روبرت كينيدي جونيور يخطئ في فهم العالم العربي | التعليم

في تجمع انتخابي حديث في ميشيغان، أدلى وزير الصحة الأميركي روبرت كينيدي جونيور بتصريحات أثارت جدلاً واسعاً. فقد زعم أن العرب المسلمين لا ينتجون العلم والأدب ولا يفوزون بجوائز كبرى بسبب تأثير جماعة الإخوان المسلمين.

لم يكن هذا مجرد تقييم متسرع وغير دقيق لإنتاج المعرفة لدى فئة سكانية معينة، بل كان تصريحاً يعكس مواقف عنصرية وأفكاراً خاطئة عن منطقة كاملة ودين كامل. وهو أيضاً قابل للدحض بسهولة.

فهناك عدد كبير من العلماء والمفكرين والكتّاب العرب المسلمين قدموا إسهامات كبيرة خلال القرن الماضي. بعضهم حاز جائزة نوبل، مثل الروائي نجيب محفوظ، والدبلوماسي محمد البرادعي، والصحفية توكل كرمان، والعلماء أحمد زويل ومنجي الباوندي وعمر ياغي. وكثيرون غيرهم لم ينالوا جائزة غربية، لكنهم أسهموا إسهاماً كبيراً في بلدانهم وفي العالم.

نعم، يواجه العالم العربي تحديات في إنتاج المعرفة، لكن هذا لا يثبت وجود نقص فطري لدى شعبه، ولا يثبت نفوذاً ساحقاً لجماعة سياسية معينة. بل يعكس ظروفاً تاريخية ومؤسسية تؤثر في هذه العملية.

تاريخ المعرفة يتغير

لم تكن الحضارات الإنسانية متساوية في إنتاج المعرفة عبر التاريخ. بعضها ازدهر علمياً وفكرياً، وبعضها واجه تراجعاً واضطراباً.

لم يحدث التراجع لأن الشعوب فقدت قدراتها العقلية فجأة، بل لأن الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية والمؤسسية التي تسمح للمعرفة بالازدهار تتغير مع الزمن.

وفي حالة الحضارة الإسلامية، شهدت مراكزها، من بغداد ودمشق إلى القاهرة وقرطبة، حركة علمية وفكرية واسعة شارك فيها علماء ومترجمون وفلاسفة وأطباء وعلماء رياضيات من خلفيات دينية ولغوية متنوعة لقرون. ولم يكن هذا الازدهار منعزلاً عن العالم، بل بُني على الترجمة والنقد والتطوير والتفاعل مع المعارف اليونانية والسريانية والهندية وغيرها.

في المقابل، عرفت أجزاء من أوروبا تخلفاً كبيراً في التعليم العلمي والتطور. لكن أوروبا لم تكن كتلة واحدة، ولم تكن تلك القرون فترة مظلمة متجانسة. فقد شهدت أيضاً تطورات فكرية ومؤسسية وعلمية متفاوتة بين مناطق وأزمنة مختلفة.

يقرأ  احتجاجات طلابية في الأرجنتين داخل الحرم الجامعي ضد تقشف ميلي

ثم تغيرت الظروف الأوروبية تدريجياً: تطورت المؤسسات التعليمية والجامعات، واتسعت شبكات تداول الكتب والمعرفة، وتفاعلت التقاليد العلمية الأوروبية مع المعارف العلمية التي انتقلت من العالم الإسلامي وغيره.

لا أحد يستطيع أن يدعي، بناءً على هذه التفاوتات التاريخية، أن الأوروبيين غير قادرين بطبيعتهم على إنتاج العلم، أو أن دينهم أو أصلهم العرقي يمنعهم من الابتكار. فالتفسير التاريخي الجاد يركز على المؤسسات والاقتصاد والتعليم والدعم السياسي وشبكات المعرفة، لا على الادعاء بأن شعوباً معينة تفتقر إلى قدرات فطرية.

والأمر نفسه يجب أن ينطبق على العرب والمسلمين اليوم. فما دامت أوروبا استطاعت تغيير ظروف إنتاج المعرفة، فمن غير المنطقي افتراض أن واقع المجتمعات العربية والإسلامية اليوم يعكس حدوداً ثابتة في قدراتها العلمية أو الأدبية.

العلم إنساني وعالمي، وليس ملكاً عرقياً أو دينياً لأحد. والتراجع ليس قدراً جينياً لأي شعب، والازدهار ليس امتيازاً أبدياً.

