التمور في اليمن.. شريان حياة لمزارعين في ظل خيارات اقتصادية شحيحة

في حَجْرِ اليَمَنِيَّةِ، الواقعةِ في منطقةِ حَضْرَمَوْتَ شرقيِّ البلادِ، يَغُوصُ الأهالي، صغارًا وكبارًا، في موسمِ جَنى التمرِ السنويِّ، بينَ أكوامٍ داكنةٍ منَ الثمارِ الطازجةِ المنتشرةِ فوقَ الصخورِ. منذُ نحوِ أسبوعٍ، قطفَ المزارعونَ في هذهِ المنطقةِ، التي تبعدُ نحوَ ساعتينِ غربَ مدينةِ المُكَلّا عاصمةِ حضرموتَ، التمرَ منَ البساتينِ الشاسعةِ القريبةِ، ثمَّ حملوهُ إلى هذهِ الأرضِ المفتوحةِ ليجفَّ ويُنظَّفَ ويُباعَ، وفقَ طرقٍ تقليديةٍ ظلَّتْ صامدةً لقرونٍ.

يصلُ نبيلُ أحمدَ وعائلتُهُ قبلَ شروقِ الشمسِ، ويتوجَّهونَ مباشرةً إلى مكانِهمْ على الأرضِ الصخريةِ حيثُ تنتشرُ تمورُهُم. يقولُ نبيلُ للجزيرةِ وهوَ يُقلِّبُ كومةً منَ التمرِ بيديهِ ويرفعُ حفنةً منها: «آتي أنا وزوجتي وإخوتي إلى هنا قبلَ الفجرِ، ونبقى حتى تشتدَّ حرارةُ الشمسِ». يعودُ المزارعونَ وعائلاتُهُم كلَّ يومٍ لقلبِ التمرِ وفرزِه، فيستبعدونَ الحباتِ الفاسدةَ أوِ التالفةَ قبلَ تجهيزِ المحصولِ للبيعِ، بهدفِ جعلِهِ في أبهى صورةٍ ممكنةٍ أمامَ المشترينَ. ويضيفُ نبيلُ: «هذهِ الأرضُ الصخريةُ تُستخدمُ لنشرِ التمرِ وتنظيفِهِ وبيعِهِ للزبائنِ».

وبينما يعملُ المزارعونَ، يتنقَّلُ المشترونَ بينَ الأكوامِ، يفحصونَ الثمارَ بحثًا عنْ نوعيةٍ جيدةٍ بأقلِّ سعرٍ ممكنٍ. ويُحالِفُ الحظُّ نبيلًا، إذْ يَرضى أحدُهُم في النهايةِ عنِ الشراءِ. يقولُ نبيلُ: «أجني التمرَ وأبيعُ بعضَهُ، وأُبقِي بعضَهُ لعائلتي. أضعُ حصصًا صغيرةً في أكياسٍ لرمضانَ وأيامٍ أُخرى. عادةً ما نأكلُ التمرَ معَ القهوةِ يوميًا. هذا هُوَ مصدرُ دخلي الوحيدُ». وإلى جانبِ توفيرِ دخلٍ سنويٍّ، يشكِّلُ التمرُ شبكةَ أمانٍ غذائيةً أساسيةً لبعضِ أشدِّ أسرِ حجرٍ فقرًا. يوضحُ نبيلُ: «إذا لم يستطعِ المزارعُ توفيرَ الطعامِ لأطفالِهِ، يعطيهِمْ تمرًا وقهوةً، لأنَّ بعضَ الأسرِ لا تستطيعُ حتى شراءَ السمكِ والأرزِّ».

قضاءٌ يُعانِي

يتكوَّنُ قضاءُ حجرٍ من تجمُّعاتٍ سكنيةٍ متفرقةٍ على طولِ وادٍ طويلٍ تكتظُّ بنخيلِهِ الأنهارُ. الطريقُ الرئيسيُّ الذي يربطُ القضاءَ ببقيةِ مناطقِ حضرموتَ تدهورَ بعدَ سنواتٍ منْ سوءِ الصيانةِ، أمَّا الطرقُ الداخليةُ بينَ القرى فمعظمُها غيرُ معبَّدٍ ومُغبَّرٌ. لا توجدُ كهرباءُ في القضاءِ، وخدماتُ الهاتفِ المحمولِ ضعيفةٌ. كما شهدَ القضاءُ تفشِّيًا متكررًا للكوليرا، يعزوها الأهالي والمسؤولونَ الصحيونَ في الأساسِ إلى سوءِ الصرفِ الصحيِّ وعدمِ الحصولِ على مياهٍ نظيفةٍ.

