بينما يشعر كثيرون بالذعر من الذكاء الاصطناعي ويخشون على وظائفهم، هناك بعض صنّاع الأفلام في هوليوود يقولون إنهم صاروا قادرين، بفضل هذه التقنية الجديدة، على تجاوز شركات الإنتاج العملاقة وخوض مغامرات إبداعية أكثر جرأة.
هذا الأمر أربكني، لأنه يخلط بين شيئين أحبهما بشدّة: دعم المبدعين، وتكافؤ الفرص. صحيح أن الذكاء الاصطناعي يؤثر على صناعات بأكملها، لكنه في الوقت نفسه يفتح أبواباً لأشخاص كانوا حتى قبل سنوات قليلة لا يستطيعون حتى الحلم بمنافسة الاستوديوهات الكبرى التي تملك ميزانيات ضخمة. ومع ذلك، نحن اليوم على أعتاب عصر جديد يستطيع فيه منافسون يعملون في مكاتب متواضعة أن يصنعوا أفلاماً ناجحة من دون الحاجة إلى ديكورات هائلة.
هذا يعني أن صانع أفلام في غرفة نوم صغيرة قد يتفوّق على استوديو هوليوودي كبير. إنها قصة داوود وجليات بامتياز. من لا يحبّ أن ينتصر الطرف الأضعف؟ لكن من الصعب أن نكون مبتهجين تماماً ونحن نرى أن الأدوات نفسها تُبقي الممثلين وطواقم العمل مستيقظين طوال الليل قلقين على مستقبلهم.
صانع الأفلام البريطاني ويل نورمان هو أحد أمثال هذا الطرف الأضعف. لم يكن مهتماً كثيراً بما يمكن أن تقدّمه أحدث التقنيات، بل كان أكثر فضولاً لمعرفة ما يمكن أن يحقّقه أقدمها. لذلك قرر أن يسخر بلطف من هوس كريستوفر نولان الكامل بتقنية IMAX، من خلال مقطع ساخر بعنوان “صُوّر بآيماك”، حيث تنكّر بشخصية “كريستوفر نوتلان” وصوّر المقطع بالكامل باستخدام كاميرا الويب لحاسوب آيماك قديم من عام 2009 اشتراه من موقع إيباي مقابل 15 جنيهاً إسترلينياً. ويبدو أن سيارة الأجرة التي استقلّها لشراء الجهاز كلّفته أكثر من ثمن الجهاز نفسه.
كانت الفكرة مجرّد مزحة لمرة واحدة، لكنها حققت أكثر من 14 مليون مشاهدة. عندها تغيّر كل شيء. بدأ الناس يتواصلون مع ويل ويعرضون عليه وقتهم ومعداتهم ومهاراتهم، حتى يتمكن من صناعة فيلمه “أوديرسي”؛ وهو إعادة سرد قصيرة من عشر دقائق لملحمة هوميروس “الأوديسة”، صُوّرت بالكامل على نفس حاسوب الآيماك.
تحدّث عن “إجهاد” حاسوب قديم بكل ما تعنيه الكلمة. لقد ثقبوا فتحات في قاعدته السفلية لتثبيته على حامل ثلاثي. شغّلوه ببطارية خارجية في مواقع التصوير. واستخدموا دراجات “لايم” الشهيرة كمسارات للكاميرا. كما ألصقوا عدسات هواتف قابلة للفصل فوق كاميرا الويب. وقدّمت تطبيق “فوتو بوث” القديم المؤثرات البصرية. أما بالنسبة للمشهد الأضخم، سفينة حربية من إيثاكا تعبر بحراً هائجاً، فقد ربطوا الآيماك برافعة ضخمة بارتفاع 25 قدماً وعلّقوه فوق قارب مطاطي في بحيرة بإسكس. لقد فعلوا ما يفعله كل المبدعين منذ الأزل: ارتجالاً.
لكن كانت هناك مشكلة واحدة. حاسوب آيماك عمره 17 عاماً لا يستطيع تسجيل صورة كاميرا الويب الخاصة به دون أن يتجمّد. فقام الفريق بربط جهاز آيباد في الخلف بأربطة بلاستيكية، وبثّوا إشارة الفيديو إليه، ثم سجّلوا الشاشة من الآيباد. إنها فكرة عبقرية، لكنها كانت تعني أيضاً أن أي لقطة مثالية يمكن أن تفسد في أي لحظة، إما بسبب مؤشر فأرة ضائع، أو إشعار تحديث للبرنامج. يقول ويل: “كانت القيود هي الجزء الأكثر إثارة. الكاميرا لا تتحكم في التركيز، ولديها نطاق ديناميكي محدود للغاية، وتقرر أحياناً أن يجعل وجهك أرجوانياً، لذلك كل مشهد كان يتطلب منا ابتكار حل عملي مستحيل تماماً”.
النتيجة عشر دقائق مليئة بالضحك، فيها عمالقة بتقنية المنظور القسري، وهل كان ذلك سام كورنفورث في دور الكيكلوب؟، وخيول مصغّرة في الرمال، وخلفيات “فوتو بوث” الكلاسيكية، والكثير من المرح السخيف حول بحيرة في إسكس. عُرض الفيلم لأول مرة في سينما “كلوز-أب” في لندن، وقدّمه المخرج والناقد جاك هوارد، الذي وصفه بأنه “سينما خالصة”، وأضاف: “لست متأكداً أنني سأرى شيئاً مثل هذا مجدداً. ولست متأكداً أنني أرغب في رؤية شيء مثل هذا مجدداً”.
بعيداً عن المزاح، استطاع ويل أن يحوّل لحظة انتشار واسعة إلى شيء أكثر دواماً، بمساعدة فريق يتكوّن من ثلاثين شخصاً، وذكّرنا في الوقت نفسه بمتعة الإبداع نفسها. الأمر يتعلق بحلّ المشكلات، والعمل ضمن القيود، والوصول إلى أفكار ذكية لصناعة منتج نهائي. صحيح أن “أوديرسي” لن يفوز بأي أوسكار، لكنه بالتأكيد يبهجنا ويضع ويل أمام جمهور كبير من المعجبين الجدد.
أعرف أن هذا قد يثير بعض الاستغراب، لكن مهما كانت درجة اضطراب الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة لصناعاتنا الإبداعية المحبوبة، فإن مشروع ويل يذكّرنا جيداً بأن أفضل الأفكار ما تزال تأتي منا نحن.
فيلم “أوديرسي” متاح للمشاهدة على يوتيوب. وقد طلب ويل من الناس مشاهدته على حاسوب آيماك إن أمكنهم ذلك، ثم مشاركة صورة على إنستغرام ستوريز مع الإشارة إلى @willnormanfilms ووسم #AsNotlanIntended. وفي المقابل، سيحصل المشاهد على صورة شخصية رقمية موقّعة شخصياً من كريستوفر نوتلان نفسه.