تحديات اليوم

رفض تعميمات روبرت كينيدي جونيور لا يعني إنكار التحديات التي تواجه البحث العلمي في كثير من الدول العربية. فهناك أسئلة جدية تتعلق بتمويل البحث والتطوير، واستقلال الجامعات، وجودة التعليم، وحرية البحث والتعبير، واستقرار المؤسسات، والقدرة على جذب العلماء والاحتفاظ بهم، والربط بين المعرفة والاقتصاد والإنتاج. لكن هذه الأسئلة هي بداية التحليل العلمي لا نهايته.

فالمجتمع الذي لا يوفر للباحث مختبراً مناسباً، ولا يمنح الجامعات استقلالاً كافياً، ولا يخصص الموارد اللازمة للبحث، ولا يضمن استمرار المؤسسات العلمية، لا يمكن أن يتوقع نتائج قابلة للمقارنة مع مجتمع يستثمر في هذه المجالات بصورة مستدامة.

كما أن الحروب والصراعات والنزوح وهجرة الكفاءات وضعف التعاون العلمي يمكن أن تعطّل تراكم المعرفة، حتى عندما يملك المجتمع رأس مال بشري مؤهلاً. فالقدرة على التفكير والابتكار شيء، والقدرة على تحويلها إلى إنتاج علمي مستدام شيء آخر. وبين الاثنين توجد منظومة كاملة من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسات والسياسات.

يقرأ  وزير الصحة في جمهورية الكونغو الديمقراطية يحذّرمعدل وفيات الإيبولا «عالي جداً» والحصيلة ترتفع إلى ٨٠

إن إلقاء مسؤولية التحديات التي تواجه المجتمعات العربية المعاصرة على جماعة سياسية واحدة، كما فعل كينيدي جونيور في حالة جماعة الإخوان المسلمين، وتقديم ذلك كتفسير شامل لحال العلم والأدب لدى مئات الملايين من الناس، لا يرقى إلى تحليل تاريخي أو اجتماعي جاد.

يتأثر الإنتاج العلمي بمجموعة من المتغيرات المتداخلة: بنية الدولة، والسياسات الاقتصادية، وجودة التعليم، والإنفاق على البحث، والحرية الأكاديمية، والاستقرار، والعلاقات الدولية، والقدرة على تداول المعرفة.

قد تؤثر بعض الحركات السياسية أو الاتجاهات الفكرية في سياسات التعليم أو المناخ الثقافي في سياقات معينة. لكن إثبات هذا التأثير يحتاج إلى أدلة وتحليل مقارن، وهو ما يعجز عنه كينيدي جونيور على الأرجح إذا طُلب منه تقديمه.

والانتقال من نقد مؤسسة أو حركة سياسية إلى إصدار حكم على العرب أو المسلمين عموماً شكل من أشكال العنصرية والكراهية والإسلاموفوبيا، لأنه ينتقل من التحليل إلى التعميم، ومن البحث عن الأسباب إلى إعادة إنتاج الصور النمطية.

رد ذو معنى على كينيدي جونيور

لا تكمن مشكلة تصريح كينيدي جونيور في عدم دقته الواقعية بشأن الجوائز وسطحيتها فحسب، بل في المنطق الذي يقوم عليه: تحويل التفاوتات التاريخية في إنتاج المعرفة إلى أحكام واسعة على شعوب بأكملها.

فحمل تصريحه دلالة رمزية وفكرية وسياسية، ويعكس موقفاً استشراقياً عدائياً تجاه التراث العربي الإسلامي وحتى الشرقي.

ويتطلب الرد الجاد على هذه التصريحات أكثر من استدعاء أمجاد الماضي أو تعداد العلماء والمفكرين العرب والمسلمين؛ إنه يتطلب تحويل النقاش إلى مشروع للمستقبل.

نحتاج في العالم العربي إلى مزيد من الجامعات المستقلة القادرة على البحث، وإلى مختبرات مجهزة، وتمويل مستدام، وبيئة تسمح بالنقد والتجريب، وسياسات تحتفظ بالكفاءات العلمية، ومؤسسات تربط التعليم بالاقتصاد والابتكار.

كما نحتاج إلى قراءة نقدية موثقة لتاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية، قراءة تدرس الإنجازات والفشل معاً، وتفحص كيف نشأت المفاهيم العلمية وتطورت وانتقلت بين الحضارات.

يقرأ  هجمات إسرائيلية تُصيب مدنيين في مختلف أنحاء غزة أحدث خروقات وقف إطلاق النار — تقارير عن ضربات بطائرات مسيّرة

فالحضارة لا تستعيد مكانتها بتكرار القول إن أسلافها كانوا عظماء، بل ببناء المؤسسات التي تتيح للأجيال الجديدة إنتاج معرفة جديدة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة التحريري.

أضف تعليق