يقرأ  أبرز لحظات محاكمة ليندسي كلانسي التي استمرت خمسة أسابيع في قضية مقتل أطفالها

قدْ يكونُ حجرٌ بعيدًا عن خطوطِ الجبهاتِ في اليمنِ، لكنَّهُ ما زالَ يعاني من آثارِ أكثرَ من عقدٍ منَ الحربِ، ومن غيابِ حكومةٍ مستقرةٍ قادرةٍ على التخفيفِ من حِدَّةِ الفقرِ. لهذا تُعَدُّ بساتينُ النخيلِ الشاسعةُ في حجرٍ شريانَ حياةٍ، فهيَ توفِّرُ الدخلَ والفرصَ. لا توجدُ أرقامٌ رسميةٌ عن عددِ أشجارِ النخيلِ أو إنتاجِ القضاءِ السنويِّ منَ التمرِ، لكنَّ مسؤولينَ محليينَ أخبروا الجزيرةَ أنَّ في القضاءِ مليونيْ نخلةٍ على الأقلِّ. وبشكلٍ عمليٍّ، تشكِّلُ أشجارُ النخيلِ مركزَ اقتصادِ حجرٍ.

في ساحةِ التجفيفِ المكشوفةِ، التي تتحوَّلُ إلى سوقٍ مؤقتةٍ خلالَ موسمِ الحصادِ، رفضَ راشدُ محمدٍ، وهوَ أبٌ لأربعةِ أطفالٍ، عروضًا عديدةً منْ مشترينَ بأسعارٍ اعتبرَهَا منخفضةً جدًا. لكنَّهُ يشعرُ بالقلقِ من أنَّهُ إذا لم يستطعْ بيعَ محصولِهِ في الأيامِ القليلةِ المتبقيةِ منَ الموسمِ، فلنْ يتمكنَ من سدادِ دينِهِ لمتجرِ البقالةِ المحليِّ. يقولُ راشدُ: «أنا مدينٌ بمليونِ ريالٍ يمنيٍّ (نحو 640 دولارًا) للبقالةِ، ولنْ أستطيعَ سدادَ الدينِ إذا لم أبعِ التمرَ». ومثلَ كثيرٍ منَ المزارعينَ في القضاءِ الذينَ يعتمدونَ على بيعِ التمرِ كمصدرِ دخلٍ رئيسيٍّ، يشتري راشدُ الموادَّ الغذائيةَ الأساسيةَ لعائلتِهِ بالدينِ على مدارِ العامِ، على أملِ أنْ يسدِّدَ للبقالِ بعدَ الحصادِ. ومنْ جهةٍ أخرى، يؤجِّلُ بعضُ المزارعينَ الأعراسَ أو بناءَ المنازلِ أو شراءَ السلعِ الضروريةِ حتى يقطفوا تمورَهُم ويبيعوهَا.

ومعَ نهايةِ النهارِ، إذا لمْ يَصِلِ المشترونَ، يعودُ أفرادُ العائلةِ إلى منازلِهم، بينما يبقى راشدٌ وغيرُهُ منَ المزارعينَ، نائمينَ في مآوٍ مؤقتةٍ مصنوعةٍ منْ سعفِ النخيلِ. يبقونَ جزئيًا لحمايةِ محصولِهم منَ اللصوصِ والكلابِ الضالةِ، وأيضًا ليكونوا متاحينَ على مدارِ الساعةِ في حالِ ظهورِ مشترٍ. يقولُ راشدُ: «الزبونُ قدْ يأتي في أيِّ وقتٍ، لذلكَ أنامُ هنا».

يقرأ  وزارة العدل الأمريكية تفتح تحقيقاً مع مسؤولين في مينيسوتا إثر مداهمات متعلقة بالهجرة — أخبار دونالد ترامب

فقرٌ مُدقِع

يقولُ المزارعونَ إنَّ أحدَ الأسبابِ التي تدفعُهُم للاستمرارِ في تسويقِ تمورِهم في هذا السوقِ المكشوفِ هوَ عدمُ قدرتِهِم على تحمُّلِ تكاليفِ نقلِ محصولِهم إلى الأسواقِ الأكبرِ في أماكنَ أُخرى منَ اليمنِ. ويضيفونَ أنَّ الفقرَ شديدٌ لدرجةِ أنَّ بعضَ المزارعينَ لا يملكونَ نقودًا كافيةً لدفعِ أجرَةِ السائقينَ، فيعوِّضونَهُم بدلًا من ذلكَ بصناديقَ بلاستيكيةٍ مملوءةٍ بالتمرِ.

