ثقافة التعلم تبدأ من القمة
من خبرتي العملية في تصميم البرامج التدريبية، تظهر مشكلة واحدة متكررة بوضوح: معظم الناس ببساطة لا يرغبون في إكمال تدريباتهم. والسبب واضح — الموظفون مثقلون بالمهام، وغالباً ما يشعرون بأن الوقت لا يكفي، فإضافة مهمة أخرى حتى لو كانت دورة مدتها عشر دقائق تبدو لهم عبئاً زائداً.
يفرض هذا إحباطاً على فرق التدريب: فريق ينتج محتوى جيداً ومُعَدلًا بعناية، لكنه يُتجاهل أو لا يلقَ التقدير المتوقع. لهذا السبب يبذل مصممو التعلم جهداً كبيراً لجعل التدريبات ممتعة وجذابة؛ نعمل على وضوح المحتوى واختصاره، ونقضي ساعات في تعلم أدوات مثل فوتوشوب وأفتر إيفكتس لإضفاء عنصر بصري يحفز المتعلّم. هدفنا أن يهتم الجمهور أكثر. لكن ماذا لو كان ذلك ليس العامل الأكثر تأثيراً على معدلات الإكمال؟
في كثير من الأحيان، العامل الأكبر لا يتعلق بالمحتوى نفسه بقدر ما يتعلق بثقافة التعلم داخل الشركة.
ما سنغطيه:
– استراتيجيّتُك الحالية: نشر المزيد من المحتوى وتحسينه
– استراتيجيّتُك الجديدة: إشراك القيادات لبناء ثقافة تعلم
– إذا كان الأمر بهذه البساطة، لماذا لا يدفع كل القادة التدريب فعلاً؟
هيا نغوص في الموضوع.
استراتيجيتك الحالية: المزيد من المحتوى وتحسين جودته
طوال اثني عشر عاماً من عملي في مجالات التجزئة والصناعات الدوائية والبنية التحتية الاتصالية، رأيت نمطاً متكرراً: اجتماعات الفرق تتناول تكنولوجيا وأساليب جديدة، نشارك أدوات وممارسات لرفع مستوى المهارات، نسحب تقارير إكمال الدورات ونعيد مناقشة طريقة تنسيق المحتوى أو طول الوحدات أو نوعية الإطلاق — كل ذلك بهدف رفع نسب الإكمال. ومع ذلك، بعد سنوات، تبقى المحادثات على حالها وتظل النتائج متشابهة؛ نواصل محاولة إقناع الجمهور بالانتباه.
وللتوضيح: هذه التحسينات ليست غير مهمة. مادة تدريبية واضحة وموجزة وجذابة تحسّن الانتباه، وتزيد الاحتفاظ بالمعلومة، وتُعطي انطباعاً بالمصداقية وتحافظ على سمعة التدريب داخل المنظمة. إذا كانت الدورات مطوّلة أو مبعثرة باستمرار، سينخفض معدل الإكمال بمرور الوقت، واستعادة السمعة الجيدة قد تتطلب سنوات من الجهد. أنا شخصياً بنت مسيرتي المهنية على الاهتمام بهذه التفاصيل. لكن عندما نتحدث عن معدلات الإكمال، الجزء الأكبر من المعادلة غالباً ما يكون خارج سيطرة فريقك المباشرة.
استراتيجيتك الجديدة: إشراك القيادة لبناء ثقافة تعلم
ثابت واحد لاحظته عبر مؤسسات مختلفة: تلك التي تمتلك ثقافة تعلم قوية تحقق دائماً تنفيذ تدريب أفضل. وهذه الثقافة تبدأ أولاً بأولئك في المناصب العليا.
ببساطة: الشركات التي شهدت أعلى نسب إكمال كانت تلك التي دعمت قياداتها فرق التدريب بشكل واضح، وكان القادة يطالبون بإنجازات التدريب بانتظام. الثقافة التنظيمية تُوجّهها القيادة. كمثال: إذا كان القادة يصرّون على أن الموظفين يأخذون إجازاتهم السنوية كاملة لفصل العمل وإعادة الشحن، سيحرص معظم المديرين على تنفيذ ذلك لأن الرسالة أُصدرت من القمة. سيكون الالتزام واسع النطاق، مع بعض الاستثناءات طبعاً، لكن النبرة المتكرّرة تصنع الفارق.
والأمر نفسه ينطبق على ثقافة التعلم: عندما يؤكد القادة أهمية التدريب باستمرار، يصبح لدى المديرين دافعٌ للتعامل مع التدريب كأمر تشغيلي حاسم لا اختيارياً. أبحاث معهد تروست للقيادة تشير إلى أن دعم المؤسسة لتطوير الموظفين يعد من العوامل الأساسية في خلق ثقافة تطوير فعّالة.
أهم من ذلك: عندما تكون هناك عواقب لعدم إتمام التدريب، ترتفع نسب الإكمال بصورة ملحوظة. لا أعني بالفصل من العمل لمجرد عدم إكمال دورة قصيرة، بل فأهم ما في الموضوع هو أن يرى القادة قيمة التدريب ويُظهروها بأفعالهم: مكالمة من نائب الرئيس للمساءلة، تذكيرات دورية من المديرين، أو ربط الإكمال بأهداف تشغيلية تجعل الناس يأخذون الأمر على محمل الجد.
