بدرجة كبيرة على الطلاب. هل سيستخدمونه للغش؟ هل سيحسّن التعلم؟ هل سيُضعف التفكير النقدي؟ هذه أسئلة مهمة. لكن هناك سؤال آخر قد يكون أكثر أهمية: كيف يُتوقع من المعلمين أن يتعلموا التدريس في عصر الذكاء الاصطناعي؟

تقدّم مدينة نيويورك حالة دراسية مهمة، ليس لأن تحدياتها فريدة، بل لأنها استثمرت في تعلم المعلمين أكثر من معظم المناطق الأخرى. فمن خلال الأكاديمية الوطنية لتعليم الذكاء الاصطناعي، يمكن للمعلمين الحصول على تدريب ومناهج وشهادات. وفي جوانب كثيرة، أصبحت نيويورك رائدة وطنية في إعداد المعلمين للعمل مع الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، تُظهر المقابلات التي أجريتُها مع معلمي الدراسات الاجتماعية في المدارس الثانوية بنيويورك أن هذه الاستثمارات تكشف مشكلة أكبر. فبعد مرور ما يقارب أربع سنوات على دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الفصول الدراسية، ما زال الوصول إلى تطوير مهني حقيقي غير متكافئ. بعض المعلمين يتعاونون بانتظام مع زملائهم لتجربة الذكاء الاصطناعي وإعادة التفكير في طرق التدريس. وآخرون وصفوا أنهم لم يتلقوا أكثر من سياسة عبر البريد الإلكتروني، أو ندوة عبر الإنترنت، أو جلسة تطوير مهني واحدة، ثم طُلب منهم مواجهة أحد أهم التحولات التكنولوجية في التعليم وحدهم تقريبًا.

الدرس يتجاوز نيويورك بكثير. إذا كان أحد أفضل الأنظمة المدرسية تمويلًا في البلاد يجد صعوبة في خلق فرص مستدامة للمعلمين ليتعلموا معًا، فماذا يقول ذلك عن النموذج السائد لتعلّم المعلمين؟

يقرأ  هل يظل المنتدى الاقتصادي العالمي ذا تأثير في ظل اقتصاد عالمي ممزق؟الأعمال والاقتصاد

أحد معلمي التاريخ في مانهاتن قابلته يوضح ما يمكن أن يحققه التعاون المستدام. بعد أشهر من العمل مع زملائه، وتجربة الذكاء الاصطناعي، وإعادة تصميم المنهج، تغيّر تدريسه جذريًا. ولأن الذكاء الاصطناعي يستطيع توليد ملخصات واقعية فورية، أصبح يخصص وقتًا أطول في الفصل لتفسير الأدلة، وتقييم الادعاءات المتعارضة، وبناء الحجج التاريخية. وبدلًا من تصميم مهام «مقاومة للذكاء الاصطناعي»، يطلب من الطلاب شرح كيف استخدموا الذكاء الاصطناعي، أو كيف اختاروا عمدًا عدم استخدامه. ويطلب إليهم أن ينقدوا الردود المولّدة بالذكاء الاصطناعي كما ينقدون أي مصدر تاريخي: ما وجهة النظر الممثَّلة؟ وما الأدلة المفقودة؟ وهل الاستنتاجات مبررة؟

مبدؤه بسيط: الذكاء الاصطناعي قد يساعد المعلم، لكنه لا ينبغي أن يعفي الطلاب أبدًا من مسؤولية التفكير.

أما معظم المعلمين الآخرين الذين قابلتهم فقد وصفوا تجربة مختلفة تمامًا. كانوا يتنقلون في عالم الذكاء الاصطناعي عبر التجربة والخطأ، ويبحثون عن الأفكار على الإنترنت، ويعتمدون على محادثات غير رسمية مع زملائهم. وقال العديد منهم إن الذكاء الاصطناعي نادرًا ما يظهر في نقاشات أعضاء هيئة التدريس، رغم حضوره المتزايد في حياة الطلاب. كان التزامهم بتحسين التدريس واضحًا. لكن لا ينبغي لأي مهنة أن تتوقع من أعضائها مواجهة تحول جذري وحدهم.

