الذكاء الاصطناعي أثار جدلاً أكثر من معظم القضايا في السنوات الخمس الماضية. ومنذ أن أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحة للعموم في عام 2022، انقسمت المؤسسات والجامعات والطلاب والباحثون والناشطون والمتخصصون في علوم الإدراك وصانعو السياسات العامة وعموم الناس حول أخلاقيات استخدامه. ومع بداية هذا الشهر، اتخذ حتى مؤسسو شركات الذكاء الاصطناعي الموقف نفسه. نشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، مقالاً دعا فيه شركات الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء تطوير نماذجها الأكثر تقدماً، لأن الضمانات الحالية لم تعد قادرة على مواكبة التطور. وبعد مقال أمودي بوقت قصير، أيّد موقفه سام ألتمان من أوبن إيه آي، وإيلون ماسك من إكس إيه آي، وديميس هاسابيس من جوجل ديب مايند، وساتيا ناديلا من مايكروسوفت. إضافة إلى ذلك، قال سام ألتمان إن أوبن إيه آي لن تطرح أسهمها للاكتتاب العام في 2026، لأن الأمر يحتاج إلى مزيد من التقدم في مجال السلامة. وقد يبدو هذا في الظاهر تطوراً في الوعي الجماعي، لكن المشكلة أكثر تعقيداً وطبقات، ما يترك الصناعة والجمهور المستهدف منقسمين.
المنتجات
انظر إلى المنتجات التي تبيعها كل شركة عملاقة في الذكاء الاصطناعي. أمودي وألتمان وماسك وهاسابيس يبيعون النماذج، بينما يبيع ناديلا السحابة التي تعمل عليها هذه النماذج. وقد نصح الفريقان بإبطاء الوتيرة. في المقابل، يبيع جنسن هوانغ، مؤسس إنفيديا ورئيسها ومديرها التنفيذي، الرقائق التي تشتريها هذه الشركات قبل أن تستطيع بناء أي شيء. لا ينصح هوانغ بإبطاء الوتيرة، بل يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى تشريعات جديدة، لأن قوى السوق يمكن أن تدفع الشركات نحو ابتكار آمن دون حاجة إلى تنظيم. وحذر مارك زوكربيرغ، الذي تقدم شركته نماذجها مجاناً، من أن الاقتراح قد يعرض الشركات لمخاطر قانونية أكبر.
الخيط المشترك بين هذه التوصيات المتناقضة هو الربح. بعض الشركات سوف تستفيد من الإبطاء، بينما تحقق شركات أخرى أرباحاً أكبر إذا تحركت بوتيرة أسرع. وقد استفادت قدرة إنفيديا على فرض أسعار مرتفعة من المنافسة الشديدة بين شركات الذكاء الاصطناعي، التي تخشى التخلف عن منافسيها. وإذا انخفض هذا الضغط التنافسي، فقد تصبح الشركات أقل رغبة في دفع أسعار مرتفعة لرقائق إنفيديا. لذلك، قد تعكس معارضة هوانغ للاقتراح مخاوف حقيقية ومصالح إنفيديا التجارية في الوقت نفسه.
الكلمة التي استخدمها البيت الأبيض
في عالم الذكاء الاصطناعي، تمنع قوانين مكافحة الاحتكار هذه الشركات من عقد اجتماعات خاصة لتقرر ما يمكنها فعله وما لا يمكنها فعله. والهدف من ذلك منعها من تنسيق وتيرة التطوير والقيام بمنافسة غير عادلة. لكن بعض هذه الشركات بدأت تطالب بالسماح لها بالعمل خارج قوانين مكافحة الاحتكار من أجل السلامة التكنولوجية. وقد انتقد هوانغ وديفيد ساكس، مسؤول الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض، هذا الطلب، لأنه قد يقلل المنافسة ويزيد نفوذ شركات الذكاء الاصطناعي على منافسيها. كما شكك ساكس في استقلال الجهات غير الربحية التي تُكلف بتقييم سلامة الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل. وهو يسأل في جوهر الأمر: كيف يكون منصفاً أن تفتش شركة شركة أخرى؟
الشرط الذي لا يُطبَّق جيداً خارج سياقه
سيمنع اقتراح أمودي الصين من الوصول إلى أقوى رقائق الذكاء الاصطناعي ومعدات تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة، ويمنع التهريب والوصول عن بعد إلى القدرات الحاسوبية في الخارج. وردت وزارة الخارجية الصينية على الاقتراح بأن هذه التحذيرات تكتيك تخويف يهدف إلى إبطاء التقدم التكنولوجي في الصين، على غرار الحرب الباردة. وقد اعترف أمودي بأن الصين تمثل أصعب مأزق لخطته. ورغم المزايا التي يُفترض أنها موجودة، فإن الاقتراح يمنح الشركات الأميركية نفوذاً على الشركات الصينية.
