بعد تسعةٍ وخمسين عاماً على إقامة إسرائيل أول مستوطنةٍ غير قانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرضت المملكة المتحدة حظراً على التعامل التجاري مع المستوطنات الإسرائيلية. وقد جاء هذا القرار متأخراً، إذ يبلغ عدد المستوطنين أكثر من 750 ألف مستوطن، موزعين على أكثر من 140 مستوطنة رسمية وما يزيد على 390 بؤرة استيطانية ومزرعة.
يأتي هذا الحظر في وقتٍ وعد فيه وزير الخارجية البريطاني إد ميلباند بـ”إعادة ضبط شاملة” للعلاقات مع إسرائيل. وهذا المصطلح محمّلٌ بالكثير؛ فقد كرّره أكثر من مرة خلال لقائه بي هذا الأسبوع. وإعادة الضبط تعني إعادة ترتيب العلاقة بالكامل من جذورها، وهو تعبير قوي لوصف المسار الجديد.
فهل نحن أمام طلاقٍ أم مجرد انفصال مؤقت؟ وهل هذا كلامٌ فقط أم أن له مضموناً حقيقياً؟ قال لي وزير الخارجية إنه مصمّم على قيادة هذه السياسة وفعل ما يستطيع لردع إسرائيل ليس فقط عن جنونها الاستيطاني، بل أيضاً عن عدوانها غير المسبوق على الشعب الفلسطيني.
هل هذا القرار زلزالٌ حقيقي؟ تاريخياً، كانت العلاقة البريطانية الإسرائيلية وثيقة، عرفت بعض المطبات لكنها لم تصل إلى الانهيار؛ خلافات زوجية عابرة لا أكثر. ففي عام 1917، كانت بريطانيا هي التي صاغت وعد بلفور، ثم ترأست فترة الانتداب الكارثية على فلسطين، وخرجت تاركةً وراءها حرباً وتطهيراً عرقياً.
وفي العقود الأخيرة، تمتّعت الدولتان بعلاقات ودّية، وتعاونٍ مكثف في التجارة والدفاع والأمن، لم تقطعه سوى تصريحات بريطانية قلقة، وأحياناً شديدة القلق، إزاء معاملة إسرائيل للفلسطينيين.
بلغت العلاقة ذروتها في مارس 2023، عندما وقّعت الحكومتان “خارطة الطريق 2030” للعلاقات الثنائية، التي تصوّرت تعاوناً وثيقاً في جميع القطاعات، خاصة التكنولوجيا والأمن. ثم عزّز رئيس الوزراء آنذاك ريشي سوناك هذا التقارب بدعمٍ كامل لإسرائيل بعد فظائع السابع من أكتوبر، حيث قال: “موقفي لا لبس فيه: نقف مع إسرائيل، ليس اليوم فقط ولا غداً فقط، بل دائماً”.
بدأت العلاقة تتدهور عندما وصل حزب العمال إلى السلطة في 2024، لا سيما بسبب فرض حظرٍ جزئي على بيع الأسلحة. لكن رئيس الوزراء العمالي كير ستارمر كان متردداً في محاسبة إسرائيل. فداخلياً، كان يُنظر إليه على نطاق واسع كصديقٍ حميم لإسرائيل، واتُّهم داخل حزبه بأنه لم يفعل شيئاً يُذكر لوقف الإبادة الجماعية، واكتفى بإجراءات جزئية في اللحظة الأخيرة. ولم يتهم ستارمر إسرائيل يوماً بانتهاك القانون الدولي في غزة.
غير أن القيادات الإسرائيلية رأت في ستارمر وحكومته خصوماً لإسرائيل بطبعه، بل وصفوهم بأنهم أصدقاء لحماس يرددون خطابها. وازداد هذا الانطباع بعد أن اعترفت بريطانيا بدولة فلسطين في 2025، وبعد فرض عقوبات على وزيرين إسرائيليين هما بتسلئيل سموتريش وإيتمار بن غفير.