المشكلة أكبر من الذكاء الاصطناعي. إنها أن المدارس ما زالت تعتمد على نموذج قديم لتعلّم المعلمين.

لعقود، بُني التطوير المهني على ورش العمل وأيام المؤتمرات وخبراء خارجيين. يحضر المعلم جلسة، ويجمع مواد، ويعود إلى فصله، ويُتوقع منه ترجمة الأفكار العامة إلى ممارسة يومية. هذا النموذج كان مناسبًا عندما كان التغيير التعليمي يحدث تدريجيًا. لكنه غير مناسب تمامًا لتقنية تتطور شهريًا وتعيد باستمرار تشكيل أسئلة حول التدريس والتقييم والتعلم.

الذكاء الاصطناعي لا يقدم للمعلمين مجموعة معرفية ثابتة يمكن إتقانها في يوم واحد. إنه يثير باستمرار أسئلة تعليمية وأخلاقية جديدة. متى يعمّق الذكاء الاصطناعي التعلم؟ ومتى يحل محل العمل الفكري الذي يجب أن يقوم به الطالب بنفسه؟ كيف يجب أن تتغير المهام؟ كيف يجب أن يتغير التقييم؟ لا يمكن لأي ورشة عمل أن تجيب على هذه الأسئلة مرة واحدة وإلى الأبد.

يقرأ  مسؤول إيراني يحذّر: مياه الشرب في طهران قد تنفد خلال أسبوعين

يجب أن يصبح التعلّم المهني جزءًا من العمل اليومي للمدارس، وليس حدثًا يحدث بضع مرات في السنة.

يحتاج المعلمون إلى وقت منتظم للتخطيط معًا، وفحص أعمال الطلاب، وملاحظة فصول بعضهم البعض، وتجربة أساليب جديدة، والتفكير في ما يتعلمونه. الجامعات وشركات التكنولوجيا والاستشاريون يمكنهم تقديم أفكار مهمة، لكنهم لا يستطيعون أن يحلوا محل مجتمعات التعلّم المهني التي تتطور داخل المدارس، حيث يبني المعلمون الذين يتشاركون في الطلاب والمناهج والخبرة اليومية معرفتهم معًا.

نماذج ناجحة موجودة بالفعل. ففي اليابان، يجمع نهج «درس الدراسة» المعلمين معًا لتخطيط الدروس وملاحظة التدريس وتحسين الممارسة بمرور الوقت. وفي بعض المدارس التقدمية في مدينة نيويورك، تستخدم عملية «المراجعة الوصفية» إشراك المعلمين في فحص أعمال الطلاب وقرارات التدريس. ورغم اختلاف التصميم، فإن كلا النموذجين يدرك أن الخبرة المهنية تتطور عبر التعاون المستدام لا عبر ورش عمل معزولة.

يبقى كثير من المعلمين متشككين تجاه الذكاء الاصطناعي بشكل مفهوم. يقلقون من أن يعتمد الطلاب عليه قبل أن يتعلموا القراءة بدقة، أو الكتابة بوضوح، أو التفكير باستقلالية. هذه المخاوف تستحق دراسة جادة. لكن التشكك ليس حجة لترك المعلمين يواجهون الذكاء الاصطناعي وحدهم.

تجربة مدينة نيويورك تُظهر أن التحدي ليس مجرد توسيع الوصول إلى التدريب على الذكاء الاصطناعي. إنه إعادة التفكير في كيفية تعلّم المعلمين. وبينما تستثمر المناطق التعليمية بكثافة في أدوات الذكاء الاصطناعي، ينبغي أن تستثمر بالجدية نفسها في البنى التعاونية التي تسمح للمعلمين بتحديد متى يكون الذكاء الاصطناعي مناسبًا في الفصل الدراسي، ومتى لا يكون كذلك.

الفجوة التعليمية القادمة لن تكون بين مدارس لديها ذكاء اصطناعي ومدارس لا تملكه. ستكون بين مدارس تتعامل مع تعلّم المعلمين كعمل مهني مستمر، ومدارس ما زالت تعتمد على نموذج تطوير مهني صُمم لعصر مختلف.

يقرأ  آرسنال يتغلب بصعوبة على نيوكاسل ويستعيد صدارة الدوري الإنجليزي — أخبار كرة القدم

أضف تعليق