أمثلة على مشاركة القيادة
افترض أن فريقك يدعم مبادرة كبيرة لها برنامج تدريبي منظّم بطرح وحدة كل شهر على مدى ستة أشهر. يمكن لمشاركة القيادة أن تكون بأي من الأشكال التالية، أو كلها:
– كلمة قصيرة ثلاثية الدقائق في اجتماع الشركة العام يلقيها الرئيس التنفيذي أو راعي المشروع التنفيذي.
– فيديو تعريفٍ قصير عشر دقائق يظهر فيه الرئيس التنفيذي أو الراعي يشرح أهمية المبادرة وما تعنيه للمؤسسة وللعاملين.
– قاعة حوار (Town Hall) يقودها الراعي التنفيذي أو المديرون الوظيفيون لمناقشة البرنامج والرد على أسئلة الجمهور.
– منتدى أسئلة يُجيب عنه الراعي التنفيذي مباشرةً أو عبر رسائل إلكترونية رسمية للمتعلمين.
هذه الأفكار تخص مبادرة بعينها، لكن إن أراد القادة التزام الموظفين بأي تدريب، صغيراً أو كبيراً، عليهم الحديث عن التدريب باستمرار: ذِكر الإكمال في اجتماعات Town Hall، دفعات منتظمة من نائب الرئيس للمديرين لتحفيزهم على ضمان أولوية فرقهم للتدريب، وهكذا دواليك. في ثقافات التعلم القوية لا يُنظر للتدريب كعمل منفصل عن الشغل التشغيلي؛ بل يُعتبر جزءاً من التميّز التشغيلي.
بدون ثقافة تعلم متكاملة، سيقتصر التطبيق الجاد للتدريب على مدرائين يرى كل واحد منهم القيمة بذاته، ما يؤدي إلى تنفيذ متقطّع وغير متسق؛ بعض الزملاء يتلقون تدريباً جيداً بينما الأغلب لا. هذا يفسر لماذا قد ترى معدلات إكمال منخفضة في شركتك.
لماذا لا يدفع كل القادة التدريب إذا كان الأمر بهذه البساطة؟
هناك سببان رئيسيان: الوقت والمال.
غالباً ما يكون هدف الشركة الرئيس هو تحقيق الربح. لذلك، قادة المستوى التنفيذي مضطرون للتركيز على كفاءة العمليات والنتائج المالية. الطلب منهم توجيه الانتباه إلى أعمال قد لا تُترجم فوراً إلى أرقام الأداء المالية يبدو متناقضاً مع دورهم الطبيعي.
من واقع عملي داخل فرق العمليات وفي أقسام الموارد البشرية، مدى اهتمام الفريق بالتدريب غالباً ما ارتبط بفهمهم لعائد الاستثمار. فرق تمتلك رؤية واضحة للقيمة tended to تشجّع التدريب لأنهم رأوا أن الموظفين المتمرسين ينجزون عملاً أفضل وأكثر كفاءة. وفي حالات أخرى، ضُغط المحتوى ليتقلص إلى حدّ فقدان فعاليته لأن التركيز كان فقط على تحقيق مؤشرات الأداء.
ولا نغفل أن الموظفين محمّلون بما يفوق طاقاتهم؛ نسبة كبيرة منهم يشعرون بالإرهاق وقلة الوقت، فإيجاد دقائق حتى لو قليلة للتعلّم يبدو مضيعة للوقت مقارنة بالمهام المباشرة. وفقاً لغالوب في 2025، 41% من الموظفين يرون أن متطلبات الوقت في وظائفهم هي أكبر حاجز أمام التعلم والتطوير.
ماذا يمكنك أن تفعل؟
– إذا كنت قائد فريق تدريب: دورك الأفضل في رفع نسب الإكمال هو الضغط على الإدارة العليا لتبدي اهتماماً حقيقياً بالتدريب. قدّم لهم دلائل على عائد الاستثمار، مثل أرقام تشير إلى أن 94% من الموظفين قد يبقون لفترة أطول لدى شركة تستثمر في تطويرهم، أو أن الشركات ذات برامج تدريب شاملة تُسجّل هوامش ربح أعلى — أمثلة عملية تُساعد القادة على رؤية الفائدة المادية والتشغيلية.
– إذا كنت عضو فريق تصميم: اقترح مشاركة القادة في المشاريع الكبيرة التي تخطّط لها وفق الأفكار السابقة؛ حضور قيادي صغير له أثر كبير على الالتزام.
– فوق كل شيء: تذكّر أن جهودك في بناء وحدات تدريبية جميلة وواضحة وفعّالة ذات قيمة فعلية للمؤسسة. لكن لكي يراها الموظفون كذلك بانتظام، لا بد من دعم ثقافي من القمة لأسفل.
الخلاصة
تحسين المحتوى مهم وضروري، لكنه غالباً ليس كافياً لوحده لرفع نسب الإكمال. الثقافة التنظيمية التي ترعاها القيادة هي مفتاح النجاح. إشراك القادة، إعادة ربط التدريب بأهداف العمل، ووجود عواقب ومتابعات واضحة كلها عناصر تجعل التدريب جزءاً طبيعياً من العمل وليس مهمة إضافية تُهمل. اعمل على بناء هذا الجسر بين جودة المحتوى ودعم القيادة — وسترى النتائج تتغيّر على أرض الواقع.
شارك هذا المقال مع فريقك وابدأ حوار القيادة اليوم — فالثقافة تُبنَى ولا تُؤتى فجأة.