يقولُ عوضُ مباركٍ، وهوَ مزارعٌ ورئيسُ لجنةٍ محليةٍ للمزارعينَ في منطقةِ الجَوْلِ في حجرٍ، إنَّ كثيرًا منَ المزارعينَ تركوا الزراعةَ والتحقوا بأعمالٍ أُخرى، بما في ذلكَ الخدمةُ في الأجهزةِ الأمنيةِ والعسكريةِ، في وقتٍ تموتُ فيهِ أشجارُ النخيلِ ويتراجعُ إنتاجُ التمرِ. ويُرجعُ المزارعونَ ذلكَ جزئيًا إلى فيضاناتٍ ضربتِ المنطقةَ قبلَ أشهرٍ ودمَّرتْ سدًّا صغيرًا كانَ يحوِّلُ مياهَ النهرِ إلى مزارعِهم، ممَّا قلَّصَ بشكلٍ كبيرٍ كمياتِ المياهِ التي تصلُ إلى بساتينِهم، وأسهمَ في موتِ الأشجارِ. منَ السهلِ ملاحظةُ الضررِ على طولِ الطريقِ عبرَ حجرٍ، حيثُ تنتشرُ نخيلٌ عاريةٌ أو شبهُ عاريةٍ، تتدلَّى سعوفُها اليابسةُ منْ جذوعٍ ميتةٍ أو مُحتضرةٍ. ويشدِّدُ عوضٌ على أنَّ إعادةَ بناءِ السدِّ هي المطلبُ الأكثرُ إلحاحًا عندَ المزارعينَ، قائلًا: «مطلبُنا الأساسيُّ هو إعادةُ بناءِ السدِّ. الوضعُ صعبٌ للغايةِ». هجر كثير من المزارعين نخيلهم وتركوا أراضيهم، إمّا بحثاً عن عمل آخر أو هجرةً خارج البلاد. يقول عوض، وهو يري الماء وهو ينساب بعيداً عن الأرض الزراعية بدل أن يُوجَّه إلى البساتين: “كثير من أصحاب النخيل غادروها وانشغلوا بأشياء أخرى”.

كما ناشد المزارعون المستثمرين والحكومة ببناء معمل لتعبئة التمور وصناعتها، مؤكدين أنه سيوفر عليهم الوقت ويساعدهم في تسويق محاصيلهم. ويضيف عوض: “نحتاج إلى معمل لتعبئة التمور ليستوعب الكميات الكبيرة التي تنتجها المنطقة. فبدلاً من أن نخرج يومياً أنا وعائلتي لتنظيف التمور، يمكننا أن نأخذها إلى المعمل فتُعالج في يوم واحد؛ وهذا يوفر علينا جهداً ووقتاً كبيراً”.

يقرأ  إقبال متزايد على منظومات اعتراض الطائرات المسيرة الأوكرانيةالشرق الأوسط يسجل طلباً مرتفعاً في الاستحواذ عليها

أمّا عمر محمد، وهو مشترٍ قدِم من قرية جبلية في حضرموت، فيرى أن سمعة تمور حجر وفوائدها الصحية تجعلان الرحلة الطويلة إلى المنطقة تستحق العناء. يقول عمر بينما يستريح في ظلّ مكان مؤقّت، بينما يعمل العمّال على تعبئة ما اشتراه في أكياس: “تمور حجر هي أفضل تمور في حضرموت، لأن كمية السكر فيها قليلة”.

ويستطرد مسترجعاً اعتقاداً شعبياً متداولاً في المنطقة: “في أيام دراستي، كان الأطباء إذا احتاجوا إلى دم يأخذونه من سكان حجر، لأنهم يأكلون التمر”. ويضيف: “أشتري ما يكفيني وما يكفي أقاربي من التمر ليدوم طوال السنة. فإذا كان التمر موجوداً في بيتي، أشعر بالأمان الغذائي حتى لو لم آكله”.

أضف تعليق