منذ أن تولى آندي بورنهام منصبه في أواخر يوليو، تغيّر الخطاب البريطاني بشكلٍ جذري. اختفى اللفّ والدوران الذي ميّز ستارمر، وحلّت محله تصريحات أكثر حدةً تضع اللوم بوضوح على إسرائيل في أفعالها.
وكان بورنهام قد أشار إلى هذا التغيير даже قبل توليه منصبه، إذ كتب على وسائل التواصل في أوائل يوليو: “الرد الأولي لحزب العمال على ما يحدث في غزة سبّب ألماً كبيراً. لقد أخطأنا، وأنا آسف على ذلك”. وأكدت داونينغ ستريت أن بورنهام لم يتحدث بعد مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
أما وزير الخارجية ميلباند فكان أكثر وضوحاً. ففي بيانه رداً على القرار الإسرائيلي بالمضي قدماً في مناقصات منطقة E1، تعهّد بـ”مجموعة شاملة من الإجراءات للرد على سياسات الحكومة الإسرائيلية”. وكلمة “شاملة” أيضاً تحمل وزناً كبيراً. ولم يستبعد اتخاذ إجراءات ضد مبيعات الأسلحة.
كل هذا هزّ المؤسسة السياسية الإسرائيلية، التي ظلّت تعتقد لسنوات أن القوى الأوروبية مثل بريطانيا تتحدث بصوت عالٍ لكنها لن تستخدم العصا أبداً.
أما الردود الإسرائيلية الرسمية فقد وصفت الحكومة البريطانية بأنها معادية للسامية وتسعى لاسترضاء الناخبين المسلمين في بريطانيا. وكان نتنياهو في الطليعة عندما وصف المملكة المتحدة بـ”الجمهورية الإسلامية البريطانية”. وصرّ وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر غاضباً: “إذا تحركت بريطانيا ضد دولة إسرائيل، فإن دولة إسرائيل ستتحرك ضد بريطانيا. نحن نملك أدوات”. كما طالب سموتريش بطرد السفير البريطاني من إسرائيل، وهو إجراء قد ترد عليه بريطانيا بالمثل.
وأضاف السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي وقوداً إلى النار بقوله: “البريطانيون فقدوا صوابهم. كراهية حكومتهم لليهود لا تعرف حدوداً ولا تعرف حقائق”. وربما لم يكن يعلم أن ميلباند يهوديٌّ نفسه، وابنٌ للاجئين يهود.
وبصرف النظر عن تصعيد الخطاب العدائي، ماذا تستطيع إسرائيل أن تفعل؟ يمكنها الضغط على الولايات المتحدة لمعاقبة بريطانيا، ويمكنها فرض عقوباتها الخاصة، ويمكنها طرد بريطانيا من المركز الدولي لدعم غزة، وهو الجهاز الذي أنشأته “مجلس السلام” لمراقبة تدفق المساعدات إلى القطاع. لكن من المرجح جداً أن يُمارس جزء كبير من الانتقام على الفلسطينيين أنفسهم، عبر الإعلان عن مستوطنات جديدة وإجراءات مماثلة لإظهار أن إسرائيل تمضي قدماً رغم العقوبات البريطانية.
وفي هذه المرحلة، هل من طريق للعودة في العلاقة البريطانية الإسرائيلية؟ مع بقاء نتنياهو في السلطة في إسرائيل، وحكومة عمالية في لندن، الجواب الواضح هو لا. أما إذا أُطيح بنتنياهو وحلّ محله غادي آيزنكوت، فقد يكون ذوبان الجليد ممكناً.
لكن الخطر هنا هو أن أي حكومة إسرائيلية جديدة قد تكون أكثر دبلوماسية وأقل صخباً، لكنها تتبع السياسة الاستراتيجية نفسها تجاه الفلسطينيين. المهم هو السياسة، لا الأشخاص.
على الحكومة البريطانية أن تثبت على موقفها حتى تتخلى إسرائيل عن صناعة الاستيطان. وعليها ألا تنخدع بوعود غامضة أو لغة أقل خشونة. فمعيار النجاح لا يمكن أن يكون إلا تغييراً حقيقياً على الأرض.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.