سابقة، ولماذا لا تناسب الحالة
قارن مؤيدو تنسيق جهود الذكاء الاصطناعي بينه وبين تنظيم البنوك بعد الأزمة المالية في 2008. فقواعد بازل الثالث لم تُدخل إلا بعد أن حدثت أزمة مالية كبرى. وقد تمثل محاولات تنظيم الذكاء الاصطناعي قبل وقوع الضرر جهداً حقيقياً لمنع مخاطر مستقبلية، لا مجرد انعكاس للمصالح التجارية لشركات الذكاء الاصطناعي. لكن هناك فرقاً مهماً بين الحالتين. فتنظيمات البنوك فُرضت من جهات تنظيمية خارجية، أما تنظيمات الذكاء الاصطناعي المقترحة فتتضمن تنسيقاً بين شركات متنافسة.
ما الذي يدور حوله الجدل فعلاً
قبل أن يبدأ هذا الجدل، كان الباحثون قد أصدروا تحذيرات بشأن قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي. وقد أبطأت أوبن إيه آي تطوير أنظمتها الرائدة بعد حادث أمني. وادعى أمودي وألتمان أن أنثروبيك وأوبن إيه آي ستسعيان إلى جلب مقيمين مستقلين، وهي ممارسة لا تُرى بين الكارتلات. ويمكن للمخاوف أن تتعايش: قد تخشى الشركات حقاً المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه تسعى إلى مصالحها التجارية. ويبقى السؤال الأكثر صلة هو ما إذا كان الحل المقترح يعالج المشكلة التي يُفترض أنه جاء لحلها. فاتفاق بين خمس شركات أميركية كبرى، يشرف عليه مقيمون تمولهم هذه الشركات، لن يسري على المنافسين الدوليين مثل الشركات في الصين، وسيحتاج إلى إعفاء من قانون المنافسة القائم. ويبدو أن هذا الحل يعكس بنية صناعة الذكاء الاصطناعي ومصالحها أكثر مما يعكس طبيعة الخطر الذي يهدف إلى معالجته.
المقاعد التي لا يجلس فيها أحد
جرى قدر كبير من الجدل حول وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي وتنظيمه من دون مشاركة حقيقية من مناطق أخرى، ومنها العالم العربي. وتقدر شركة برايس ووترهاوس كوبرز أن 31.6 تريليون دولار ستستثمر في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في العالم بحلول عام 2050. والدول القادرة على توفير كميات كبيرة من الكهرباء الرخيصة والموثوقة ومنخفضة الكربون ستكون في موقع أفضل لجذب هذا الاستثمار. لذلك، قد تمنح الطاقة الكبيرة والأراضي والاستثمارات التي تحتاجها البنية التحتية للذكاء الاصطناعي الدول القادرة على توفير هذه الموارد قدراً كبيراً من القوة التفاوضية. ويمكن لهذه الدول أن تسعى إلى دور أكبر في تحديد الشروط التي تعمل بموجبها شركات الذكاء الاصطناعي داخل ولايتها القضائية. وقد يشمل ذلك التفاوض حول من يقيّم أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه، وكيف تجري التقييمات، ومن يتحمل المسؤولية القانونية عندما تسبب الأنظمة الذاتية ضرراً. وهذا يعني أن الجدل يتجاوز مسألة ما إذا كان ينبغي إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي إلى أسئلة حول من يملك سلطة اتخاذ القرارات بشأن تطويره، وما إذا كان ينبغي لدول أخرى أن تقبل قرارات تُتخذ في مكان آخر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن صاحبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.